يمشي أحدُنا في الشارع مطمئنًا، يخطو خطوة عادية، أو يقع في هفوة بشرية بسيطة، دون أن يعلم أن عدسة هاتفٍ مترصدة قد التقطت مشهده، لتُحيله في ثوانٍ معدودات من إنسان عابر إلى "تريند" عاجل.
في لحظة خاطفة، تنقلب حافلة حياته رأساً على عقب، وتحتله الشاشات دون إذنه، لتنصب له منصات التواصل الاجتماعي محكمة علنية، قُضاتها المتابعون، وأحكامها تعليقات لا تطرح سؤالاً ولا تنتظر إجابة.
لقد تحول العالم الرقمي من مساحة للتواصل إلى ساحة للقصاص، وأصبح "الوصم الرقمي" هو العقوبة المعجّلة التي تُنفذ فوراً وقبل تثبت الحقائق.
يتسابق المارة الرقميون على المقاعد الأمامية في مسرح التشهير؛ يوزعون الاتهامات بسخاء، ويسلبون المتهم حق الدفاع، بل وحق الإنسانية نفسه.
ينسى الجميع أن خلف تلك مقاطع الفيديو المجتزأة والصور الثابتة حكايات أعقد بكثير مما تلتقطه العدسات، وأن التفاصيل المقتطعة غالباً ما تخفي الحقيقة كاملة.
تكمن المأساة الحقيقية في سرعة هذه المحاكمات الخاطفة؛ فالشاشات لا تمنح أحداً فرصة الاستئناف، والجمهور الذي يصفق اليوم لقصاصٍ ظالم، سينسى القضية برمتها غداً ليجلس في مقعد القاضي أمام ضحية جديدة.
لكن ما ينطفئ على الشاشة لا ينطفئ في الواقع، فالندوب التي تتركها هذه المحاكمات تعيش في أرواح أصحابها، وتطارد بيوتهم وأسرهم، محولة الخطأ الفردي أو حتى سوء الفهم المجرد إلى زنزانة دائمة بلا قضبان.
إننا لا نجلد في الشاشات أشخاصاً خطأوا، بل نجلد أنفسنا وإنسانيتنا، حين نلغي براءة الذمة، ونستبدل الرحمة برغبة حارقة في التشهير والانتشار، نتحول تدريجياً من مجتمع يبحث عن العدالة إلى قطيع يقتات على عثرات الآخرين.
المأساة أن من يرفع السكين اليوم ليذبح غيره بقسوة "اللايك" و"الريتويت"، قد يصحو غداً ليجد نفسه هو القتيل على الرصيف ذاته، منتظراً رحمةً لم يمنحها بالأمس لأحد.