بين ضربات أمنية وقضائية متلاحقة، وتحولات سياسية وجيوسياسية أعادت رسم خريطة نفوذ جماعة الإخوان الإرهابية، ومحاولات مستمرة لإعادة تقديم نفسها عبر واجهات جديدة، عاشت الجماعة خلال عام 2025 حالة من الارتباك التنظيمي والسياسي، دون أن يعني ذلك انتهاء قدرتها على المناورة أو التمدد في ساحات جديدة.
وفي الوقت الذي اتجهت فيه دول إلى تشديد إجراءاتها تجاه التنظيم وفروعه وشبكات تأثيره، ظهرت محاولات إخوانية لإعادة ترتيب الأوراق، عبر تغيير أسماء المؤسسات والواجهات، ونقل النشاط من دول إلى أخرى، والتخفيف من الارتباط التنظيمي المباشر، مع التحول إلى خطاب أكثر مرونة تحت عناوين مثل الوسطية والأممية والتنمية البشرية.
ويرصد ماهر فرغلي، الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، في قراءة لخريطة الإخوان خلال عامي 2025 و2026، أبرز التحولات التي شهدها التنظيم دوليا وإقليميا ومحليا، مؤكدا أن الجماعة لم تختف، لكنها تعيد تشكيل أدواتها ومراكز وجودها بما يتناسب مع الضغوط التي تواجهها.
وقال ماهر فرغلي، الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة: "انتهى عام 2025 بأمر تنفيذي أمريكي يبدأ تصنيفات لفروع معينة للإخوان بأنها إرهابية، فيما تمددت الجماعة في بعض المناطق، وكمنت في أخرى، ليصبح هناك آراء مختلطة بشأن انحسارها أو تمددها، ومدى تأثير التحولات الجيوسياسية التي جرت على نفوذ تنظيمها الشبكي المعقّد على المدى الطويل، وعلى طبيعته وعلى المنتسبين له في العالم."
وأضاف أن هناك تطورات رئيسية عالمية تمثل التطور الأول، أنه كان في نوفمبر 2025، حين أصدرت الولايات المتحدة أمراً تنفيذياً لبدء تصنيف فروع معينة من جماعة الإخوان– وتحديداً في مصر والأردن ولبنان– كمنظمات إرهابية أجنبية، كما شملت الإجراءات على مستوى الولايات تكساس وفلوريدا تصنيف الإخوان والجماعات التابعة لها مثل CAIR ككيانات إرهابية، مما قد يتيح تجميد الأصول وتعزيز الملاحقات القضائية. ومع ذلك، رأى النقاد أن هذه الإجراءات قد تكون واسعة النطاق بشكل مفرط، مما يعرض لخطر "حظر مسلمين من الباب الخلفي" ويؤثر على الأعضاء غير العنيفين.
التطور الثاني
صدور التقرير الفرنسي حول الإخوان الإرهابية والذي نُشر في مايو 2025 وهو تقرير حكومي رفيع المستوى حذر من "تهديد" الجماعة للتماسك الوطني الفرنسي، وأشار إلى تغلغلها في قطاعات مثل التعليم والعمل الخيري، داعيا لسياسات أكثر صرامة لمواجهة ما يُسمى "الإسلام السياسي". وكان من نتيجته اتجاه الحكومة الفرنسية نحو تشديد السياسات، وتعليق نشاطات للإخوان في فرنسا، ووضع قائمة من 120 قياديا على رأسهم أحمد جاب الله، على قائمة الطرد.
التطور الثالث
الكشف في 15 نوفمبر عن الاستيلاء على تبرعات جمعت باسم قطاع غزة، عبر شبكات يشتبه بارتباطها بتنظيم الإخوان الإرهابي، بعد اتهامات سبق أن وجهتها حركة "حماس" وبعض الباحثين لجمعية "وقف الأمة" وشبكات إخوانية في دول أجنبية استولت على نصف مليار دولار من التبرعات. وأتبع هذا تقريرا سويديا نشرته صحيفة اكسبريس بأن الجماعة اختلست 100 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب، عبر شبكة مدارس مرتبطة بها.
التطور الرابع
مناقشات في البرلمان الألماني حول مشروع قرار لحظر الإخوان، وتعهد الحكومة بتأسيس مجلس استشاري مدعوما بخطة عمل لمكافحة الإسلام السياسي، وحظر منظمة "مسلم انتراكتيف" المرتبطة بالجماعة الإرهابية. وأتبع ذلك مطالبات انطلقت من داخل برلمان سويسرا، على يد النائبة جاكلين دو كواترو عن الحزب الليبرالي الراديكالي/كانتون فود، للتحقيق في وضع ونشاط جماعة الإخوان الإرهابية في البلاد، وشبكات تأثيرها.
التطور الخامس
على إثر سقوط الشيخة حسينة في بنجلاديش نهاية عام 2024 عبر «ثورة شعبية»، استغلت الجماعة الإرهابية الأوضاع لتحقيق أهدافها عبر تشكيل حكومة مدنية تهيمن عليها، هي وشبكات الإسلام السياسي المنضوية في فلكها خلال 2025.
التطور السادس
نظمت الجماعة الإرهابية تظاهرات في عدة دول على خلفية دعم غزة، كما استهدفت حصار السفارات المصرية في بعض الدول الأوروبية، والتظاهر أمام أخرى، ومنها سفارة مصر بتل أبيب، ما أثار موجة كبيرة من انتقادات للجماعة، لكنها سرعان ما عادت إلى خطاب براجماتي، إذ شكر صلاح عبد الحق، القائم بأعمال المرشد، في أكتوبر 2025، النظام المصري والقطري والتركي على اتفاق وقف الحرب في القطاع.
كما أوضحت التطورات الرئيسية الإقليمية والتي جاءت كالتالي:
حيث أعلنت وزارة الداخلية المصرية في يناير 2025، تفكيك لجان إعلامية وكيانات تجارية تستخدمها الجماعة الإرهابية كواجهات لتمويل أنشطتها، وضبط كوادر قائمة عليها، مشيرة إلى أن القيمة السوقية لتلك الكيانات بلغت 2.4 مليار جنيه.
وجه الأردن في أبريل 2025، ضربة «قاصمة» للإخوان؛ إذ أعلن أنها جماعة «محظورة»، وأحال أصولها وأملاكها إلى القضاء، بينما أغلقت العديد من المقرات المشتركة مع حزب جبهة العمل الإسلامي المرخص منذ العام 1992، وتمت ملاحقة أعضاء مشتركين في الجماعة والحزب، بعد كشف مخطط تخريب للجماعة.
فيما أطلقت جماعة الإخوان الإرهابية مشروعها السياسي والحركي، عبر مؤسسة ميدان، الموافق 19 إبريل 2025، كما أطلقوا رؤيتهم السياسية، والحركية المتمثلة في الانتفاضة والعمل الثوري والضغط الخارجي وعمل أي ثغرة للثورة الشعبية، وشبكة لتنظيم الحراك وكسب الحلفاء في الداخل. وهذا أعقبه في 4 يوليو 2025، أن حركة «حسم»، المنبثقة عن هذا التيار، نشرت فيديو لتدريبات عسكرية، معلنة استعدادها للعودة إلى العمل المسلح، ومتوعدة بتنفيذ عمليات إرهابية. وأثار هذا صدمة واسعة، ما دفع جبهة إسطنبول إلى إعلان التبرؤ من الحركة، بينما التزمت جبهة لندن الصمت، في حين أشاد قادة محسوبون على «تيار التغيير» بالفيديو، واعتبروه دليلا على استمرار «المقاومة»، على حد تعبيرهم.
وفي 20 يوليو، أعلنت وزارة الداخلية المصرية مقتل قيادي وعنصر من «حسم» الإرهابية في اشتباك بمنطقة بولاق الدكرور غرب القاهرة، مؤكدة إحباط مخطط إرهابي يستهدف منشآت أمنية واقتصادية، وكشفت عن أسماء قيادات مقيمة في دول أجنبية.
فيما تفجّر خلاف بين حركة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح وحزبها العدالة والتنمية المغربي على خلفية التضامن مع قطاع غزة، وخرجت السكرتارية المحلية للجبهة المغربية لدعم فلسطين بطنجة، التي تقودها جماعة العدل والإحسان، ببيان ناري ضد المبادرة المغربية للدعم والنصرة التي تضم نشطاء من حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، ما أدى إلى معركة كبيرة بين دفتي التنظيمات الحليفة والشريكة للإخوان.
وكان عام 2025 هو عام الحسم القضائي في تونس مع حركة النهضة ففي 28 نوفمبر الماضي، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف في تونس، حكماً نهائياً بحق 40 متهما من قيادات الإخوان وحلفائهم في قضية ما يُعرف بـ"التآمر على أمن الدولة 1"، وفي التاسع من شهر يوليو الماضي، قضت بأحكام سجن مشددة بحق عدد من القيادات الإخوانية، فيما يعرف بـ«قضية التآمر على أمن الدولة 2»، على رأسهم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، وفي الخامس من فبراير الماضي، أصدر القضاء التونسي، أحكاما بالسجن في حق 41 متهما في قضية التخابر المعروفة إعلاميا بقضية "انستالينغو"، وكذلك أصدر أحكاما في قضايا التسفير والفساد المالي.
وشهدت موريتانيا حالة تطبيع مع الجماعة، وإنشاء حزب جديد لها، في الوقت نفسه الذي شهدت في شهر يناير 2025 زيارات لقيادات لتنظيم الإخوان الدولي.
كما شهدت السنغال خلال 2025 توغلا كبيرا للجماعة للدرجة التي سيطرت فيها على المكتب الديني الذي أنشأه الرئيس بشير جوماي فاي، وكان منهم المدعو عبد القادر أفال، والمدعو محمد غلاي انجاي، الذي تم استدعاؤه من بلجيكا.
فيما استمر حزب الإصلاح الصومالي (الإخوان) في أنشطته المجتمعية خلال عام 2025 بما في ذلك البرامج التعليمية والخيرية، خاصة في المناطق الحضرية مثل مقديشو. وبقيت مشاركته السياسية خفية، مع روابط بأحزاب مثل الحزب الجديد المرتبط بالرئيس حسن شيخ محمود.
التمدد أم الانحسار؟
عالمياً، فقد شهد التنظيم زيادة في التدقيق الحكومي والحظر في مناطق متعددة حول العالم، وتم تتويج هذا بالقرار التنفيذي للرئيس ترامب، مما يعكس تحولاً في السياسات الدولية تجاه الجماعة، بالإضافة إلى تصاعد المخاوف في أوروبا بشأن التأثير طويل الأمد للإخوان، حيث أجريت مناقشات مكثفة حول ما إذا كانت الجماعة تمثل حركة اجتماعية معتدلة تسعى للإصلاح أم تهديداً أمنياً يتطلب مواجهة. وعلى الرغم من عدم صدور حظر جديد واسع النطاق، إلا أن المناقشات أبرزت التوتر بين الحفاظ على الحريات والحماية من التطرف، مما يفتح الباب أمام إجراءات قانونية مثل تجميد الأصول وتعليق الأنشطة بشأن مجلس مسلمي أوروبا (إخوان أوروبا). وأيضا تأثير ذلك على دول أخرى في أمريكا اللاتينية مثل البرازيل وباراجواي، التي تحافظ على تصنيفها الإرهابي للجماعة، وتدقق في مصادر تمويلها من (تجارة الحلال).
ما سبق دفع التنظيم الدولي لعقد عدة اجتماعات في مدينة لاهور، على خلفية الاحتفالات السنوية بتأسيس الجماعة الإرهابية، اتفقوا فيه على: تغيير أسماء الواجهات الإخوانية، وإخفاء مسمى التنظيم الدولي، واعتماد تحول الإخوان إلى تيار فكري، ومؤسسات ترفع راية الأممية والوسطية الإسلامية، وعدم استهداف المؤسسات الشيعية في أوروبا وأمريكا اللاتينية.
وتشير جهود الجماعة الإرهابية إلى أن فروعها بدأت بالفعل تنفيذ الاستراتيجية، حيث استمرت الجماعة في أمريكا اللاتينية في إقامة المؤسسات التمويلية لتجارة الحلال، وفي آسيا، التي صنعوا فيها مزيجاً من الإحياء والتحديات في عام 2025، مع أنشطة سياسية ومجتمعية بارزة في دول مثل باكستان وبنغلاديش من خلال جماعات مرتبطة مثل الجماعة الإسلامية، بينما بدا النفوذ في إندونيسيا وماليزيا أكثر هدوءاً، وشهدت بنجلاديش إحياءً لفرع الجماعة مع تجمعات واستعدادات انتخابية، مدعومة بشبكات اقتصادية. واستضافت الجماعة بإندونيسيا مخيمات الكشافة وقمم الشباب والمستقطبين الجدد.
ومن الواضح اعتماد الجماعة لهذه الحركية الجديدة، التي تكسبها القدرة على المناورة والعمل في كل الدول وأحلك الظروف، حيث تستطيع بسهولة الهروب من النشاط داخل التنظيم إلى منتديات الأممية والوسطية والتنمية البشرية. وتتحرّر من الالتزام الحزبي، فضلا عن حل مشاكل أخرى تتعلق بمناهج العمل والتغيير، وتضمن بسهولة ويسر ألا يتم تصنيفها إرهابية.
وظهر أن خارطة التوطين والتواجد العالمية للجماعة هي الانتقال من دول المركز الأوروبي في فرنسا والسويد وألمانيا وبريطانيا إلى دول مثل البوسنة وألبانيا، والانتقال من أمريكا الشمالية إلى الوسطى والجنوبية ودول وسط وشرق آسيا، وتخفيف الحمولة على دول أجنبية أخرى، والاستمرار في الاحتفاظ بمؤسسات لا تحمل اسم الجماعة بالخليج، مع بدء ما يعرف بجهاز التخطيط داخل دولي الإخوان وضع خطة، تصب أغلب التغييرات الجديدة فيها على هيكلة قيادات شبكة الجمعيات والمساجد، أو قيادات المناطق، وتشكيل العديد من المجالس الجديدة استعدادا لانطلاقة جديدة، في ظل التحركات الأوروبية والأمريكية الأخيرة لإغلاق العديد من المؤسسات التابعة للإخوان.
محليا وداخليا، على المستوى الحركي اختارت الجماعة الإرهابية التخلي عن الشكل التنظيمي، وبدأت في نقل مؤسساتها وتغيير واجهاتها من دول لأخرى حسب المصلحة، وظهر أن هناك انتقالا لها من الشرق إلى دول جديدة مثل ألبانيا والبوسنة، وقرغيزيا وجنوب أفريقيا والسنغال وبنجلاديش وكوريا الجنوبية والفلبين والبرازيل، معتمدين على نشاط اجتماعي واسع عن طريق جمعيات متواجدة بدول الخليج مثل الإصلاح الكويتية، ومؤسسة "تبارك" الخيرية، وجمعية "السلام" الإنسانية والخيرية، ويرتبط هذا أيضا بتساهل الحكومات بهذه الدول ومنحها الحرية لهم، حيث أصبحوا يتمركزون في كيب تاون وجوهانسبرج، وساوباولو، وكوالا لامبور، وهرجيسا عاصمة صوماليلاند وغيرها، عن طريق منظمات الدعوة، و(اتحاد الشباب المسلم) وهيئة الإغاثة العالمية.
في موريتانيا التحركات الجديدة للإخوان تدلل على النهج الجديد وهو التقرب من النظام، وتبديل المنظمات والمؤسسات القديمة بأخرى جديدة حاصلة على ترخيص قانوني تتولى مواصلة أنشطتها، مثل: جمعية المستقبل التي حلت محلها جمعية (الإصلاح للأخوة والتربية) و(الجمعية الموريتانية للتنمية والثقافة)، وجمعية الخير للتكافل الاجتماعي أصبحت بديلاً لجمعية الحكمة، ونادي مصعب بن عمير لرعاية الشباب، الذي استبدلوه بـ "جمعية شبيبة بناء الوطن" وهكذا،
في الوقت نفسه، يبدو أن الحظر الشامل الذي فرضته الأردن في أبريل 2025 كان نكسة استراتيجية كبرى، خاصة مع الاتهامات بتورط في مخططات تخريبية.
واختتم حديثه قائلا إن الإخوان عاشت خلال عام اضطرابا غير مسبوق بسبب التغيرات الجيوسياسية التي مرت بها، لكنها حافظت على استقرارها في الأقطار التي تتواجد بها، مع تغييرات هيكلية في الواجهات وأسمائها، ونقل مؤسساتها أو التخفيف من الحمولة الحركية لها في دول أوروبا والولايات المتحدة، وهي ما بين الانحسار والتمدد تعيش خلال 2026.