محمود عبد الراضى

التربية الخوارزمية.. أطفالنا في مصيدة "الترند"

الخميس، 27 أغسطس 2026 12:00 م


لم تعد البيوت تُبنى على الحكايات التي ترويها أمهاتنا في المساء، ولا على التوجيهات التي يلقيها الأب بوقارٍ على مائدة الطعام، بل أصبحت تُشيَّد على أعمدةٍ من ضوء أزرق خافت، تنبعث من شاشات صامتة لكنها تصنع صخباً لا ينتهي في عقول صغارنا.

 

في زوايا الغرف المغلقة، يتربى جيلٌ جديد لا يسمع لأبويه قدر ما يستجيب لنداء "الخوارزميات" التي لا تنام.

 

لقد توارت التربية الوالدية خطوات إلى الخلف، لتفسح المجال لـ "التربية الخوارزمية"، ذلك الشبح الذكي الذي لا يملك قلباً ولكنه يملك شفرات العقول.

 

لم يعد السؤال اليوم: ماذا يُعلّم الأب ابنَه؟ بل أصبح: ماذا يقترح "المحتوى الرائج" على هذا العقل الغض؟ إننا أمام عملية تشكيلٍ قسري للوعي؛ حيث تتحول القفزات الاستعراضية واللقطات السريعة إلى قيمٍ مرجعية، ويتضاءل مفهوم الأخلاق ليصبح مجرد "مشاهدات" حصدت ملايين الإعجابات.

 

فالأخلاق المستقرة تحتاج إلى أناةٍ وتأمل، بينما الخوارزمية تتغذى على اللهفة والاندفاع، صرنا نرى طفلاً يكتسب لغته وانفعالاته من غريبٍ يجلس خلف شاشة في أقصى الأرض، ويمارس سلوكاً لم يتدرب عليه في بيت أهله، بل التقطه من "ترند" عابر مرّ على عينيه كالسحر.

 

إنها وصايةٌ رقمية تسلب الآباء عرش هيبتهم، وتمنح مفاتيح التوجيه لبرمجيات تجارية لا يعنيها سوى استبقاء عين الطفل محدقةً في الشاشة لأطول وقت ممكن.

 

ليس المطلوب أن نعلن الحرب على التكنولوجيا، فتلك معركة خاسرة بكل المقاييس، لكن المطلوب أن نستعيد "أنسنة" البيوت.

 

إن الخوارزمية -مهما بلغت من الذكاء- لا تستطيع أن تمنح حضناً دافئاً، ولا يمكنها أن تستبدل جلسة حوار حقيقية تُبنى فيها القيم بالحب لا بالضغط على الأزرار.

 

يجب أن ندرك قبل فوات الأوان أن الأبناء إن لم يجدوا في منازلهم أثراً ملموساً يقتدون به، فسوف يفتشون عن أشباحٍ رقمية تمنحهم زيف القدوة وتسرق منهم نبل الأخلاق.

 

محمود عبد الراضي، مقالات محمود عبد الراضي، التربية الخوارزمية، المحتوى الرائج، قيم الأجيال، منصات التواصل، أجيال الشاشات، التربية الحديثة، أثر التكنولوجيا، الهوية والأخلاق، صناعة الوعي، أبناء الترند.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة