أحمد يحيى

بين الجاهزية والمكاشفة.. ماذا تقول كلمة الرئيس في هذا التوقيت؟

الخميس، 27 أغسطس 2026 05:47 م


تستدعي المناسبات الدينية عادةً لغة هادئة تتناسب مع طابع الذكرى، غير أن التوقيت الاستثنائي الذي تمر به المنطقة منح كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفال الدولة بالمولد النبوي الشريف أبعادًا تتجاوز الطابع البروتوكولي للمناسبة.

لم تكن الكلمة مجرد حديث في مناسبة دينية، وإنما جاءت في لحظة تتقاطع فيها تطورات إقليمية متسارعة مع ضغوط داخلية يعرفها المواطن ويعيش تفاصيلها يوميًا. وربما تكمن أهميتها في ترتيب رسائلها أكثر مما تكمن في كل رسالة منفردة: جاهزية في مواجهة الخارج، ومكاشفة مع الداخل، وبينهما قضية لا تقل أهمية، هي الوعي.

 

القاهرة.. رسالة الجاهزية

تأتي إشارات الرئيس إلى قدرة القوات المسلحة وجاهزيتها لحماية مصر ومقدراتها في توقيت إقليمي شديد الحساسية.

لكن اللافت أن الرسالة لم تأتِ في سياق استعراض للقوة أو رغبة في التصعيد، بقدر ما بدت تأكيدًا على قاعدة بسيطة: أن الدولة التي تريد حماية مصالحها وسيادتها لا بد أن تكون مستعدة لكل الاحتمالات.

وهذه هي فلسفة الردع في أبسط صورها؛ قوة لا تبحث عن الصراع، لكنها لا تسمح بأن تكون حساباتها مبنية على افتراض أن الآخرين لن يختبروا قدرتها.

والقاهرة، وهي تتابع ما يجري حولها، تبدو مطالبة في الوقت نفسه بأن تحافظ على توازن بالغ الدقة: حماية الأمن القومي، والتمسك بالثوابت، وعدم الانجرار إلى صراعات لا تخدم مصالحها.

 

من الإنجاز إلى المكاشفة

لكن الكلمة لم تبقَ عند حدود الخارج.

انتقلت سريعًا إلى الداخل، إلى حياة المواطن، ومستوى معيشته، وأداء مؤسسات الدولة، ثم إلى التوجيه بإعداد تقرير شامل عن الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الماضية وعرضه على المواطنين.

 

وهذه نقطة تستحق التوقف

فالمكاشفة ليست مجرد أن تقول الدولة ما أنجزته، وإنما أن تضع الإنجاز أمام المواطن في صورة يمكن قياسها وفهمها ومراجعتها: ماذا تحقق؟ وما تكلفته؟ وما أثره؟ وما الذي لم يكتمل بعد؟

هذه الطريقة في عرض الأداء يمكن أن تنقل العلاقة من مجرد «عرض المشروعات» إلى ثقافة النتائج.

فالمواطن لا يعيش داخل بيانات الحكومة، وإنما يعيش داخل نتيجة هذه البيانات على حياته اليومية.

وهنا تصبح الشفافية ليست عبئًا على الدولة، وإنما إحدى أدوات قوتها؛ لأن الثقة لا تُبنى فقط بما ننجزه، وإنما أيضًا بقدرتنا على أن نشرح للناس ماذا فعلنا، ولماذا فعلناه، وما الذي ينتظرهم بعد ذلك.

 

وبين الخارج والداخل.. معركة الوعي

ربما كانت الإشارة إلى ما وصفه الرئيس بفوضى المعرفة والطرح عبر وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أكثر النقاط التي تستحق قراءة إعلامية.

فالمشكلة اليوم لم تعد في سرعة انتشار الشائعة فقط، وإنما في أن المعلومة نفسها أصبحت متاحة للجميع دون أن تكون الحقيقة متاحة بالسرعة نفسها.

أي شخص يستطيع أن يصنع رواية، ويمنحها عنوانًا، وينشرها، ثم يجد من يعيد إنتاجها قبل أن تتاح المعلومة الموثقة.

 

وهنا لا يكفي أن نقول للمواطن: لا تصدق

الأهم أن نوفر له ما يساعده على أن يعرف.

وهذه في تقديري هي النقطة التي يجب أن يتقدم فيها الإعلام خطوة إلى الأمام.

فالإعلام الوطني لا ينبغي أن يكون مجرد مكبر صوت لما تقوله المؤسسات، كما لا ينبغي أن يتحول إلى منصة لمطاردة كل ما يقال على وسائل التواصل.

دوره الأهم أن يكون وسيطًا بين الدولة والمواطن: يشرح القرار، يضع المعلومة في سياقها، ينقل تساؤلات الناس، يبحث عن إجابات المسؤولين، ويفرق بين النقد المشروع والشائعة، وبين الاختلاف ومحاولات صناعة الذعر.

فالفراغ المعلوماتي لا يبقى فراغًا طويلًا؛ وإذا لم تملأه المعلومة الموثقة، ستملؤه روايات أخرى.

 

الخيط الناظم

لهذا أظن أن الرسائل الثلاث في كلمة الرئيس ليست منفصلة: جاهزية للخارج، ومكاشفة للداخل، ووعي بينهما.

فالدولة القوية تحتاج إلى قدرة تحمي حدودها ومصالحها، لكنها تحتاج كذلك إلى مواطن يعرف ما الذي يحدث ولماذا، وإلى إعلام يستطيع أن يشرح ويستمع ويدقق، لا أن يكتفي بالنقل.

والوعي هنا لا يعني إقناع المواطن بأن كل ما تقوله الدولة صحيح، وإنما تمكينه من الوصول إلى المعلومات التي تساعده على تكوين حكمه بنفسه.

في النهاية، ربما يكون التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو أن نصل إلى معادلة بسيطة: قوة تحمي، ومعلومة تشرح، ومواطن يعرف.

عندها فقط تلتقي الجاهزية الخارجية بالمكاشفة الداخلية، ويصبح الإعلام جزءًا من بناء الوعي لا مجرد شاهد على الأحداث.

فالقوة الوطنية ليست عتادًا عسكريًا فقط، كما أن الوعي ليس شعارًا إعلاميًا. كلاهما، في النهاية، يحتاج إلى حقيقة يثق بها المواطن، ودولة قادرة على حمايتها وشرحها




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة