في عمق الصحراء الممتدة بمنطقة حلايب وشلاتين جنوب محافظة البحر الأحمر، حيث الطبيعة القاسية والمسافات الطويلة التي تفصل التجمعات السكانية عن المدن الكبرى والخدمات الطبية الحديثة، استطاع الإنسان البدوي على مدار أجيال طويلة أن يطور منظومة خاصة للتعامل مع الظروف المحيطة به، تعتمد بدرجة كبيرة على ما توفره البيئة من نباتات وأعشاب برية.
وبين الوديان والجبال والمناطق الصحراوية، تنمو أنواع متعددة من النباتات التي عرف السكان خصائصها واستخداماتها من خلال الخبرة والتجربة، لتتحول الصحراء بالنسبة لأهالي المنطقة إلى ما يشبه “صيدلية مفتوحة”، توفر عددا من النباتات التي تدخل في وصفات شعبية تستخدم للتعامل مع بعض المتاعب الصحية اليومية.
النباتات البرية
من جانبه قال أدم سعد الله، من أبناء الشلاتين والمهتمين بتراثها أن سكان حلايب وشلاتين لا ينظرون إلى النباتات البرية باعتبارها مجرد مكونات طبيعية تنمو في الصحراء، وإنما تمثل جزءا من الثقافة اليومية والتراث المحلي، خاصة أن معرفة خصائص تلك النباتات وكيفية استخدامها انتقلت من جيل إلى آخر، وأصبحت جزءا من الموروث الشعبي الذي ارتبط بحياة السكان في ظل طبيعة جغرافية شديدة الخصوصية.
وأضاف أن مع تزايد الاهتمام العالمي بالمنتجات الطبيعية والعودة إلى استخدام الموارد النباتية، تبرز أهمية توثيق هذه المعرفة الشعبية بصورة علمية ومنهجية، خاصة أن ما يمتلكه سكان المنطقة من خبرات متراكمة يمكن أن يمثل مجالا مهما للبحث العلمي مستقبلا، إلى جانب إمكانية دراسة النباتات الصحراوية وخصائصها واستخداماتها بصورة أكثر دقة.
الحرجل والحلف بر
وكشف ابن جنوب البحر الأحمر وقبيلة العبابدة إن الصحراء تزخر بأنواع مختلفة من النباتات البرية التي عرف الأهالي استخداماتها على مدار سنوات طويلة، ومن أبرزها الحرجل والحلف بر والعراديب، حيث تدخل بعض هذه النباتات في إعداد مشروبات ووصفات تقليدية يستخدمها السكان في التعامل مع عدد من المتاعب الصحية الشائعة.
وتابع أن الحرجل والحلف بر ينموان في ظروف بيئية صعبة، ويتحملان ارتفاع درجات الحرارة وقلة المياه، وهو ما جعلهما من النباتات المعروفة لدى سكان المنطقة، الذين يعتمدون على خبراتهم المتوارثة في جمعها وتجهيزها واستخدامها.
ولا تقتصر أهمية الحلف بر على الاستخدامات المرتبطة بالطب الشعبي، حيث يدخل أيضا في بعض الاستخدامات المنزلية، ومن بينها صناعة أعواد وأقراص البخور، التي يتم حرقها للمساعدة في إبعاد الناموس والحشرات، وهو استخدام تقليدي يتناسب مع طبيعة البيئة الصحراوية.
العراديب
ويمثل العراديب نموذجا آخر للتداخل التجاري والثقافي بين منطقة جنوب البحر الأحمر ومحيطها الأفريقي، حيث لا ينمو هذا النبات بصورة طبيعية في المنطقة، وإنما يصل إليها عبر طرق التجارة من دول أفريقية، من بينها السودان وإثيوبيا وتشاد.
ويستخدم العراديب في إعداد مشروب التمر هندي المعروف، والذي انتشر على نطاق واسع وأصبح من المشروبات التقليدية المحببة لدى المصريين، ويستخدمه السكان منذ سنوات طويلة ضمن عاداتهم الغذائية والشعبية.
الحنظل نبات صحراوي شديد المرارة
ومن النباتات التي تحظى بمكانة خاصة في الموروث الشعبي بالمنطقة نبات الحنظل، الذي يتميز بمرارة طعمه وقدرته على تحمل الظروف الصحراوية القاسية، حيث يجمعه السكان من المناطق الجبلية والوديان، ويدخل في عدد من الاستخدامات التقليدية التي توارثتها الأجيال.
ويرتبط الحنظل في الطب الشعبي المحلي باستخدامات متعددة، من بينها وصفات تقليدية للتعامل مع آلام العظام والمفاصل والروماتيزم، كما يستخرج من ثماره زيت يستخدم في بعض الممارسات الشعبية، وهو ما يعكس حجم المعرفة المتراكمة لدى سكان البادية بشأن النباتات التي تنمو في محيطهم.
الصمغ العربي
ولا تقتصر الموارد الطبيعية المستخدمة في الحياة اليومية على الأعشاب والنباتات ذات الاستخدامات الشعبية، بل يمتد الأمر إلى الصمغ العربي الذي يحتفظ بمكانة مهمة في الحياة اليومية والثقافية.
ويستخدم الصمغ العربي في عدد من الأغراض، كما يرتبط بمشهد تعليمي تراثي داخل “الخلوة”، حيث يستعين به الطلاب في الكتابة على الألواح، ليصبح بذلك أحد النماذج التي توضح كيفية تداخل الموارد الطبيعية مع العادات والتقاليد والتعليم في المجتمع البدوي.
وصفات متوارثة تنتقل من جيل إلى آخر
ويمتد استخدام النباتات والأعشاب البرية إلى أنواع أخرى متعددة، حيث يتعامل السكان مع بعض النباتات ضمن وصفات شعبية مرتبطة بمشكلات صحية مختلفة، من بينها اضطرابات الجهاز الهضمي ونزلات البرد وبعض مشكلات الكلى والسكري وغيرها.
وتعتمد هذه الممارسات على طرق تحضير متوارثة، تختلف من نبات إلى آخر ومن وصفة إلى أخرى، وتقوم في الأساس على الخبرة الشعبية والتجربة المتراكمة، التي ساعدت السكان على التعرف على النباتات الموجودة في البيئة المحيطة بهم واستخداماتها المختلفة.
توثيق التراث
ومع استمرار هذه المعرفة في الانتقال بين الأجيال، تبرز الحاجة إلى توثيقها بصورة علمية، من خلال حصر النباتات البرية الموجودة في المنطقة، ودراسة خصائصها وإجراء الأبحاث المتخصصة عليها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الموروث الشعبي وعدم التعامل مع الوصفات التقليدية باعتبارها بديلا عن الطب الحديث.
ويفتح توثيق النباتات الصحراوية ودراسة مكوناتها المجال أمام اكتشافات جديدة في مجال المنتجات الطبيعية، كما يمكن أن يمثل فرصة للباحثين والمتخصصين لدراسة التنوع النباتي في جنوب البحر الأحمر، خاصة أن المنطقة تتمتع ببيئة صحراوية مختلفة وثرية بالموارد الطبيعية.

النباتات الطبية جنوب البحر الأحمر

نبات الحنظل فى الأودية الجبلية