أوروبا بين جحيم الحرائق وكابوس الحر.. 20 ألف قتيل بسبب ارتفاع درجات الحرارة.. حرائق ضخمة تلتهم مئات الآلاف من الهكتارات في إسبانيا وفرنسا.. وخبراء يحذرون: تغير المناخ يحول القارة إلى ساحة قتال للكوارث الطبيعية

الإثنين، 03 أغسطس 2026 03:00 ص
ارتفاع درجات الحرارة

فاطمة شوقي

تعيش أوروبا هذا الصيف واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخها الحديث، حيث كشفت التقارير الرسمية المحدثة أن موجة الحر التي ضربت غرب القارة في أواخر يونيو الماضي، أسفرت عن ما يقرب من 20 ألف وفاة، في حصيلة تضاعفت ستة أضعاف التقديرات الأولية، مما يجعل تلك الأيام السبعة الأكثر فتكاً في أوروبا منذ موجة الحر التاريخية عام 2003، بل وتتجاوز حتى أشد أسابيع جائحة كوفيد-19 فتكاً.

 


وفي الوقت نفسه، تشهد إسبانيا وفرنسا حرائق غابات مدمرة غير مسبوقة، التهمت مئات الآلاف من الهكتارات وأجبرت أكثر من 300 ألف شخص على الفرار من منازلهم، في مشهد وصفته السلطات بأنه الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.

 

حصيلة الضحايا.. أرقام صادمة تعيد كتابة التاريخ

كشفت بيانات شبكة "يورو مومو" الأوروبية لرصد الوفيات، المدعومة من المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومنظمة الصحة العالمية، أن الفترة بين 22 و28 يونيو شهدت تسجيل 10,650 حالة وفاة زائدة عن المعدل الطبيعي في 27 دولة أوروبية، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام غير نهائية وقد ترتفع مع استكمال مراجعة شهادات الوفاة المتأخرة. وأكدت الشبكة أن الغالبية العظمى من الضحايا، أكثر من 9,000 شخص، كانوا من كبار السن فوق 65 عاماً، حيث يشكلون الفئة الأكثر هشاشة أمام موجات الحر التي تسبب الجفاف وتفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي.

وصرح كبير الأطباء في المعهد الدنماركي للصحة العامة، لاسي فيسترجارد، بأن "تسجيل هذا العدد الكبير من الوفيات في هذا الوقت من العام أمر غير معتاد، ومن الصعب تفسير هذا الارتفاع الاستثنائي بأي سبب آخر غير الحرارة الشديدة". وأكدت البيانات أن فرنسا وبلجيكا كانتا الدولتين الوحيدتين اللتين سجلتا "نسبة وفيات مرتفعة جداً" خلال الأسبوع الأخير من يونيو، فيما كانت بلجيكا قد سجلت أعلى معدل وفيات أثناء موجة حر منذ بدء جمع البيانات في عام 2000.

وفي التفاصيل الوطنية، رفع المعهد الألماني روبرت كوخ تقديراته إلى 5,120 وفاة، بينما قدرت السلطات الفرنسية حصيلتها بـ 5,764 وفاة خلال الفترة بين 17 يونيو و2 يوليو، مسجلة زيادة بنسبة 36.2% عن المعدل الطبيعي للوفيات، مع تركيز ثلث الوفيات في منطقة باريس رغم أنها لا تضم سوى 20% من سكان البلاد. وفي بريطانيا، قدرت دراسة منفصلة لجامعة إمبريال كوليدج ومكتب الأرصاد الجوية البريطاني أن نحو 2,700 شخص لقوا حتفهم بسبب الحرارة في إنجلترا وويلز خلال شهري مايو ويونيو، وأن 42% من هذه الوفيات تعزى مباشرة إلى الاحتباس الحراري الناجم عن النشاط البشري.

 

الحرائق.. كابوس موازٍ يلتهم أوروبا

بينما كانت أوروبا تحاول استيعاب حجم الكارثة البشرية، كانت النيران تلتهم غابات إسبانيا وفرنسا في مشهد وصفته مجلة "نيتشر" العلمية بأنه قد يمثل تحولاً في أنماط الحرائق في جنوب أوروبا، حيث بدأت المنطقة تشهد ظروفاً مشابهة لكاليفورنيا المعروفة بقابليتها الشديدة للاشتعال. ففي إسبانيا، تجاوزت المساحات المحترقة 200 ألف هكتار، مع تسجيل حريق بالقرب من مدريد كأكبر حريق منفرد في تاريخ البلاد.

وأعلنت الحكومة الإسبانية حالة الطوارئ الوطنية لأول مرة بسبب حرائق الغابات، مع إجلاء أكثر من 19 ألف شخص من ضواحي العاصمة، ووصفت رئيسة إقليم مدريد إيزابيل دياز أيوسو الوضع بأنه "أسوأ حريق في تاريخ المنطقة"، مشيرة إلى اندماج حرائق ضخمة شمال غرب المدينة واقتراب ثالث منها.

في فرنسا، كان الوضع كارثياً بالمثل، حيث اضطر أكثر من 200 ألف شخص، معظمهم من السياح، إلى إخلاء منازلهم ومعسكراتهم في منطقة جيروند جنوب غربي البلاد، التي تضم مدينة بوردو الشهيرة بنبيذها. والتهمت النيران أكثر من 162 كيلومتراً مربعاً في أقل من أربعة أيام، أي ما يعادل أربعة أضعاف مساحة باريس، ووصلت النيران إلى مشارف المدينة، مما استدعى نشر 2,500 من رجال الإطفاء و1,500 جندي و1,200 شرطي لمكافحتها، مع استشهاد أربعة من رجال الإطفاء الفرنسيين خلال عمليات الإطفاء. وأكد جان لوك غلييز، المسؤول في إقليم جيروند، لبي بي سي أن الموارد المتاحة "ليست كافية" لمواجهة هذا الحجم من الحرائق، مشيراً إلى صعوبات جمّة في السيطرة على الجحيم المتصاعد.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية حجم الدمار الهائل، حيث امتدت مساحة محروقة بعرض 30 ميلاً غرب مدريد، بينما التهم حريق آخر أكثر من 80 ألف فدان شمال شرق العاصمة الإسبانية. وأشارت بيانات نظام معلومات الغابات الأوروبي إلى أن المساحة المحترقة في إسبانيا حتى نهاية يوليو تضاعفت خمس مرات عن نفس الفترة من العام الماضي، الذي كان قياسياً في حد ذاته.

 

تغير المناخ.. المحرك الخفي للكارثة

يجمع العلماء على أن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري هو العامل الأساسي وراء هذه الكوارث المتتالية. فقد أكد باحثون من مجموعة "عالم الطقس" أن الاحتباس الحراري يجعل موجات الجفاف في أوروبا أكثر شدة، ويخلق الظروف المثالية لانتشار الحرائق بسرعة خارقة وصعوبة السيطرة عليها. وتوقعت دراسة نشرتها مجلة "ساينتفيك ريبورتس" أن تكون شدة الظروف الجوية الحارة والجافة المؤاتية للحرائق في أجزاء من فرنسا وإسبانيا أعلى بنسبة تصل إلى 50% في العقد الماضي مقارنة بالفترة بين 1981 و2010، وأن المناطق التي كانت تشهد أقل من عشرة أيام من الظروف شديدة الخطورة للحرائق سنوياً، باتت تشهد الآن ما يصل إلى 25 يوماً.

وحذرت كريستينا سانتين، الباحثة في حرائق الغابات بجامعة أوفييدو الإسبانية، قائلة: "لطالما أخبرنا المجتمع بأن هذا سيحدث، وأننا سنواجه حرائق أكبر وأكثر كارثية وخطورة، والآن هي هنا"، وأكدت أن هذا النمط "لا يمكن إيقافه" في ظل استمرار ارتفاع درجات الحرارة، بينما أقر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بأن "حالة الطوارئ المناخية تتفاقم عاماً بعد عام"، محذراً من أن "إنكار تغير المناخ هو أسوأ وقود لمكافحة هذه الأزمة".

 

مستقبل قاتم.. القادم أسوأ

مع دخول أوروبا في موجة حر جديدة متوقعة اعتباراً من مطلع أغسطس، مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة مجدداً إلى 40 درجة مئوية في جنوب القارة وامتدادها إلى وسط فرنسا وألمانيا، يبدو أن الأسوأ لم يأتِ بعد. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية والمفوضية الأوروبية إلى أن هذه الظواهر ستزداد تواتراً وشراسة، خاصة وأن أوروبا هي القارة الأسرع ارتفاعاً في درجات الحرارة على مستوى العالم، بمعدل يضاعف المعدل العالمي.

وأشارت التقارير إلى أن حوالي 60% من أضرار حرائق الغابات في أوروبا تحدث عادة في شهر أغسطس وحده، مما ينذر بكارثة محققة في حال استمرت الظروف الجوية على حالها. وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات لتكثيف الجهود الدولية لمكافحة تغير المناخ، والاستعداد بشكل أفضل لمواجهة كوارث أصبحت حتمية، حيث أكد وزراء من إسبانيا وبريطانيا في بيان مشترك أن "حرائق هذا الصيف أثبتت أن تغير المناخ أصبح الآن حالة طوارئ أمنية وطنية تواجه أوروبا وتهدد أسلوب حياتنا".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة