لم يعد البيت سكناً تُطوى بين جدرانه الحكايات، بل أضحى مسرحاً صغيراً، يُطلب فيه من الحب أن يرقص باستمرار تحت أضواء الفلاشات، ليزهو أمام غرباء لا يعنيهم من الطبخ سوى الشكل، ولا من المودة إلا شريط مصوّر.
لقد تسللت الشاشات إلى أعمق زوايا الخصوصية، فأفسدت بالاستعراض ما أصلحته المودة، وتحول عقد القران من "ميثاق غليظ" إلى "محتوى طليق"، يُقاس عمقه بما تحصده المشاهدات، وتوزن قيمته بعدد الإعجابات.
وفي الطريق نحو إرضاء الخوارزميات، دهست الأقدام بساطة الزوجية العادية؛ تلك التي تستمد دفئها من تفاصيل صغيرة لا تشبه البهرج، ومن صبرٍ جميل على أعباء الحكايات اليومية بعيداً عن أعين المتابعين.
تكمن الجريمة الصامتة في "عقد المقارنة" قبل "عقد القران"؛ حيث أطلقت المنصات افتراضات زاهية، وصدرت نعيماً زائفاً يقدمه المؤثرون على أطباق من ذهب، يرتدون فيه أقنعة المثالية الدائمة، وكأن البيوت لا تعرف الكدر، ولا يمر بها إرهاق السعي أو ضيق العيش.
هناك، عند حافة هذه الصورة المفبركة، يبدأ التآكل الصامت؛ حيث تنظر الزوجة إلى بيتها الحقيقي فلا تراه كافياً، وينظر الزوج إلى وقائع يومه فيراها باهتة مقارنة بشرائط "تيك توك" و"إنستجرام".
وهكذا، أصبحت الأيام العادية جحيماً لا يُطاق، لأنها تفتقر إلى الألوان المستعارة والمعالج الرقمي، تحوّلت التفاصيل الطبيعية من حميمية واحتواء إلى نقيصة وتقصير، وبدلاً من أن تكون شريكة العمر سكنًا، صارت صريعة "التريند".
إن الارتفاع المظلم في نسب الطلاق خلال السنوات الأولى للزواج ليس إلا ثمرة مريرة لهذه الخديعة؛ فقد ظن الشباب أن الحياة العاطفية استعراض متصل، وحين اصطدموا بواقع المشاعر الحقيقية التي تحتاج إلى البناء لا إلى التقاط الصور، انكسر الزجاج الملون.
لم يدرك الكثيرون أن البيوت المسكونة بالحب الصادق لا تحتاج إلى مكبرات صوت، وأن أجمل قصص العشق هي تلك التي عاشت وماتت في الظل، بعيداً عن أضواء المسارح، حيث يُصنع الدفء الحقيقي لا الصوري.