تخوض مصر في الوقت الراهن واحدة من أهم وأخطر المعارك الفكرية على مختلف الجبهات الداخلية والخارجية، معركة ممتدة منذ بداية الألفية وكانت ذروتها مع أحداث 2011 وما تبعها من استيلاء جماعة الإخوان الإرهابية على السلطة عبر خداع الوعي الجمعي المصري باستخدام ستار الدين، بينما الشعب بفطرته السليمة يتحصن بالدين حفاظًا على الوطن، بينما جماعة الإخوان ولأهداف خبيثة توظف الدين لإفشال الوطن، وهو ما أحدث يقظة واستفاقة للوعي المصري ظهرت جليًا إبان ثورة 30 يونيو المجيدة، والتي وضعت حدًا فاصلًا يصون ويحمي الدين والوطن والهوية المصرية من عبث تلك الجماعة الإرهابية، وهنا يتضح أن حراك الشعب المصري ضد الإخوان كان في إطار مواجهة فكرية انتصرت خلالها فكرة الدولة الوطنية على فكرة الجماعة الميليشياوية.
المواجهة الفكرية
جماعة الإخوان الإرهابية ما هي إلا إحدى الأدوات في تلك المعركة الفكرية التي لها أبعاد إقليمية ودولية تنفذ أهدافها تلك الجماعات الوظيفية، وأُضيفت مؤخرًا أدوات مبتكرة تستخدم الفضاء الإلكتروني والضغوط الأمنية الإقليمية واستغلال تبعاتها الاقتصادية على الداخل المصري لاختراق الوعي الجمعي المصري لتمرير الغضب الشعبي وفقدان الثقة في الدولة، ومن ثم تحقيق الفكرة الأساسية لتلك المعركة الفكرية وهي إفشال الدول من الداخل أو إحداث ما يمكن توصيفه بالانتحار القومي، ولهذا تواجه مصر معركة وعي مركبة تستخدم الأدوات التقليدية المتمثلة في جماعة الإخوان الإرهابية وما تتبعه من حروب شائعات وتشكيك، ويُضاف إلى هذا خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي وأيضًا الأوضاع الإقليمية الهشة وتبعاتها على الداخل المصري، وقد نجحت مصر بالفعل في صناعة تجربة وطنية فريدة استطاعت من خلالها إحداث مواجهة للتطرف والإرهاب، وهذا عبر المواجهة الفكرية والمجابهة المسلحة وأيضًا التنمية والإعمار، وهي محاور ثلاثة استطاعت من خلالها مصر دحر الإرهاب وبناء وعي جمعي سليم قادر على التصدي لمحاولات التطرف والإرهاب المستمرة لاختراق الوعي الجمعي المصري، ومع تطور المعركة وتزايد التحديات الفكرية التي تواجه الداخل يستوجب التمسك بتلك التجربة والاستمرار في العمل على تلك المحاور المتعلقة باليقظة الأمنية وتعزيز الوعي الجمعي بالإضافة إلى الاستمرار في معركة التنمية الاقتصادية والعمرانية.
استراتيجية وطنية للأمن الفكري
ولعل نضج التجربة المصرية يستوجب صياغة كل هذا عبر استراتيجية وطنية للأمن الفكري ترتكز على تطوير الخطابات الإعلامية والدينية وأيضًا السياسية بجانب العمل التنموي، وهذا عبر إيجاد قنوات اتصال جديدة ومتطورة تتناسب والأجيال الجديدة، ومنصات إلكترونية وطنية قادرة على التأثير الفعال في الوعي العام، وهذا ليس من منطلق فقط تبسيط لغة العرض للوصول إلى أبسط فئات المجتمع، ولكن يجب أن يكون هذا مصحوبًا بارتقاء بفهم ووعي وأيضًا تثقيف المتلقي ورفع معدلات الثقافة العامة، بل إن كلمة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية مؤخرًا رسمت ملامح تلك الاستراتيجية، حيث أكد حينها على أهمية فتح حوار مباشر بين المسؤولين والمواطنين والاستماع الجيد لآرائهم وإمدادهم بالمعلومات الحقيقية حتى تكون الرؤية موضوعية ومبنية على بيانات مدققة، هذا بالإضافة لتوجيهات رئاسية واضحة بفتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي الذي يشمل الرأي والرأي الآخر لإثراء النقاش وبناء الوعي في إطار من الاحترام والتفاهم، كما وجه السيد الرئيس بإعداد اجتماع سنوي يضم الجهات والهيئات الإعلامية والصحفية المعنية بهدف مراجعة أوضاع الإعلام المصري ومناقشة التحديات والفرص والخروج بتوصيات عملية لتطويره بصفة مستمرة، كما يُعد حديث السيد الرئيس خلال نفس المناسبة حول تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية والانتهاء من الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية بما يرسخ المشاركة الشعبية ويعزز دورها في الإدارة المحلية، ثم الذهاب للحديث عن التنمية والإصلاح الاقتصادي، يؤكد ان جميعها ركائز ومحاور عمل تتبناها رؤية القيادة السياسية المتمثلة في إيجاد استراتيجية عمل ذات محددات واضحة المحاور والآليات تنفيذ تهدف لصون وحماية الأمن الفكري المصري، وإذا نظرنا لجهود السيد الرئيس المتعلقة بتجديد الخطاب الديني وتدريب وتأهيل الأئمة والدعاة، وهو المحور الذي يشهد نشاطًا ملحوظًا كبيرًا في الآونة الأخيرة، وباضافة هذا الي ما تم ذكره من محاور عمل يتضح أننا بالفعل بصدد تلك الاستراتيجية الوطنية للأمن الفكري والتي حددت القيادة السياسية معالمها ومحددات عملها المتضمنة تنمية وتطوير الخطاب السياسي والإعلامي والديني والاستمرار في البناء التنموي والاقتصادي بما يُمكّن الوطن من مواجهة التحديات التي تحيط بالوعي المصري سواء حاليًا أو مستقبليًا.
إن صون الأمن الفكري المصري يُعد أحد أهم عوامل دعم الأمن القومي للدولة بشكل عام، بل في الوقت الراهن يُعد الأمن الفكري وتعزيز الوعي الجمعي أولوية عمل تضمن استقرار الوطن والحفاظ على ما تحقق من مكتسبات، والصمود أمام المتغيرات الخارجية، والمضي بثبات إلى المستقبل بما يضمن وعيًا سليمًا مستدامًا ينعكس على استدامة استقرار الوطن.