جندى من الريش.. "أبو قردان" حكاية طائر حمى ذهب مصر الأبيض.. مراقب حياة برية: الطائر كان خط دفاع طبيعيا عن القطن.. زيادة العدد من 15 طائرا إلى 200 ألفا.. وموضة أوروبية حولت الطائر الأبيض إلى فريسة للصيادين.. صور

الخميس، 20 أغسطس 2026 05:00 ص
جندى من الريش.. "أبو قردان" حكاية طائر حمى ذهب مصر الأبيض.. مراقب حياة برية: الطائر كان خط دفاع طبيعيا عن القطن.. زيادة العدد من 15 طائرا إلى 200 ألفا.. وموضة أوروبية حولت الطائر الأبيض إلى فريسة للصيادين.. صور الطيور فى أسوان

أسوان - عبد الله صلاح

فى الحقول المصرية، قد يبدو أبو قردان طائرًا عاديًا يمشى بهدوء خلف الماشية والجرارات الزراعية، يبحث عن غذائه بين الحشائش والتربة، لكن خلف هذا المشهد الريفى البسيط تختبئ قصة استثنائية تعود إلى أكثر من قرن، عندما ارتبط مصير هذا الطائر بمصير محصول القطن المصري، الذى كان يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني.

 

ومن أسوان، يفتح إسماعيل خليفة، مراقب ومصور الحياة البرية، ملف الحكاية التى جعلت من أبو قردان واحدًا من أبرز "الجنود المجهولين" فى التاريخ البيئى والزراعى لمصر، موضحًا كيف تحوّل طائر صغير إلى عنصر مؤثر فى حماية المحاصيل، وكيف كادت الموضة الأوروبية أن تقضى عليه قبل أن يدرك الإنسان قيمته الحقيقية.

 

مراقب الحياة البرية يروى بداية الحكاية

قال إسماعيل خليفة، مراقب ومصور الحياة البرية، لـ"اليوم السابع"، إن قصة أبو قردان ارتبطت فى بدايات القرن العشرين بأزمة حقيقية كان يواجهها القطن المصرى، الذى عُرف وقتها باسم "الذهب الأبيض"، مضيفاً أن القطن لم يكن مجرد محصول زراعى، وإنما كان أحد المصادر الرئيسية للدخل، ولذلك فإن انتشار الآفات والحشرات فى الحقول كان يمثل تهديدًا مباشرًا للمزارعين والاقتصاد فى الوقت نفسه.

 

وأشار، إلى أن أبو قردان كان يؤدى، بصورة طبيعية، وظيفة تشبه ما يعرف اليوم بالمكافحة البيولوجية، إذ يتغذى على الحشرات واليرقات والطفيليات والكائنات الصغيرة الموجودة فى الأراضى الزراعية، وهو ما جعله حليفًا طبيعيًا للفلاح دون تكلفة أو تدخل صناعي.

 

مدير حديقة الحيوان يكتشف أهمية الطائر

ويروى مراقب الحياة البرية أن التحرك التاريخى ارتبط بالميجور فلور، مدير حديقة حيوان الجيزة فى تلك الفترة، بعدما أدرك أن أعداد أبو قردان أصبحت مهددة، فى الوقت الذى كانت فيه حاجة الحقول إلى دوره الطبيعى فى مكافحة الآفات تتزايد، وعلق: فلور تحرك فى اتجاهين متوازيين، الأول يتعلق بحماية الطائر من الصيد، والثانى الحفاظ على سلالته وإكثاره داخل حديقة الحيوان، ووفقًا للرواية التاريخية التى تداولتها الصحف المصرية فى ذلك الوقت، صدر قانون يجرّم صيد أبو قردان، ثم بدأت عملية تربية وإكثار داخل حديقة الحيوان، استمرت نحو ثمانى سنوات.

 

وتابع "خليفة" أن البرنامج نجح، وفق ما أوردته المصادر التاريخية، فى الوصول إلى نحو 200 ألف طائر انطلاقًا من 15 طائرًا فقط، قبل إطلاقها فى الحقول المصرية لتعود إلى أداء دورها الطبيعي.

 

صحيفة مصرية توثق قصة الإنقاذ

ويشير مراقب الحياة البرية إلى أن أهمية القصة ظهرت بصورة واضحة فى الصحافة المصرية، إذ نشرت صحيفة "اللطائف المصورة" فى 15 أغسطس 1921 تقريرًا عن الدور الذى لعبه أبو قردان فى حماية محصول القطن من الآفات، موضحاً أن التقرير التاريخى ربط بين انتشار الطائر فى الحقول وبين توفير ملايين الجنيهات على مصر، فى إشارة إلى القيمة الاقتصادية الكبيرة التى كان يؤديها هذا الكائن الصغير من خلال دوره الطبيعى فى مكافحة الحشرات.

 

وأكد مراقب الحياة البرية، أن التعبير عن أبو قردان باعتباره "طائرًا أنقذ الاقتصاد" قد يبدو للوهلة الأولى مبالغًا فيه، لكن قراءة الظروف الاقتصادية والزراعية التى كانت تمر بها مصر فى ذلك الوقت تكشف أن حماية القطن من الآفات كانت قضية تتجاوز حدود الزراعة لتصل إلى الاقتصاد الوطني.

 

المفارقة.. الريش الذى كاد يقتل صاحبه

لكن المفارقة الأكثر غرابة فى القصة، بحسب خليفة، أن الخطر الذى هدد أبو قردان لم يكن مرتبطًا بالزراعة، وإنما بالموضة، موضحاً أن ريش الطيور البيضاء كان مطلوبًا فى أوروبا لاستخدامه فى تزيين قبعات السيدات، الأمر الذى أدى إلى انتشار عمليات صيد واسعة للطيور التى تمتلك هذا النوع من الريش.

 

وقال، إن أبو قردان وجد نفسه فى مواجهة خطر جديد؛ فبعدما كان يؤدى دورًا مهمًا فى الحقول المصرية، أصبح هدفًا للصيادين بسبب قيمة ريشه فى الأسواق الأوروبية، مضيفاً أن استمرار الصيد بهذه الصورة كان يمكن أن يؤدى إلى تراجع أعداد الطائر بصورة خطيرة، وهو ما كان سيحرم البيئة الزراعية من واحد من أهم حلفائها الطبيعيين.

 

لماذا أطلق عليه المصريون "أبو قردان"؟

ويشرح خليفة أن الاسم الشعبى للطائر يرتبط بسلوكه الغذائي، إذ يتغذى على الطفيليات والحشرات التى توجد بالقرب من الماشية، ومن بينها القراد، ولذلك ارتبط اسمه فى الذاكرة الشعبية بـ"أبو قردان"، أما لقب "صديق الفلاح"، فيرجعه مراقب الحياة البرية إلى المشهد الذى لا يزال حاضرًا فى الريف المصرى حتى اليوم.

 

ولفت، إلى أن أبو قردان يسير خلف الأبقار والجاموس، كما يظهر خلف الجرارات أثناء أعمال الحرث، مستفيدًا من حركة التربة والأقدام التى تدفع الحشرات واليرقات إلى الخروج من أماكن اختبائها، مضيفاً أن الطائر لا يحتاج إلى مطاردة معقدة لفريسته، فهو ينتظر اللحظة المناسبة، ثم يلتقط الحشرات والكائنات الصغيرة بسرعة، وهو ما يجعله يؤدى خدمة طبيعية مستمرة للأراضى الزراعية.

 

أبو قردان.. مكافحة بيولوجية قبل المصطلح

وكشف خليفة، أن اللافت فى الحكاية أن أبو قردان كان يمارس ما يمكن وصفه اليوم بالمكافحة البيولوجية قبل أن يصبح المصطلح جزءًا معروفًا من علوم الزراعة والبيئة، لافتاً إلى أن الإنسان اكتشف لاحقًا قيمة الكثير من الكائنات الموجودة حوله، بعدما كانت تقوم بأدوار بيئية مهمة بصورة تلقائية ودون تدخل منه.

 

ومن هذا المنظور، يرى أن قصة أبو قردان تقدم نموذجًا واضحًا للعلاقة بين حماية التنوع البيولوجى وحماية الاقتصاد، لأن فقدان نوع واحد من الكائنات قد ينعكس على منظومة كاملة تضم الزراعة والحشرات والتربة والإنسان.

 

الطائر الأبيض ما زال حاضرًا فى أسوان

وفى أسوان، لا تزال مشاهدة أبو قردان ممكنة فى العديد من المناطق الزراعية وعلى ضفاف النيل، حيث يظهر فى الحقول وبين الماشية، كما يمكن رؤيته فى أسراب خلال أوقات معينة من اليوم.

 

وأشار خليفة إلى أن المشهد الذى يراه المواطن أو الزائر فى صعيد مصر اليوم ليس مجرد صورة جميلة لطائر أبيض يتحرك بين الحقول، وإنما امتداد لقصة بيئية عمرها أكثر من مائة عام.

 

ويختتم مراقب الحياة البرية حديثه بالتأكيد على أن قيمة أبو قردان لا ترتبط فقط بما قدمه للقطن المصرى فى الماضى، وإنما بما يمثله اليوم من رسالة حول أهمية الحفاظ على الكائنات البرية، موضحًا أن بعض الكائنات التى تبدو صغيرة أو عادية قد تؤدى أدوارًا أكبر بكثير من حجمها، وقد لا يدرك الإنسان قيمتها إلا عندما تصبح مهددة بالاختفاء.

 

يُشار إلى أن قصة أبو قردان ارتبطت تاريخيًا بجهود حماية الطائر وإكثاره فى مصر خلال أوائل القرن العشرين، فى وقت كان القطن يمثل أحد أهم الموارد الاقتصادية للبلاد، لتبقى الحكاية نموذجًا مبكرًا على أهمية التوازن بين البيئة والزراعة والاقتصاد.
 

أبو قردان
أبو قردان

 

إسماعيل خليفة مراقب ومصور حياة برية
إسماعيل خليفة مراقب ومصور حياة برية

 

الجنود المجهولين
الجنود المجهولين

 

مجموعة الطيور فى أسوان
مجموعة الطيور فى أسوان

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة