تشهد جماعة الإخوان الإرهابية مرحلة متزايدة من التضييق والملاحقة في عدد من الدول، بالتزامن مع تصاعد الاهتمام الأوروبي بالأنشطة المرتبطة بالإسلام السياسي والشبكات التي يشتبه في ارتباطها بالتنظيم أو تبني أفكاره، في تحول يعكس اتساع نطاق التعامل الأمني والسياسي مع الجماعات التي تستغل المساحات القانونية والمؤسساتية للتوسع وبناء النفوذ.
وتأتي هذه التحركات في ظل تنامي النقاش داخل المؤسسات الأوروبية بشأن طبيعة الشبكات المرتبطة بالإخوان، وآليات عملها وقدرتها على بناء نفوذ مجتمعي وسياسي من خلال مؤسسات وكيانات مختلفة، وهو ما دفع عددا من الدوائر السياسية والأمنية إلى المطالبة بتشديد الرقابة على مصادر التمويل، ومراجعة أوجه الاستفادة من الأموال العامة، وتعزيز التعاون بين أجهزة الأمن والاستخبارات لمواجهة مخاطر التطرف والتطرف العنيف.
وأظهر تقارير حول وضع الإرهاب واتجاهاته في الاتحاد الأوروبي لعام 2026 استمرار المخاوف الأوروبية من مختلف أشكال الإرهاب والتطرف، مع تركيز متزايد على تطور الشبكات والبيئات التي يمكن أن توفر حاضنة للأفكار المتطرفة.
وفي هذا السياق، تصاعدت داخل البرلمان الأوروبي الدعوات لدراسة إمكانية اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه جماعة الإخوان وشبكاتها العابرة للحدود، حيث تناولت أسئلة برلمانية خلال عام 2026 إمكانية بحث إدراج الجماعة وقياداتها على قوائم الإرهاب الأوروبية، إلى جانب تشديد الرقابة على التمويلات الأوروبية وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في مواجهة ما يوصف بشبكات الإسلام السياسي العابرة للحدود.
ولا تقتصر التحركات الأوروبية على الإجراءات الأمنية المباشرة، وإنما تمتد إلى تفكيك البنية المالية والتنظيمية التي يمكن أن تستغلها الجماعات المتطرفة في التحرك داخل القارة، خصوصا مع الاتجاه الأوروبي إلى تطوير أدوات العقوبات وملاحقة الأشخاص والكيانات المرتبطة بالأنشطة الإرهابية أو تمويلها أو تسهيلها.
وفي فبراير 2026، اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي إطارا محدثا للتدابير التقييدية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، يسمح باستهداف قيادات وأشخاص وكيانات مرتبطة بأعمال إرهابية، بما في ذلك من يشاركون في تمويل أو التخطيط أو التسهيل أو التجنيد أو التدريب لصالح جماعات متورطة في أعمال إرهابية.
ويشير هذا المسار إلى أن المواجهة الأوروبية لم تعد تركز فقط على التنظيمات التي تعلن صراحة تبني العنف، وإنما تتجه أيضا إلى فحص شبكات الدعم والتمويل والتجنيد والتأثير، باعتبارها عناصر أساسية في استمرار قدرة التنظيمات المتطرفة على العمل والتوسع.
كما أظهرت تقارير ودراسات حديثة تصاعد الاهتمام الأوروبي بالشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان، مع الإشارة إلى أن عددا من الدول الأوروبية بدأ في تطوير آليات بحث ومتابعة للبيئات المرتبطة بالإسلام السياسي، من بينها إنشاء وحدات متخصصة لدراسة ومراقبة هذه التيارات. وفي المقابل، لا تزال الجماعة وشبكاتها في أوروبا تتمتع في بعض الدول بوضع قانوني يسمح لها بالعمل طالما لم تثبت مخالفتها للقوانين الوطنية.
وتكتسب التحركات الأوروبية أهمية أكبر في ظل اعتماد جماعة الإخوان تاريخيا على العمل عبر شبكات وواجهات متعددة، بما يصعب أحيانا تحديد الارتباط التنظيمي المباشر بينها وبين الجماعة الأم، وهو ما يجعل المواجهة أكثر تعقيدا ويضع أجهزة الأمن أمام تحدي تتبع التمويلات والعلاقات والأنشطة دون الاكتفاء بالأسماء والكيانات المعروفة.
ويرى مراقبون أن التضييق المتزايد على شبكات الإسلام السياسي في أوروبا يعكس تغيرا في طريقة التعامل مع التنظيمات التي تحاول تقديم نفسها باعتبارها كيانات دعوية أو اجتماعية، بينما تخضع أنشطتها بصورة متزايدة للتدقيق الأمني والسياسي، خاصة عندما تتقاطع مع خطاب التحريض أو التطرف أو دعم جماعات مسلحة.
وبذلك تجد جماعة الإخوان نفسها أمام بيئة دولية أكثر تشددا، تتراجع فيها المساحات التي كانت تسمح لها بالحركة بحرية أكبر، بينما تتجه الحكومات إلى تعزيز الرقابة على التمويل والأنشطة التنظيمية وخطاب التطرف، بالتوازي مع تطوير أدوات قانونية وأمنية لمواجهة الشبكات العابرة للحدود.
ولا يعني ذلك أن التنظيم أصبح محظورا في جميع الدول الأوروبية، إذ لا تزال المواقف القانونية تختلف من دولة إلى أخرى، لكن الاتجاه العام يشير إلى ارتفاع مستوى التدقيق والمراقبة، وتحول ملف الإخوان والإسلام السياسي إلى قضية أمنية وسياسية أكثر حضورا في عدد من العواصم الأوروبية.
ومع استمرار هذه التحركات، تواجه الجماعة تحديا متزايدا يتمثل في قدرتها على الحفاظ على شبكات النفوذ والتمويل والتواصل في ظل بيئة رقابية أكثر صرامة، الأمر الذي قد يدفعها إلى إعادة ترتيب أدواتها وواجهاتها، بينما تواصل الدول الأوروبية البحث عن وسائل أكثر فاعلية لمنع استغلال المؤسسات المدنية والمالية في دعم أنشطة تتعارض مع قوانين مكافحة التطرف والإرهاب.