حازم حسين

وبضدّها تتعطّل الأشياء

الخميس، 27 أغسطس 2026 02:00 م


الحقيقة أول ما يُقتَل فى الحروب، وفى السياسة أحيانًا. وكما أن الفشل يتيم، وللنجاح ألف أبٍ؛ فالقتال يكون غالبًا على الكسب والخسارة مرّة، وعلى الرواية ودعاياتها مرّات بلا عدد.


وليس أدلّ على ذلك، من الهزيمة التى يُخلّفها الأمريكيون والإيرانيون وراء ظهورهم، بإنكار واستعلاء لا يُبرَّرَان، فيما يُطاردون النصر الذى كان بعيدًا عن الطرفين، وصار أبعد كثيرًا!


تُظهر أحدث بيانات صادرة عن مؤسسة «كبلر» لتتبّع السفن، تراجع الملاحة فى مضيق هُرمز عن متوسط عشرة أيام سابقة. والمعنى المباشر؛ أن كلام ترامب عن السيطرة على الممرّ الحيوى ليس دقيقًا.


وفى المقابل؛ فالدلالة الضمنية أنّ الشريان غير مقطوع تمامًا، قد يسير الدم ببطء؛ لكنه لم يتوقّف. أى أن حديث إيران عن السيطرة الكاملة مكذوب أيضًا!
دخلت الولايات المُتحدة حربًا غير ضرورية فى الزمان والمكان، ولا تعرف كيف تُغادرها بأقل التكاليف. وأقصى ما تطلبه اليوم؛ أن تعود لِمَا كان قبلها، بعد الخسائر الباهظة على الناحيتين.


والجمهورية الإسلامية ليست أفضل حالاً؛ فقد مدّت أذرعها أبعد مِمّا تستطيع حمايتها، فتقطّعت وارتدّت النار عليها، تسعى للدفاع عن مشروع تجاوزه الزمن؛ وتُنكر أنه لم يعد قابلاً للحياة بشكله السابق!


وإلى كل التفاصيل المُتشابكة هُنا وهناك؛ فالمأزق الآن ليس فى تضارب الأهداف، وتفاوت الرؤى بشأن تحقيقها. إنما فى العجز عن الحسم، والهلع من التسوية، وافتقاد البصيرة للبحث عن مسار بين النارين.


تشترط واشنطن أن يُعاد تسليك المجرى المُعطّل بدون هيمنة أو رسوم؛ لتُبرم اتفاقًا يُجمِّد القتال ويُرتّب ملعب السياسة. وتتشدد طهران فى ضرورة إنهاء الحرب على كل الجبهات، مع تعويضها وتثبيت مغانمها؛ لتفعل المطلوب.


باختصار؛ الأقوى يطلب ما يحتمى به الأضعف، والأخير يتطلّع لصورة النصر التى لا سبيل إليها سوى بتنازُله أوّلاً. فكأنها الخدعة الشهيرة فى رواية الأمريكى جوزيف هيلر «كاتش 22”.


تقول القاعدة ببساطة؛ إن المُحارب إذا طلب إعفاءه من مهمّةٍ بدعوى الجنون؛ فقد أقام الحجّة على نفسه بالعقل. المجانين لا يخافون على حيواتهم، والعقلاء لا يُعفَون من التكليف!


ذكّرتنى الفكرة نفسها بإعلانات الوظائف، عندما كُنت أبحث عن عمل فى مستهل الشباب. فكنت أرى وأسمع من غريب الحكايات؛ أن مكانًا يطلب حديثى التخرّج بشرط الخبرة.


لن تحصل على فرصة إلا لو امتلكت الدراية والدربة، ولن تتدرب وتدرى من دون الظفر بالفرصة أصلاً، وعليك أن تحل مُعضلة البيضة أوّلاً أم الدجاجة!
ومثل ذلك؛ أن يشترط القانون ممارسة مهنة ما للانضواء تحت مظلّتها، بينما الاشتغال فيها قبل هذا الانتماء ينطوى على انتحال الصفة.
والمقصد؛ أنك لتجمع مُسوّغات الانضمام للدائرة بموجب القانون، عليك أن تُخالفه أوّلاً بانتحال الصفة والعمل دون شرعية.


مرّ علينا المولد النبوىّ الشريف، وكان احتفال وزارة الأوقاف السنوى أمس، متأخّرًا عن المناسبة والموعد المُعتاد، ربما لظروفٍ تخص المواعيد والأجندة الرئاسية. وفى كل سنة أقف إزاء الحدث، وأتذكّر ما جرى فيه بالعام 2015.


حل المولد فى يناير من ذلك العام، وكان الرئيس السيسى قد قضى بالكاد ستّة أو سبعة أشهر فى منصبه. ويومها أثار مسألة تجديد الخطاب الدينى فى كلمته، للمرة الأولى فى مستهل ولايته، ولم يتوقف عن تكرار الرسالة فى مواقف ومناسبات شتّى بعدها، حتى الآن.


قُوبِلت الدعوة بترحيب واسعٍ من النخبة والمثقفين وبعض المُتنوّرين بين رجال الدين، وتعامل معها البعض بحذرٍ، وأضمر آخرون الرفض أو رغبة المقاومة؛ لا سيما التيارات المتطرفة، والمُتربحين من خطابات التشدد والتجهيل.


سبقت القيادة السياسية الجميع بخطوة واسعة، وما تزال. والرواسب عتيقة ومُتراكمة، ومهمة الخلاص من عبئها لن تكون سريعة أو ميسورة قطعًا.
تحرّكت الدولة، وتفاوت الإيقاع بين المؤسسات المعنية بالشأن الدينى، وتقدّمنا فى بعض الملفات دون الأخرى، وقد يرى البعض أن المجال العام تراجع فى أخرى غيرها، خاصّة بالنظر إلى تفشّى حالة من الرجعية والتطرّف على مواقع التواصل الاجتماعى.


والقضية هُنا ليست بعيدة من قاعدة «كاتش 22». إذ لكى تُجدّد الخطاب الدينى؛ عليك أوّلاً أن تُعبّد الطريق وتُمهّد الأرضية الاجتماعية، بما يؤهّل الناس لحُسن استقبال الرسائل واستيعابها.


وحتى يتأهّل المُتلقّون الذين استلبت عقولهم تيارات الرجعية والجماعات المنحرفة من الإخوان وسواهم لعقودٍ طويلة؛ فعليك أوّلاً أن تُجدّد الخطاب الدينى القديم والمُتكلّس، لتضبط لهم المرجعية، وتصحح المفاهيم، وتمسح من أدمغتهم روث التكفيريين والدواعش وتجّار الإيمان الطقسى والمظهرى.


من هرمز، إلى الخطاب الدينى، وغير ذلك من صور التناقض الحَدّى. تبدو الدائرة مُغلقة لدرجة الانسداد الكامل، وبما يمنع النفاذ من محيطها السميك، ناهيك عن تحويلها لشكلٍ آخر، أو تحريكها خارج ثباتها القاتل.


يقول المُتنبّى فى إحدى قصائده: «وبضدّها تتبيَّنُ الأشياءُ»، وحوّلها البعض إلى حكمة وقاعدةٍ بلاغية لتمييز المُتناقضات، وفى حالتنا هذه يُمكن تحويرها لتكون «وبضدّها تتعطّل الأشياءُ”.


غير أن الاستعصاء المُخيّم على الأجواء لا يمنع من الحلحلة؛ إذ يُمكن تفكيك العُقَد المُتشابكة بالدأب والإصرار، والتدرُّج فى الحركة الصاعدة، بمنطق الخطوة بعد خطوة، أو فى مقابلها، وبناء الثقة مدماكًا فوق مدماك.


سيسير الزمن للأمام فى كل الأحوال؛ ربما نُبطئ حركتنا أو نُعطّل تطوّر الأحداث، إنما سيقع التتابع الدرامى بمنطقه لا محالة.
علينا، فى السياسة والإدارة والاجتماع وغيرها، أن نبحث جاهدين عن حلول حقيقية، وألا نستنزف الوقت فى مُجادلات ومُعاظلات لا طائل من ورائها، وتستهلك الأعمار ولا تُغيّر الأقدار.


هُويّة مصر سبيكة مُركّبة ومُتناغمة، حزمة ألوان وليست لونًا واحدًا، تحتوى العقائد كلها بالتساوى، والتعايش الودود المُتكافئ، ويجب أن تكون هى نفسها عقيدة راسخة فى نفوس أبنائها.


لا يُمكن البحث عن الحقوق بطرقٍ باطلة، ولا تقنين الأوضاع السائلة بمُخالفة القانون.
الحرب ليست قدرًا محتومًا، وأمريكا وإيران لا إلى زوال، ولا إلى نصرٍ حاسم لإحداهما على الأخرى. والوقت سيف يقطع ولا يُقطَع، وكل ما يُرخَى هنا سيُشَد فى مكانٍ آخر، وبكُلفة مُضاعَفة!


كلنا عاقلون؛ لذا لن يُقبَل طلبنا بالإعفاء من المسؤولية، وعلينا ألا نتهرّب بدعوى الجنون.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة