تدخل محاكمة وفاة أسطورة كرة القدم الأرجنتينية دييجو أرماندو مارادونا مرحلة جديدة شديدة الحساسية، بعدما كشفت جلسات القضية عن خطأ طبي وإداري غير مسبوق يتعلق بالسجلات التي اعتمد عليها خبراء في تقييم الحالة الصحية للنجم الراحل. فجزء من الفحوص الطبية التي جرى التعامل معها على أنها تخص مارادونا تبيّن لاحقًا أنها تعود إلى والده، دييجو «دون دييجو» مارادونا، الذي توفي عام 2015.
وتأتي هذه التطورات بينما تستأنف المحكمة اليوم الخميس 27 أغسطس 2026 جلساتها للاستماع إلى ثلاثة أطباء شاركوا في الهيئة الطبية التي درست ظروف وفاة مارادونا، وهم طبيب الكلى هيرنان تريمارتشي، وطبيب القلب جوستافو دي نيرو، وطبيب الكبد فرناندو كايرو. ويكتسب حضورهم أهمية خاصة لأن الشهادات السابقة للخبراء تضمنت استنتاجات طبية استندت، جزئيًا، إلى وثائق أصبحت محل شك بعد اكتشاف الخلط بين سجلات الأب والابن.
القصة بدأت بفحص طبي لم يكن لمارادونا
الشرارة التي فجرت الأزمة داخل قاعة المحكمة جاءت أثناء تحليل الوثائق الطبية التي استخدمتها الهيئة الطبية متعددة التخصصات في القضية. فقد اكتشف محامو الدفاع أن بعض التحاليل التي جرى تقديمها باعتبارها جزءًا من التاريخ المرضي لمارادونا تعود في الواقع إلى والده "دون دييجو".
وتحديدًا، ظهرت المشكلة في وثائق وفحوص تعود إلى سنوات سابقة على وفاة مارادونا، بعضها بين عامي 2012 و2015، وهي الفترة التي كان فيها والده لا يزال يتلقى العلاج قبل وفاته عام 2015.
المفارقة أن الوثائق لم تكن تحمل ببساطة اسمًا مختلفًا يمكن اكتشافه بسهولة، وإنما انتهت داخل النظام الطبي تحت اسم «دييجو أرماندو مارادونا»، وهو الاسم الكامل للاعب الشهير، الأمر الذي جعلها تبدو وكأنها جزء من ملفه الطبي، وفقا لتقرير نشرته صحيفة لاناثيون الفنزويلية.
كيف حدث الخطأ؟
وفقًا للتفسير الذي قدمته شركة Swiss Medicalفي تقرير داخلي، كان الأب والابن مسجلين في الأصل ببيانات منفصلة، وكانت طلبات الفحوص مرتبطة بكل مريض بصورة صحيحة.
لكن بعد تسجيل والد مارادونا في نظام المختبر، حدث تعديل في بياناته، إذ أضيف اسم «أرماندو» إلى اسم «دييجو مارادونا». ونتيجة هذا التعديل، بدأ النظام يتعامل مع السجل باعتباره يخص دييجو أرماندو مارادونا.
وبحسب التقرير، أدى هذا التغيير إلى توحيد سجلات المختبر تحت اسم واحد، فأصبحت بروتوكولات وفحوص تخص الأب تظهر إلى جانب فحوص تخص الابن داخل الملف نفسه، وبذلك، أصبح لدى النظام الطبي سجل يحمل اسم شخص واحد، لكنه في الحقيقة يحتوي على بيانات طبية تخص شخصين مختلفين.
وتقول الشركة إن المشكلة ارتبطت أيضًا بطريقة العمل في تلك الفترة، إذ كانت بعض البيانات الإدارية ونتائج الفحوص تدخل يدويًا، ولم تكن الأنظمة المختلفة مرتبطة بصورة آلية تسمح باكتشاف الخلل بسهولة.
ماذا يمثل الأمر مشكلة كبيرة في المحاكمة؟
الخطأ لا يتعلق فقط بمشكلة إدارية داخل شركة تأمين طبي، بل أصبح ذا أهمية قضائية مباشرة، لأن بعض تلك الوثائق دخلت ضمن المواد التي درستها هيئة طبية تضم 22 خبيرًا في إطار التحقيق في وفاة مارادونا.
وتزداد حساسية المسألة لأن أحد الأطباء، طبيب الكلى هيرنان تريمارتشي، تحدث في شهادته السابقة عن إصابة مارادونا بمشكلة كلوية مزمنة، وقال إن هذه الحالة لم تكن سهلة الملاحظة لأنها لا تظهر بالضرورة بصورة واضحة، وإن تشريح الجثة أكد وجودها.
لكن بعد اكتشاف أن بعض فحوص الكلى التي جرى الاستناد إليها تخص في الواقع والد مارادونا، أصبح السؤال المطروح أمام المحكمة هو: أي جزء من المعلومات الطبية التي اعتمد عليها الخبراء كان يخص مارادونا فعلًا؟. وهل يمكن أن تكون بيانات الأب قد أثرت على تقييم حالة الابن الصحية، وبالتالي على الاستنتاجات التي توصل إليها الخبراء بشأن الرعاية الطبية التي تلقاها في الأيام الأخيرة من حياته؟
هذه الأسئلة أصبحت جزءًا أساسيًا من النقاش القانوني، خصوصًا أن بعض الدفاعات تدرس إمكانية الطعن في قيمة بعض الأدلة أو طلب استبعادها إذا ثبت أنها بنيت على وثائق غير صحيحة.
المحكمة تتحرك.. وتفتيش في المؤسسات الطبية
مع تصاعد الأزمة، لم تكتف المحكمة بمواصلة الجلسات، بل اتخذت إجراءات للحصول على الوثائق الأصلية والتحقق من مصدرها.
وأمرت المحكمة الجنائية رقم 7 في سان إيسيدرو بإجراءات تفتيش ومصادرة مستندات من منشآت طبية وشركة Swiss Medical، بهدف تحديد الوثائق التي تخص مارادونا فعلًا وكيف وصلت المستندات الخاصة بوالده إلى الملف المستخدم في القضية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن المحكمة لا تبحث فقط عن تفسير تقني للخطأ، وإنما تحتاج إلى معرفة مدى تأثيره على الأدلة الطبية التي استند إليها خبراء القضية.
وقد جرى، وفق تقارير محلية، ضبط عشرات الصفحات من الوثائق الطبية، بينما تتواصل عملية مراجعة الملفات الأصلية للتأكد من الفصل بين التاريخ المرضي للأب والتاريخ الطبي لابنه.
الأب والابن.. اسم واحد تسبب في أزمة قضائية
دون دييجو، كان والد مارادونا، وتوفي عام 2015 في مستشفى «لوس أركوس». أما دييجو أرماندو مارادونا فتوفي في 25 نوفمبر 2020، بعد تدهور حالته الصحية خلال فترة التعافي من جراحة في المخ.
وهنا تكمن المفارقة التي جعلت الخطأ أكثر خطورة: والد مارادونا وابنه يحملان الاسم نفسه تقريبًا، لكنهما مريضان مختلفان تمامًا، ولهما أرقام وملفات طبية منفصلة.
وتشير الوثائق التي ظهرت خلال القضية إلى أن أرقام الانتساب إلى نظام التأمين الطبي كانت مختلفة، كما أن بعض الوقائع الزمنية ومواقع وجود مارادونا كانت لا تتطابق مع البيانات الموجودة في فحوص والده، وهي أمور أثارت تساؤلات حول كيفية مرور الوثائق إلى الملف الذي استخدم في التحقيق.
ماذا يحدث الآن في المحاكمة؟
تستأنف المحكمة جلساتها اليوم مع الاستماع إلى تريمارتشي ودي نيرو وكايرو، وسط انتظار لمعرفة كيفية تفسيرهم للوثائق التي اعتمدوا عليها، وما إذا كان اكتشاف الخلط بين السجلات سيغير أو يؤثر في تقييماتهم السابقة.
القضية تحاكم عددًا من أفراد الفريق الطبي الذي كان مسؤولًا عن رعاية مارادونا قبل وفاته، في إطار اتهامات تتعلق بالإهمال الطبي ودور الفريق في الساعات والأيام الأخيرة من حياته. وكانت المحاكمة الحالية قد دخلت مراحلها النهائية قبل أن تفتح أزمة السجلات الطبية جبهة جديدة داخل القضية.
والأهم أن النيابة والدفاع أصبحا أمام سؤال واحد شديد الحساسية: هل كان الخطأ مجرد خلل إداري لم يؤثر في جوهر القضية، أم أن إدخال فحوص «دون دييجو» في ملف ابنه أثّر بالفعل على تقييم حالته الصحية وعلى الاستنتاجات الطبية التي يعتمد عليها القضاء؟.
حتى الآن، لا يعني اكتشاف الخطأ تلقائيًا سقوط القضية أو بطلان جميع الأدلة، لكن حجم الالتباس يفرض على المحكمة إعادة التدقيق في الوثائق التي استخدمتها الهيئة الطبية، وفي مدى تأثير المعلومات الخاطئة على شهادات الخبراء.
وهكذا، تحولت قضية مارادونا من محاكمة تبحث في مسؤولية الفريق الطبي عن وفاة أسطورة الكرة الأرجنتينية إلى معركة جديدة حول موثوقية الملف الطبي نفسه؛ ملف يفترض أن يكون أحد أهم مفاتيح الحقيقة، لكنه أصبح فجأة موضع تحقيق مستقل بعدما تبيّن أن بعض أوراقه لم تكن تخص مارادونا أصلًا، وإنما والده الذي رحل قبل سنوات من وفاة نجله.