استراتيجية العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لا تنفي بأي حال من الأحوال وجود خلافات تكتيكية بين الجانبين في الوقت الراهن، فرغم الاتفاق على الأهداف إلا أن ترتيب أولويات العمل وتحديد آليات التنفيذ في الوقت الراهن قد أحدث فجوة تتسع مع اتساع الحرب بمنطقة الشرق الأوسط، فعلى عكس ظن نتنياهو بأن فتح امتدادات للحرب الإقليمية باتجاه العديد من الجبهات "وكما يعددها هو بثماني جبهات" سيضمن له البقاء في السلطة، اتضح مع الوقت أن هذا الأمر يعجل برحيله دون رجعة عن رئاسة الوزراء في إسرائيل، خاصة وأن تطور الخلاف التكتيكي بين ترامب ونتنياهو قد يؤثر بشكل مباشر على استقرار التوافق الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ويحدث تغيرات غير مسبوقة في مستقبل العلاقات بين الجانبين بالتزامن مع واقع دولي وإقليمي يستدعي محافظة الولايات المتحدة الأمريكية على مصالحها أولًا حتى وإن كان هذا على حساب ورقتها الوظيفية الأهم وهي إسرائيل، ولا سيما بعد أن تشابكت ملفات الصراع الدولي وباتت هناك أوراق أخرى يطورها الرئيس الأمريكي ترامب للمناورة السياسية داخل غمار العراك الدولي، فيتجه على سبيل المثال لفتح حوار مباشر مع روسيا وكوريا الشمالية وإحداث تحول في إدارة الحرب على إيران، وفي نفس التوقيت يدير صراعًا آخر في حديقته الخلفية بأمريكا الجنوبية.
وبالتوازي يحاول إعادة التوازن الأمريكي في غرب أفريقيا، بينما لا يزال ترامب يخوض واحدة من أخطر المعارك الاقتصادية مع الصين أو حتى مع حلفائه الغربيين، ما يؤكد أن تحركات الولايات المتحدة الأمريكية باتت تعمل وفق نظرة شمولية مع الصراع الدولي، وتقوم بدراسة تبعات كل ملف على الآخر قبل اتخاذ القرار وبما يحقق المصلحة الأمريكية أولًا، بمعنى آخر، أن واشنطن لم تعد تتخذ قراراتها في الشرق الأوسط بمعزل عن باقي تحركاتها ومصالحها على خريطة الصراع الدولي، أما إسرائيل تريد أن تقتصر تحركات الولايات المتحدة الأمريكية وفق محدودية المصلحة في الشرق الأوسط وبما يتفق والأهداف الإسرائيلية المرحلية، وهذا بالتحديد ما أسس جوهر الخلاف وصنع الفجوة بين ترامب ونتنياهو.
ملفات وفجوات
كثرة الملفات وتشابكاتها بالشرق الأوسط صنعت مستنقعًا من الصراع بات الخروج منه يحتاج إلى خطط وتحركات بحذر تحقق الخروج الآمن للولايات المتحدة الأمريكية دون أن تتكبد المزيد من الخسائر المالية والبشرية أو حتى على صعيد استنزاف القوة والقدرات العسكرية الأمريكية في ظل انخراط مباشر أو غير مباشر منذ تصاعد وتيرة الأحداث في عام 2023، لهذا يدفع ترامب بفصل الملفات وإيجاد مسارات عمل مناسبة لكل ملف على حدة.
ولكن في المقابل تحاول إسرائيل المحافظة على تشابك الملفات وتعقيد المشهد الإقليمي والتعامل مع الظرف الإقليمي كونه حربًا إقليمية شاملة، ما يعقد خروج الولايات المتحدة الأمريكية من المشهد الميداني تحديدًا، ولهذا تحاول واشنطن تفكيك هذه التعقيدات عبر فصل الملفات والتعامل مع كل أزمة على حدة، وهذا على عكس الرغبة الإسرائيلية.
ولهذا ومع ضغط الرئيس الأمريكي ترامب وتدشينه للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، تجد تل أبيب عازمة على عرقلة كافة المسارات المؤدية لإنجاح الأمر، بل تضاعف إسرائيل من الضغوط عبر توغل استيطاني كبير بالضفة، وبنفس النهج الإسرائيلي الساعي إلى إشعال المنطقة، تعرقل حكومة نتنياهو المفاوضات المباشرة مع لبنان، عبر الاستهداف العسكري الإسرائيلي المستمر لجنوب لبنان، نفس الأمر بشأن سوريا، ورغم محاولات واشنطن لتحييد هذا الملف وعدم امتلاك دمشق أي قدرات دفاعية أو هجومية أو حتى رؤية سياسية واضحة أو معلنة حيال الكثير من القضايا الإقليمية، إلا أن إسرائيل ما زالت تتوغل في الأراضي السورية وتوظف الدروز لخدمة مصالحها في التوسع الجغرافي.
وتماشيًا مع ذات النهج المؤجج للصراع، تحفز إسرائيل الولايات المتحدة الأمريكية لخوض المزيد من جولات الاشتباك مع إيران، ولعل تحجيم ترامب لدور نتنياهو نوعًا ما في الجولات الأخيرة من الضربات على إيران يؤكد أنها تشكل محاولة أمريكية للخروج من الحرب بعيدًا عن سجال إيران وإسرائيل من الاستنزاف طويل الأمد، بل إن التحول الأمريكي لاستخدام الحرب الاقتصادية يشير لسعي أمريكي لوقف التصعيد عند هذا الحد حتى وإن كان بشكل مؤقت لحين العبور من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
أما بعد..
خلاصة القول إن تباين وجهات النظر بين ترامب ونتنياهو والذي قد يظنه البعض خلافًا تكتيكيًا محدودًا وهو هكذا بالفعل إلا أنه يعكس حجم اختلافات جوهرية في المصالح الأمريكية الإسرائيلية وتعديلًا في السلوك الأمريكي بحثًا عن مصلحة القوة الكبرى التي تسعى للمحافظة على الهدف الأهم بالنسبة لها وهو بقاء النظام الدولي أحادي القطب وتحت الهيمنة الأمريكية، بينما انجراف إسرائيل بعيدًا عن خدمة المصالح الأمريكية والبحث عن وهم " إسرائيل الكبرى" قد يدمر مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية نفسها ويصنع من تلك الفجوة هُوة عميقة لا يمكن يمكن الخروج منها مستقبلًا.