تكشف تحولات عناصر جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج عن سقوط شعارات «التضحية والجهاد» أمام سطوة المال، والوصول إلى نموذج «الموظف» الذي ينفذ ما يُطلب منه مقابل ما يتلقاه من تمويل، بعدما أصبح المال محركًا أساسيًا لنشاط التنظيم، ودافعًا لإعادة تشكيل ولاءات عناصره وأدوارهم وفقًا لمصالح الجهات التي توفر لهم الدعم.
وتؤكد شهادات باحثين في شؤون الحركات الإسلامية والمتطرفة أن الهاربين في الخارج لم يعودوا يتحركون بالمنطق التنظيمي نفسه الذي تقوم عليه شعارات الجماعة، وإنما بات غالبيتهم أقرب إلى «أدوات تنفيذية» ترتبط بمن يدفع أكثر، في ظل تعدد مسارات التمويل وتشعبها بين الشركات والحسابات البنكية والكيانات ذات الواجهات الخيرية والإعلامية.
ويكشف هذا المسار عن تحول لافت في طبيعة العلاقة داخل التنظيم؛ فبدلًا من «الجهاد والتضحية» اللذين تصدرا أدبياته وخطابه، بات «المال» وفق شهادات الباحثين عاملًا حاسمًا في تحديد الأدوار وتوجيه أجندة التحريض وتصنيف ما بها من خطاب وإلى أيا من الدول.
عناصر الجماعة تحولت إلى أدوات تنفيذية تتحرك وفق التمويل
وبدوره قال طارق أبو السعد، الباحث في شئون الحركات الإسلامية، إن الهاربين من الاخوان في الخارج، تحوّلوا من أعضاء في جماعة ترفع شعارات الدعوة والمبدأ إلى أدوات تنفيذية تتحرك وفق التمويل، حتى أصبح المال عندهم بديلاً عن أي قضية يزعمون انهم يدافعون عنها، وتحول ولائهم بل وبيعتهم للممول وليس الجماعة ولا التنظيم.
ولفت إلى أن أوعية وآليات التمويل متعددة منها شركات الأوف شور، والتمويل المباشر، والحسابات البنكية لشركات وهمية وحركة غسيل اموال ومنها شركات الاعلام، قائلا" كلها مسارات لتمويل الحماعة ومن يملك المال يملك الأفراد والجماعة وعلى وجه الخصوص في الخارج".
باحث يكشف سقوط شعارات الإخوان أمام إغراءات المال
بينما قال سامح عسكر، الباحث في شئون الحركات المتطرفة، إن الملاحظ من قبل سقوط الجماعة الإرهابية أن فكرة التضحية لم تعد تطرح باعتبارها قيمة حقيقية قابلة للتطبيق أو التنفيذ، وتحولت إلى شعارات هلامية، بينما تكشف ممارسات عناصرها في الخارج عن سيطرة الاعتبارات المادية على الجماعة وأفرادها.
وأوضح أن «النسخة الجديدة» من الجماعات المرتبطة بالإخوان في المنطقة ومنها ما يحدث في سوريا، يعكس خضوعًا لشروط قوى دولية مقابل تحقيق مصالح مادية وسياسية، معتبرًا أن ذلك يكشف تحول الفكر التنظيمي إلى نمط أكثر مادية من أي وقت مضى.
وأضاف أن عناصر الإخوان الذين غادروا مصر بعد عام 2013 يقدمون نموذجًا لهذا التحول، إذ يعيش بعضهم في الخارج في ظروف مادية مريحة، بينما يستمر في تقديم نفسه باعتباره «مطرودًا أو منفيًا»، منوها بأن هذا السلوك لا يمكن اعتباره نضالًا أو كفاحًا، وإنما يحول صاحبه إلى «أداة تنفيذية مدفوعة الأجر».
وأضاف: «الإخواني في الخارج لا يضحي.. فمنهم من ترك أهله وبلده وذهب ليعيش في الخارج، ويرتدي ملابس باهظة الثمن ويزعن الظلم والفوضى في مصر، بينما هو في الحقيقة لا يعيش أيا منهم، وإنما يعيش في الخارج براتب قد يصل إلى ملايين، ثم يخرج لسب الدولة والشعب الذي اختار إسقاط جماعته»، متسائلًا عن مدى تعبير خطاب هؤلاء عن المصريين في الداخل.
وأكد أن الإخوان تتدعي في خطابها تمثيل الأغلبية المصرية وهو ما ليس صحيحًا، موضحًا أن الاستقرار السياسي في مصر يسقط الحجة الأخلاقية التي يحاول الإخوان في الخارج استخدامها للحديث باسم المصريين، قائلا «لا يمكن أن تكون إخوانيًا جالسًا في الخارج وتزعم ادعاءات وشائعات لبث الفتنة وأنت تقبض ملايين في الشهر وتعيش حياة الملوك..بينما نشعر هنا نحن بالاستقرار والأمان».
مسارات تمويل أكثر سرية عبر كيانات خيرية وشركات ذات واجهات إعلامية
وفي ملف التمويل، قال عسكر إن أساليب تمويل عناصر الإخوان أصبحت أكثر سرية، خاصة مع العقوبات والتصنيفات التي طالت بعض فروع الجماعة، مشيرًا إلى استخدام مسارات متعددة، من بينها كيانات خيرية في أوروبا تحت غطاء التبرعات، وأنشطة مرتبطة بالعقارات في الخارج، إلى جانب شركات تقدم نفسها باعتبارها كيانات إعلامية.
وكشف أن بعض هذه الشركات، لا تعمل في الإعلام بالمعنى المهني، وإنما هي شركات ذات توجه سياسي، وهو ما يفسر توجيه جزء كبير من أموال الإخوان إلى المجال الإعلامي، قائلًا: «بقى الموضوع بنظام ادفع واشتم؛ أنا هدفع لك وتطلع تشتم، أنا هدفع لك وتطلع تعمل مؤتمر، وأنا هدفع لك وتطلع تصور فيديو تتكلم فيه عن مصر».
وتابع: «هذه السياسة معناها أنك مرتزق، ولست مناضلًا...المناضل هو الذي يكون في مصر ويعيش معنا، وليس الحديث من الخارج، مشيرًا إلى أن هنا في مصر انتخابات وأحزابًا وحراكًا سياسيًا في مصر، بينما ما يريده الإخوان في النهاية هو إعادة المنهج نفسه والتطرف الديني الذي ثار عليه الشعب المصري وهو ما أصبح مرفوض بشكل كامل.
«الجشع أقوى من أي مبدأ».. وعناصر الجماعة تحولت من الجهاد إلى الوظيفة
وأضاف أن هذا النمط، يعكس «التحول من الجهاد إلى الوظيفة»، إذ انتقل العنصر من فكرة التضحية التي كانت تقدمها أدبيات الجماعة إلى نموذج الموظف لدى شخص أو جهة ما الذي ينفذ ما يطلبه منه من يدفع له، قائلًا: «الذي يدفع لي، أنا موظف عنده، سأفعل له ما يريد».
وقال إن هناك قاعدة في علم النفس يمكن من خلالها تفسير هذا التحول، وهي أن «الجشع أقوى من أي مبدأ»، موضحًا أن الأمان المادي لا يقتصر على الراتب الثابت أو المسكن الفخم، وإنما يمتد أيضًا إلى الحصول على جنسيات أجنبية قوية، قائلًا إن ذلك يحولهم إلى «نسخة مادية» من النموذج الذي يتحدثون عنه، فأين الجهاد هنا؟ وأين التضحية في ظل حصول بعض الأشخاص على مبالغ ضخمة مقابل تصوير مواد سياسية خلال أيام أو أسابيع، تستهدف دولة أو حكومة معينة.
وأكد أن الاستهداف يمتد إلى أي دولة أو جهة تقف في مواجهة مصالح مموليهم، موضحا أن جماعة الإخوان تحولت، إلى «جماعة وظيفية مادية»، وهو ما أضعف قدرة الإخوان على استعادة الحاضنة الشعبية التي امتلكتها في مراحل سابقة، بعدما فقدت قدرتها على التواصل مع المجتمع، وأصبحت أكثر عزلة عن الشارع المصري.