تشهد أوروبا أكبر موجة إعادة تسلح منذ نهاية الحرب الباردة، في تحول استراتيجي يعكس قناعة متزايدة لدى العواصم الأوروبية بأن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة في المجال الأمني لم يعد خيارًا مضمونًا كما كان في العقود الماضية.
وبينما تتواصل الحرب في أوكرانيا وتتصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتتزايد الشكوك بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن القارة، قررت الحكومات الأوروبية فتح خزائنها العسكرية ورفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة.
ووفقًا لتقديرات حديثة، من المتوقع أن يصل إجمالي الإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد الأوروبي إلى نحو 381 مليار يورو، أي ما يعادل 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة، متجاوزًا للمرة الأولى هدف حلف شمال الأطلسي البالغ 2% من الناتج المحلي. ويأتي ذلك بعد ارتفاع الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 19% خلال العام السابق، ما يعكس تسارعًا واضحًا في وتيرة التسلح.
هذا التحول لا يتعلق فقط بزيادة الموازنات العسكرية، بل يعبر عن تغيير أعمق في التفكير الاستراتيجي الأوروبي. فبعد عقود من الاعتماد على "المظلة الأمريكية" لتأمين القارة، بدأت الحكومات الأوروبية تتحدث بشكل أكثر وضوحًا عن مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية، أي امتلاك القدرة على الدفاع عن أوروبا دون الاعتماد الكامل على واشنطن. ويكتسب هذا التوجه زخمه من المخاوف المتزايدة بشأن مستقبل العلاقات عبر الأطلسي، خاصة مع تكرار الدعوات الأمريكية للأوروبيين لتحمل جزء أكبر من أعباء الدفاع الجماعى.
كما أن الحرب الروسية الأوكرانية كانت بمثابة جرس إنذار للقارة. فقد أظهرت الحرب أن المخاطر العسكرية التقليدية لم تختف من أوروبا كما كان يعتقد كثيرون بعد انتهاء الحرب الباردة. ودفعت هذه التطورات العديد من الحكومات إلى إعادة تقييم قدراتها الدفاعية، سواء في مجالات الذخائر أو الدفاع الجوي أو الصناعات العسكرية الثقيلة.
وتسعى بروكسل بالتوازي إلى إعادة بناء قاعدة صناعية دفاعية أوروبية قادرة على تلبية الاحتياجات العسكرية للقارة. فالمسألة لم تعد مجرد شراء أسلحة إضافية، بل إنشاء منظومة إنتاج متكاملة تشمل الطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والتقنيات الرقمية والفضائية. ويرى خبراء أن أوروبا تحاول استعادة قدرات صناعية تراجعت خلال العقود الماضية نتيجة خفض الإنفاق العسكري والاعتماد على الحلفاء.
لكن هذا المشروع الطموح لا يخلو من التحديات. فالقارة الأوروبية لا تزال تعاني من تشتت صناعاتها الدفاعية بين عشرات الشركات الوطنية، كما تواجه الحكومات ضغوطًا مالية كبيرة بسبب ارتفاع مستويات الدين العام وتباطؤ النمو الاقتصادي. ويعني ذلك أن تمويل برامج التسلح الضخمة قد يفرض أعباء إضافية على الميزانيات الأوروبية خلال السنوات المقبلة.
وفي الوقت نفسه، تبرز مسألة أخرى تتعلق بسرعة تنفيذ هذه الخطط. فبناء القدرات العسكرية لا يتم بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى سنوات من الاستثمار والتدريب والتطوير الصناعي. ولهذا يحذر بعض الخبراء من أن زيادة الإنفاق وحدها لا تكفي لتحقيق الاستقلال الدفاعي إذا لم تترافق مع إصلاحات هيكلية وتنسيق أوسع بين الدول الأوروبية.
اقتصاديًا، بدأت الأسواق المالية تتابع هذا التحول باهتمام متزايد. فمع ضخ مئات المليارات من اليورو في قطاع الدفاع، تتوقع مؤسسات استثمارية أن تستفيد شركات الصناعات العسكرية والتكنولوجية الأوروبية من دورة نمو طويلة الأمد. ويعتبر بعض المحللين أن أوروبا تدخل مرحلة “نهضة صناعية دفاعية” قد تمتد لسنوات، وتخلق فرصًا استثمارية كبيرة في مجالات الطيران العسكري والأمن السيبراني والأنظمة الإلكترونية المتقدمة .
اطلاق برامج جديدة خاصة بالتحديث العسكرى
وتظهر الأرقام أن بعض الدول الأوروبية بدأت بالفعل في تنفيذ برامج توسع ضخمة. ففي إسبانيا على سبيل المثال، ارتفع الإنفاق الدفاعي بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين، كما تم إطلاق عشرات البرامج الجديدة الخاصة بالتحديث العسكري والتكنولوجيا الدفاعية. وتشهد دول أخرى مثل ألمانيا وبولندا وفرنسا تحركات مماثلة تهدف إلى تعزيز الجاهزية العسكرية ورفع القدرة الإنتاجية للصناعات الدفاعية الوطنية.
ويجمع مراقبون على أن أوروبا تدخل مرحلة جديدة من تاريخها الأمني. فالقارة التي بنت مشروعها السياسي والاقتصادي على فكرة السلام والاستقرار بعد الحرب العالمية الثانية تجد نفسها اليوم أمام واقع دولي أكثر اضطرابًا، حيث تتقاطع الحرب في أوكرانيا مع أزمات الشرق الأوسط وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى. وفي ظل هذه البيئة المتغيرة، يبدو أن الرسالة الأوروبية واضحة: الأمن لم يعد يمكن استيراده بالكامل من الخارج، والدفاع عن القارة سيصبح مسؤولية أوروبية أكبر من أي وقت مضى.
وبينما تتواصل النقاشات حول حجم الإنفاق المطلوب ومستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، فإن المؤكد أن سباق إعادة التسلح الأوروبي لم يعد مجرد رد فعل مؤقت على الأزمات الحالية، بل تحول إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد قد يعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة وموازين القوة داخل القارة خلال العقد المقبل.