على مدار سنوات، ارتبط اسم محمد ناصر بخطاب إعلامي إخواني من خارج مصر، اتسم بالهجوم المتواصل على الدولة المصرية، واستغلال الملفات والأزمات في تقديم رواية سياسية تخدم جماعة الإخوان.
ومع استمرار ظهوره عبر المنصات التابعة للجماعة، تحول ناصر إلى أحد أبرز الوجوه التي تعتمد عليها الجماعة في مخاطبة أنصارها وتقديم سرديتها للأحداث.
ويرى الباحث في شؤون الحركات الإرهابية طارق البشبيشي أن ناصر يمثل نموذجا لخطاب يقوم على المزج بين التحليل السياسي والرواية التاريخية والأداء الانفعالي، مشيرا إلى أن طريقة تقديمه للأحداث تعتمد على التهويل وإثارة المشاعر بهدف التأثير في المتلقي.
وبحسب البشبيشي، فإن ما يميز هذا الخطاب هو الانتقال المستمر من الواقعة إلى التفسير السياسي، ومن المشكلة المحدودة إلى تصويرها باعتبارها أزمة شاملة، بما يسمح بتوظيف الأحداث اليومية في بناء رسائل أكثر حدة ضد مؤسسات الدولة.
ولا تتوقف المسألة عند تضخيم الأزمات، وإنما تمتد إلى الادعاءات والمعلومات التي تطرح على الشاشة دون أن تحظى دائما بالتدقيق الكافي.
ويؤكد البشبيشي أن ناصر اشتهر بـ«تاجر الأكاذيب»، نتيجة ما يراه الباحث نمطا متكررا من تقديم روايات سياسية وتاريخية بصورة مشوهة أو انتقائية.
ويشير هذا التقييم إلى آلية أساسية في الخطاب الإخواني، تقوم على إعادة تقديم الحدث من زاوية واحدة، ثم تكرار الرواية عبر المنصات والحسابات التابعة للجماعة، بما يمنحها انتشارا واسعا، حتى في الحالات التي تحتاج فيها المعلومات إلى مراجعة وتحقق.
ويأتي الانفعال أيضا كأداة رئيسية في هذا الخطاب، إذ تتحول نبرة الحديث المرتفعة والعبارات الصادمة والسخرية والهجوم الشخصي إلى جزء من طريقة بناء الرسالة، بما يجعل المشاهد أمام حالة من الاستقطاب بدلا من نقاش هادئ قائم على المعلومات.
ويرى البشبيشي أن هذا الأسلوب يستهدف التأثير في الوعي العام من خلال صناعة حالة مستمرة من الغضب، عبر تصوير أي تحدي أو أزمة صغيرة باعتبارها نتيجة مباشرة للسياسات الحكومية، وتقديم الأحداث المتفرقة باعتبارها دليلا على أزمة أكبر.
كما يلفت إلى أن خطاب ناصر لم يقتصر على انتقاد السياسات، وإنما تضمن، بحسب ما أورده، مواقف وتصريحات اعتبرها تحريضية، من بينها دعوات سابقة لاستهداف أفراد الشرطة وعائلاتهم وحمل السلاح وتشكيل خلايا نوعية، وهو ما يجعل تقييم هذا الخطاب مرتبطا أيضا بما يحمله من رسائل تتجاوز المعارضة السياسية إلى التحريض على العنف.
وبعيدا عن التوصيفات السياسية، فإن خطورة أي خطاب إعلامي تظهر عندما تتحول الادعاءات إلى أدوات لتأجيج الجمهور، أو عندما يتم تقديم معلومات غير موثقة باعتبارها حقائق نهائية. فالخلاف السياسي حق، وانتقاد الدولة حق، لكن نشر الاتهامات دون دليل وتحويلها إلى قناعات عامة يمثلان مسارا مختلفا تماما.
وتكشف تجربة محمد ناصر كذلك عن استمرار اعتماد جماعة الإخوان على الإعلام الخارجي باعتباره مساحة للحفاظ على خطابها السياسي، خصوصا بعد فقدانها القدرة على العمل من داخل مصر، فبدلا من اختفاء الرسالة، انتقلت إلى شاشات ومنصات خارجية، واستمرت في إعادة إنتاج خطاب يقوم على مهاجمة الدولة واستثمار الأزمات.
وفي هذا السياق، تصبح متابعة أرشيف التصريحات ومقارنتها بالوقائع أداة مهمة لاختبار صدقية ما يطرح على الهواء، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتوقعات السياسية أو الاتهامات أو الروايات التاريخية، فالرواية لا تصبح حقيقة بمجرد تكرارها، والادعاء لا يتحول إلى معلومة لمجرد عرضه بصورة حاسمة.
وفي النهاية، يقدم محمد ناصر نموذجا لخطاب إخواني يعتمد على ثلاث أدوات رئيسية: تضخيم الأزمة، إطلاق الادعاء، ثم إعادة تدويره بصورة مستمرة، وبينما تراهن هذه المنظومة على الانفعال وسرعة انتشار المحتوى، تظل الوثيقة والوقائع والسياق الكامل هي الاختبار الحقيقي لأي رواية سياسية.