في زمن أصبحت فيه البيانات الشخصية هي العملة الأكثر قيمة والأكثر خطورة في آن واحد، بات الهدر والاستهانة ببيانات المواطنين مدخلًا لجرائم شتى تمس الأمن الشامل.
وفي ضربة أمنية استباقية خاطفة عكست أعلى درجات الجاهزية واليقظة لدى الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية، تم كشف النقاب عن واحدة من أحدث وأخطر القضايا التي تمس خصوصية المواطنين وأمنهم المالي والإلكتروني.
ضبط موظفين بإحدى شركات الاتصالات
تعود تفاصيل الواقعة إلى ورود عدد من البلاغات والشكاوى الرسمية من مواطنين تفاجأوا بتسجيل خطوط هواتف محمولة بأسماء أرقامهم القومية دون علمهم أو موافقتهم، مما وضعهم تحت طائلة المساءلة القانونية أو الخوف من استغلال أسمائهم في أعمال غير مشروعة.
على الفور، أُعلنت حالة الاستنفار التحقيقي والفني داخل القطاعات المعنية بوزارة الداخلية.
وأسفرت التحريات المكثفة والفحص الفني المتقدم عن مفاجآت صادمة تكشف عن خلل جسيم وإهمال مُتعمد في منظومة شريحة واسعة من مبيعات خطوط الهواتف.
فقد تبين قيام عدد من موظفي خدمة العملاء بإحدى شركات الاتصالات الكبرى بتسجيل خطوط جديدة باستخدام بيانات ومعلومات عملاء حاليين دون الحصول على موافقتهم أو علمهم.
ولم تتوقف الجريمة عند هذا الحد، بل كشفت التحريات عن تورط بعض الشركات الوسيطة المتعاقدة مع شركات الاتصالات في تسريب كميات ضخمة من الخطوط للأسواق والتجار العشوائيين، والتساهل الفج في قبول تسجيل بيانات تلك الخطوط عبر استخدام صور بطاقات الرقم القومي التي يقدمها التجار، دون شرط حضور صاحب الشأن أصلاً أو التثبت من توقيعه الفعلي على عقود الملكية.
وكان الدافع الأساسي ورراء تلك السلوكيات المجرمة هو الرغبة المحمومة في تحقيق نسب مبيعات قياسية للحصول على العمولات والمكافآت المالية على حساب أمن المواطن وخصوصيته، وهو مسار غير قانوني امتدت جذوره ونشاطه على مدار عدة سنوات.
ضبط المتهمين
وعقب استيفاء كافة الأطر القانونية وتقنين الإجراءات وتقصي خطوط السير والمواقع الإلكترونية، شنت القوات الأمنية حملات موسعة ومتزامنة استهدفت نطاق عدة محافظات بالجمهورية. وأسفرت العملية الاستباقية عن تحديد وإلقاء القبض على مرتكبي الواقعة، والذين بلغ عددهم ثمانية عشر متهمًا؛ بواقع ستة من العاملين بخدمة العملاء بشركة الاتصالات المشار إليها، واثني عشر عنصرًا من العاملين بالشركات الوسيطة ومجري خطوط الهواتف المحمولة.
ضبط 4071 خط
وكانت المفاجأة الكبرى في حجم المضبوطات التي عُثر عليها بحوزتهم، حيث تم ضبط أربعة آلاف وواحد وسبعين خط هاتف محمول، كانت المفاجأة أن معظمها مفعّل وجاهز للاستخدام ومزود بمحافظ إلكترونية مالية تم إنشاؤها خصيصًا لتسهيل التعاملات دون أثر لصاحبها الحقيقي.
كما ضُبط بحوزة المتهمين أثنان وثلاثون هاتفًا محمولاً، وجهاز "لاب توب"، وعدد كبير من عقود شراء الخطوط، بالإضافة إلى عشرات صور بطاقات الرقم القومي الخاصة بالمواطنين والتي استُخدمت بالفعل في ارتكاب هذه الوقائع الجسيمة، إلى جانب ثلاث وحدات تخزين مدمجة "فلاش ميموري" مُسجل عليها داتا بيانات ضخمة للعملاء.
وبمواجهة المتهمين بعناصر التحريات والدلائل والتدبيرات المضبوطة، انهاروا واعترفوا بالكامل بممارستهم هذا النشاط الإجرامي المحظور على النحو المشار إليه، وتم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم وتولى النيابة العامة التحقيق.
إشادات أمنية
من جانبهم، أشاد خبراء أمنيون بارزون بهذه الضربة الأمنية النوعية التي أغلقت ثغرة الخطوط المجهولة، مشيرين إلى أن التحرك السريع للأجهزة الأمنية حمايةً للمواطنين يمثل رسالة حاسمة لكل من تسول له نفسه العبث بالأمن السيبراني أو استغلال ثقة العملاء.
وفي هذا الصدد، يرى اللواء رأفت الشرقاوي الخبير الأمني، أن المتابعة الأمنية لهذا الملف الدقيق تؤكد الفلسفة الاستباقية للوزارة في مواجهة صور الجريمة الحديثة.
وأوضح أن ظاهرة تسريب البيانات وتفعيل الخطوط الوهمية بدون حضور أصحابها لا تقتصر خطورتها على النصب المالي فقط، بل تمتد لتشكل تهديدًا أمنيًا مباشرًا، إذ يلجأ الخارجون عن القانون والتكفيريون والمجرمون المنظمون لاستخدام تلك الخطوط غير المسجلة بأسمائهم الحقيقية للترتيب لجرائمهم أو لإدارة المحافظ الإلكترونية في نقل الأموال بطرق غير مشروعة، وبالتالي فإن ضبط هؤلاء المتهمين وتفكيك هذا المخطط يقطع أطراف تلك الشبكات في مهدها.
من جانبه، أشار اللواء أحمد جمال عبد الظاهر الخبير الأمني، إلى أن التنسيق الفني وتتبع الآثار الرقمية الذي أدى لضبط هذا العدد الضخم من الخطوط والمحافظ الإلكترونية يبرهن على الاحترافية العالية التي تتمتع بها قطاعات وزارة الداخلية المعنية بمكافحة الجرائم الإلكترونية وجرائم الاتصالات.
وأضاف أن هذه الضربة تعيد الانضباط لسوق الاتصالات وتفرض على الشركات الوسيطة والموظفين الالتزام التام بالضوابط والتعليمات المنظمة، لأن التساهل في تفعيل خط بصورة بطاقة يعتبر شريكًا مباشرًا في التزوير واختراق الخصوصية.
عقوبات صارمة
وحول العقوبات القانونية المرتقبة للمتورطين في مثل هذه الوقائع، يوضح خبراء القانون أن التشريعات، وعلى رأسها قانون تنظيم الاتصالات رقم مائة وثلاثة وسبعين لسنة ألفين وثلاثة وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وضعت عقوبات رادعة لكل من يشارك في بيع أو تفعيل خطوط هواتف ببيانات مزيفة أو تسريب بيانات العملاء.
وتصل العقوبات في هذه الجرائم إلى السجن المشدد والغرامات المالية الباهظة التي تصل لبعض مئات الآلاف من الجنيهات، فضلاً عن عقوبات جريمة التزوير في محررات رسمية واستخدامها، وهي جنايات تصل عقوبتها للسجن من ثلاث إلى سبع سنوات، بالإضافة إلى العقوبات المقررة لإنشاء محافظ إلكترونية واستخدامها في عمليات تحويل مالي غير مشروع دون علم مالك الرقم القومي.
تأتي هذه الضربات المتتالية لتبث الطمأنينة في نفوس المواطنين، وتؤكد أن الأجهزة الأمنية تصون حماية الخصوصية الرقمية والمالية لكافة أفراد المجتمع بنفس القدر من الحزم الذي تحمي به حدود الوطن ومؤسساته.