«سيكولوجية الابتلاء».. كيف تحول الإخوان الهزائم والأزمات إلى شهادات على صحة الطريق؟.. باحث شؤون حركات متطرفة يكشف ازدواجية الجماعة في تفسير محنها وأزمات خصومها وتحويل الفشل إلى وقود للاستمرار

السبت، 22 أغسطس 2026 10:39 ص
«سيكولوجية الابتلاء».. كيف تحول الإخوان الهزائم والأزمات إلى شهادات على صحة الطريق؟.. باحث شؤون حركات متطرفة يكشف ازدواجية الجماعة في تفسير محنها وأزمات خصومها وتحويل الفشل إلى وقود للاستمرار جماعة الإخوان

كتبت منة الله حمدى

أكد عماد عبد الحافظ، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، إن جماعة الإخوان على مدار تاريخها تعاملت مع الأزمات والإخفاقات التي مرت بها بمنظومة فكرية تجعلها أقرب إلى "اختبارات إيمانية" منها إلى مؤشرات تستوجب المراجعة والنقد، موضحًا أن هذه الرؤية ساهمت في ترسيخ حالة من الجمود التنظيمي والفكري، وأضعفت قدرة الجماعة على الاعتراف بالأخطاء أو البحث عن أسباب فشلها بصورة موضوعية.

 

الإخوان تحول المحن والأزمات إلى دليل على صحة طريقها


وقال عبد الحافظ إن الجماعة، رغم ما تعرضت له منذ تأسيسها من صراعات وانقسامات وأزمات سياسية وتنظيمية، لم تتعامل معها في كثير من الأحيان باعتبارها دليلًا على وجود خلل يستوجب المراجعة، وإنما أعادت تفسيرها داخل إطار ديني وتنظيمي يعتبر المحن والاضطهاد والسجن والملاحقة دليلًا على سلامة الطريق وصحة الانتماء إلى الجماعة.

وأضاف أن هذا التصور يمكن فهمه من خلال الأدبيات التربوية التي تربى عليها أعضاء التنظيم، والتي ربطت بين صعوبة الطريق وصحة الدعوة، بحيث تتحول المعاناة من مؤشر محتمل على وجود خطأ إلى وسيلة لتأكيد اليقين الداخلي. وأشار إلى أن بعض القيادات كانت تقدم للأعضاء تصورًا مفاده أن الطريق الصحيح لا بد أن يكون مليئًا بالعقبات، وأن ما يواجهونه من تضييق أو ملاحقة أو خسائر ليس بالضرورة نتيجة أخطاء ارتكبوها، وإنما قد يكون جزءً من الابتلاء الملازم للعمل الدعوي.

وأوضح الباحث في شؤون الحركات المتطرفة أن هذا المنطق يستند في جزء منه إلى أدبيات حسن البنا، ومنها ما ورد في رسالته "بين الأمس واليوم"، حيث تحدث عن تعرض الجماعة للسجن والاعتقال والقتل والتشريد ومصادرة المصالح وتعطيل الأعمال، مقدمًا هذه التحديات في سياق ما اعتبره اختبارً يسبق النصر. ولفت إلى أن توظيف هذا النوع من النصوص داخل البناء التربوي للجماعة أدى إلى إنتاج قناعة لدى قطاع من أعضائها بأن زيادة المحن قد تعني، زيادة اليقين بصحة المسار.

الأزمات لا تتحول إلى مراجعة

وأكد عبد الحافظ أن أخطر ما في هذه المنظومة أنها تمنع الأزمة من أداء وظيفتها الطبيعية، وهي كشف الأخطاء وإعادة تقييم القرارات. فبدلًا من أن تدفع الخسارة أو الفشل إلى طرح أسئلة من نوع: أين أخطأنا؟ وما الذي يحتاج إلى تغيير؟ وكيف يمكن تجنب تكرار الأزمة؟ تتحول الأحداث إلى وقائع يتم تفسيرها مسبقًا داخل إطار ديني يجعل الجماعة في موقع الضحية أو الطرف المبتلى.

وأشار إلى أن هذه الطريقة في التفكير تجعل التنظيم أكثر قابلية لتكرار الأخطاء نفسها؛ لأن الفشل لا ينتج عنه بالضرورة مراجعة فكرية أو تنظيمية حقيقية، بل قد يؤدي إلى مزيد من التشدد والتمسك بالمواقف السابقة، باعتبار أن التراجع عنها قد يُفهم باعتباره ضعفًا أو تخليًا عن "طريق الدعوة".

معيار مزدوج في تفسير أزمات الخصوم

ويرى الباحث أن المشكلة تصبح أكثر وضوحًا عندما نقارن تفسير الجماعة لما يحدث لها بتفسيرها لما يتعرض له خصومها. فحين تتعرض عناصر الجماعة أو قياداتها لأزمة، يتم تقديم الأمر باعتباره ابتلاءً واختبارً للمؤمنين، بينما عندما يتعرض الخصوم لأزمات مشابهة، يمكن أن تتحول القراءة إلى حديث عن العقاب والانتقام الإلهي.

وقال عبد الحافظ إن هذه الازدواجية ليست مجرد اختلاف في التفسير، وإنما تعكس صورة ذهنية أكثر عمقًا تقوم على تقسيم العالم إلى "نحن" و"هم"؛ بحيث ترى الجماعة نفسها باعتبارها ممثلة للحق أو الأقرب إليه، بينما يوضع الآخر في موقع الخصم أو المخالف، وهو ما يجعل الحدث نفسه يحمل معنيين مختلفين بحسب هوية من تعرض له. مؤكدًا؛ أن هذه الرؤية تعزز الانغلاق الفكري وتضعف فرص الحوار والمراجعة، لأن الجماعة لا تتعامل مع النقد بوصفه فرصة لاكتشاف الخلل، وإنما قد تنظر إليه باعتباره جزءًا من الاستهداف الذي تتعرض له.

الفشل يتحول إلى مصدر للشرعية

ولفت عبد الحافظ إلى أن المفارقة الأكثر خطورة تتمثل في أن الأزمات، التي يفترض أن تقلل ثقة الأعضاء في الأداء التنظيمي أو السياسي، قد تتحول إلى مصدر جديد للشرعية داخل الجماعة. فكلما تعرضت الإخوان لضغوط أو خسائر، يمكن إعادة تقديم هذه الوقائع باعتبارها دليلًا على أنها تدفع ثمن مواقفها أو دفاعها عن أفكارها. موضحًا؛ أن تحويل المحنة إلى "شهادة صحة" يحمل آثارً خطيرة على المدى البعيد، لأنه يسمح باستمرار البناء الفكري والتنظيمي دون مراجعة جادة، ويمنح القيادة مساحة واسعة لإعادة تفسير الأحداث بطريقة تحافظ على تماسك الأتباع وتمنع ظهور أسئلة جذرية حول أسباب الفشل. مضيفًا أن هذا النمط يمكن أن يفسر جانبًا من قدرة التنظيمات الأيديولوجية على البقاء رغم الانتكاسات؛ إذ لا يتم تقييم النجاح فقط وفق النتائج الواقعية، وإنما وفق سردية داخلية تستطيع إعادة تعريف الخسارة باعتبارها انتصارً أخلاقيًا أو دليلًا على الثبات.

آثار تتجاوز التنظيم

وشدد الباحث في شؤون الحركات المتطرفة على أن المشكلة لا تتوقف عند حدود التنظيم، لأن استمرار الإخفاقات دون مراجعة يمكن أن تكون له انعكاسات على المجتمع ذاته، خاصة عندما تتحول الصراعات السياسية إلى مواجهات اجتماعية، أو حين يجري توظيف الإحساس بالمظلومية في إنتاج مزيد من الاستقطاب والكراهية. مشيرًا إلى أن المجتمعات تحتاج في مواجهة الأفكار المغلقة إلى ثقافة نقد ومراجعة تقوم على الاعتراف بالخطأ، وليس إلى منطق يعتبر كل خسارة مؤامرة وكل أزمة ابتلاءً وكل فشل دليلًا على صحة الطريق.

الحاجة إلى تفكيك "سيكولوجية الابتلاء"

واختتم عماد عبد الحافظ حديثه بالتأكيد على أن فهم مسار جماعة الإخوان لا يكتمل فقط بدراسة مواقفها السياسية، وإنما يحتاج أيضًا إلى تحليل البنية النفسية والفكرية التي تفسر للأعضاء ما يحدث لهم ولخصومهم. موضحًا أن تفكيك "سيكولوجية الابتلاء" داخل الجماعة يمكن أن يكشف كيف تتحول الأزمات من فرص للمراجعة إلى وقود للاستمرار.

وأكد أن أي مراجعة حقيقية لا بد أن تبدأ من سؤال بسيط لكنه شديد الأهمية: هل الأزمة تعني دائمًا أن الطريق صحيح لأن الطريق صعب، أم أن الصعوبة أحيانًا تكون نتيجة أخطاء بشرية وفكرية وتنظيمية تحتاج إلى الاعتراف بها وتصحيحها؟ موضحًا أن الإجابة عن هذا السؤال تظل مفتاحًا لفهم أسباب تكرار الإخفاق داخل التنظيمات الأيديولوجية، وكيف يمكن أن يتحول الفشل في بعض الأحيان من سبب للانسحاب والمراجعة إلى أداة لتعزيز الولاء والاستمرار.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة