تتوالى الاعترافات والشهادات التي تكشف طبيعة العلاقات التنظيمية والفكرية داخل دوائر جماعة الإخوان في الخارج، ويبرز من بينها اسم رضا فهمي، القيادي الإخواني ورئيس المكتب السياسي لحركة «ميدان»، الذي ارتبط اسمه بعدد من المواقف والتصريحات التي تلقي الضوء على طبيعة تحركات الجماعة وواجهاتها الجديدة.
وتكشف تصريحات وكتابات فهمي، إلى جانب ما أورده باحثون في شؤون الجماعات المتطرفة، عن محاولة إعادة تقديم خطاب الإخوان عبر كيانات ومنصات جديدة، مع استخدام شعارات دينية وحقوقية وإعلامية، بالتوازي مع محاولات مستمرة للتنصل من الارتباط بالتنظيم أو بالعناصر المتورطة في العنف.
وجاءت اعترافات عدد من عناصر الجماعة الإرهابية وآخرها الإرهابي علي عبد الونيس لتكشف عن دور ما يسمى بـ "مؤسسة ميدان"، التي وصفها بأنها "الذراع السياسي" لحركة حسم المسلحة، والتي يديرها من الخارج قيادات هاربة أبرزهم يحيى موسى ورضا فهمي ومحمد إلهامي.
وأوضح عبد الونيس أن الهدف الاستراتيجي لهذه المؤسسة كان كسر الطوق حول الجماعة، والوصول إلى فئات من الشباب "خارج التيار الإسلامي" التقليدي، سواء داخل مصر أو خارجها، لإقناعهم بالانخراط في العمليات العدائية تحت ستار الثورية أو المعارضة السياسية.
رضا فهمي وإقرار انتماء علي عبد الونيس للإخوان
وقال عمرو عبد الحافظ، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن رضا فهمي، رئيس المكتب السياسي لحركة «ميدان»، أقر بانتماء علي عبد الونيس إلى جماعة الإخوان، رغم المحاولات التي تقوم بها ما تعرف بـ«جبهة لندن» للتنصل من صلة عدد من الشخصيات بالتنظيم.
وأضاف عبد الحافظ أن هذا الإقرار يمثل دلالة مهمة على طبيعة العلاقة بين «ميدان» وجماعة الإخوان، ويكشف تناقض الخطاب الذي تروجه بعض القيادات بشأن الانفصال عن التنظيم، موضحًا أن تصريحات فهمي تكتسب أهمية خاصة باعتبارها صادرة عن أحد القيادات البارزة في دوائر الجماعة بالخارج.
وأشار إلى تصريحات سابقة لقيادات أخرى، من بينها يحيى موسى، ادعت الابتعاد عن جماعة الإخوان منذ سنوات، معتبرًا أن تكرار هذه التصريحات يطرح تساؤلات حول حقيقة ما إذا كان الأمر يتعلق بانفصال تنظيمي حقيقي، أم بإعادة ترتيب للأدوار والواجهات.
«تبادل الأدوار».. محاولة للتنصل من العنف
وأوضح عبد الحافظ أن جماعة الإخوان تحرص على عدم ربط اسمها بصورة مباشرة بالأعمال المرتبطة بالعنف، من خلال ما وصفه بسياسة «تبادل الأدوار»، حيث تتنصل الجماعة من بعض العناصر عند ارتباط أسمائها بأعمال عنيفة، بينما يعلن هؤلاء بدورهم عدم انتمائهم إلى التنظيم.
وأكد أن الهدف من هذه الممارسات، بحسب تقديره، هو الحفاظ على صورة الجماعة أمام الرأي العام، وإعادة تقديم بعض العناصر في صورة مستقلة، رغم استمرار الروابط الفكرية والتنظيمية التي تجمعها بدوائر الإخوان.
وأضاف أن هذا الأسلوب يعكس نمطًا متكررًا في تعامل الجماعة مع الكيانات والشخصيات التي تتحرك في دوائرها، حيث يجري تغيير الواجهات والأسماء مع الإبقاء على الخطاب والأهداف ذاتها.
«ميدان» وإعادة تدوير خطاب الإخوان
وفي السياق ذاته، أعادت منصة «ميدان» طرح شعار «الإسلام هو الحل»، وهو الشعار الذي تبنته جماعة الإخوان لسنوات، واستخدمته في تقديم خطابها السياسي وتوظيف الدين في العمل العام.
وقالت المنصة في خطابها: «الإسلام هو سبيل الأمة الوحيد للنهوض»، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لإعادة إنتاج الخطاب الإخواني عبر واجهة جديدة، خاصة مع تقديم «ميدان» نفسها باعتبارها إطارًا مختلفًا عن التنظيم التقليدي.
ويرى خبراء أن إعادة طرح الشعار عبر منصات جديدة تكشف استمرار حضور المرجعية الفكرية للجماعة، حتى مع محاولات بعض الشخصيات تقديم نفسها باعتبارها منفصلة تنظيميًا عن الإخوان.
إبراهيم ربيع: «ميدان» أداة لإدارة «الإرهاب الناعم»
من جانبه، أكد إبراهيم ربيع، الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية، أن مؤسسة «ميدان» تمثل إحدى الأدوات التي تعتمد عليها جماعة الإخوان في إدارة ما وصفه بـ«الإرهاب الناعم»، من خلال توظيف الإعلام والملفات الحقوقية في خدمة أجندات سياسية تستهدف الدولة المصرية.
وأوضح ربيع أن الجماعة، بعد تراجع قدرتها على التحرك التنظيمي المباشر داخل مصر، نقلت جانبًا من نشاطها إلى الخارج، واعتمدت على منصات رقمية حديثة لإعادة صياغة خطابها بما يتناسب مع طبيعة الجمهور الدولي.
وأشار إلى أن «ميدان» تعمل، وفق رؤيته، كمنبر إعلامي ينتج محتوى موجهًا للرأي العام الدولي، مع التركيز على قضايا حقوق الإنسان بصورة انتقائية، بما يخدم أهداف الجماعة ويساعدها على بناء علاقات مع منظمات ودوائر خارجية.
وأضاف أن الجماعة تعتمد على شبكات تمويل معقدة لدعم هذه المنصات، بما يسمح لها بالاستمرار والتوسع وإعادة إنتاج نفوذها خارج مصر.
ملايين الدولارات لصناعة صورة جديدة للإخوان
وقال ربيع إن جماعة الإخوان استعانت بعد عام 2013 بعدد من شركات العلاقات العامة الدولية للترويج لخطابها في الخارج، مشيرًا إلى أن الجماعة تعاقدت مع نحو 7 شركات كانت تتقاضى أكثر من 100 مليون دولار، بحسب تقديره، قبل أن تصل التكلفة حاليًا إلى نحو 150 مليون دولار سنويًا.
وأضاف أن هذه الشركات تعمل على تقديم الجماعة في صورة مختلفة أمام الرأي العام الدولي، عبر حملات منظمة تستهدف التأثير في قطاعات محددة من الجمهور.
وأشار إلى أن الدعاية الإخوانية تعتمد على رسائل موجهة إلى فئات بعينها، من بينها جيل «زد» والشباب والنساء، مؤكدًا أن الشائعات التي تنتجها الجماعة تخضع، بحسب تقديره، لدراسات نفسية واجتماعية واقتصادية لزيادة قدرتها على التأثير.
وشدد ربيع على أن الإخوان تسعى إلى «تفخيخ عقول الشعب المصري عبر الشائعات والأكاذيب»، معتبرًا أن استخدام المنصات الإعلامية والحقوقية الجديدة يمثل جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة إنتاج نفوذ الجماعة بعد فشل مشروعها السياسي والتنظيمي.
وتكشف هذه الوقائع، بحسب ما أورده الباحثون، أن أزمة رضا فهمي ودوائر «ميدان» لا تتعلق فقط بالخطاب الإعلامي أو السياسي، وإنما تمتد إلى محاولات إعادة صياغة صورة جماعة الإخوان وواجهاتها، مع إبقاء الروابط الفكرية والتنظيمية قائمة، والتعامل مع ملف العنف من خلال سياسة التنصل وتبادل الأدوار.