جدل قبطى حول ظاهرة المرنم بين الضوابط الكنسية وحرية الموهبة.. أسقف كنائس وسط القاهرة يفتح الملف ويدعو لتنظيم الترتيل داخل الكنائس.. ويؤكد: الإبصالتس رتبة كنسية.. وآخرون: الترنيم موهبة وليس حكرًا على أحد

الخميس، 20 أغسطس 2026 11:00 م
جدل قبطى حول ظاهرة المرنم بين الضوابط الكنسية وحرية الموهبة.. أسقف كنائس وسط القاهرة يفتح الملف ويدعو لتنظيم الترتيل داخل الكنائس.. ويؤكد: الإبصالتس رتبة كنسية.. وآخرون: الترنيم موهبة وليس حكرًا على أحد المرنمون فى الكنيسة

كتب: محمد الأحمدى

إذاعة ترنيمة «يا مقبّل ع المحرّق» على التليفزيون المصرى بصوت يوستينا سمير يطرح سؤال حضور المرنمات من جديد

هل تتوقف ظاهرة المرنمين والمرنمات بعد دعوة الأنبا رافائيل أم تبدأ الكنائس مرحلة جديدة من التنظيم؟


فى الوقت الذى تمتلئ فيه الكنائس المصرية خلال صوم السيدة العذراء بأصوات الترانيم والمدايح، وتتسع مساحة حضور المرنمين والمرنمات على منصات التواصل الاجتماعي والفعاليات الكنسية، عاد سؤال قديم في شكل جديد ليحضر إلى الواجهة: من يحق له أن يلقب بالمرنم أو المرنمة؟ وهل الترتيل خدمة كنسية لها نظام محدد أم أن الموهبة الصوتية يمكن أن تفتح الباب أمام الجميع للمشاركة؟

السؤال اكتسب أهمية خاصة بعد تصريحات الأنبا رافائيل، الأسقف العام لكنائس قطاع وسط القاهرة، الذي أعلن عدم ارتياحه لظاهرة انتشار ألقاب «المرنم» و«المرنمة» عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لديها نظام كنسي معروف لخدمة الترتيل والتسبيح، وأن هناك رتبة كنسية باسم «الإبسالتس» مرتبطة بخدمة الترتيل.

وتزامنت هذه التصريحات مع موسم صوم السيدة العذراء، الذي تتحول خلاله الترانيم والمدايح إلى جزء أساسى من المشهد الروحى داخل الكنائس، فيما شهدت الساحة الإعلامية في الوقت نفسه استمرار حضور أصوات قبطية نسائية، كان من بينها المرنمة يوستينا سمير، التى أذاع التليفزيون المصرى عبر القناة الأولى ترنيمتها «يا مقبّل ع المحرّق يا رايح على الصعيد» ضمن برنامج «من ماسبيرو»، فى أجواء صوم السيدة العذراء.

وبينما يرى البعض أن دعوة الأنبا رافائيل تستهدف إعادة الترتيب والانضباط إلى الخدمة، يرى آخرون أن المشكلة ليست في وجود المرنمين والمرنمات، وإنما في وضع ضوابط واضحة تحافظ على قدسية الكنيسة دون إغلاق الباب أمام المواهب.

 

الأنبا رافائيل: «الإبالتس» هو الرتبة الكنسية للترتيل

تصريحات الأنبا رافائيل أعادت إلى الواجهة مفهوم «الإبصالتس»، وهو مصطلح كنسى مشتق من اليونانية ويعنى المرتل أو المنشد، ويُستخدم فى الكنيسة القبطية للدلالة على رتبة شماسية مرتبطة بخدمة الترتيل، وأوضح أن الإبصالتس يمثل إحدى درجات الشمامسة، وأن خدمته ارتبطت تاريخيًا بترتيل المزامير والألحان الكنسية.

وتعتبر رتبة الإبصالتس ليست ظاهرة حديثة، وإنما لها جذور قديمة في التقليد الكنسي، ووردت إشارات إلى المرتلين ضمن الرتب الكنسية في كتابات تعود إلى القرون المسيحية الأولى، فيما عُرفت داخل الكنيسة القبطية رتبة «أرشي إبصالتيس» أي كبير المرتلين.

ومن هنا جاء موقف الأنبا رافائيل، الذى لا ينظر إلى كلمة «مرنم» باعتبارها مجرد وصف لصاحب صوت جميل، وإنما يرى أن الترتيل داخل الكنيسة يرتبط بخدمة لها تقليدها ونظامها، وبالتالي لا ينبغي أن تتحول الألقاب الكنسية إلى مسميات تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعى دون ضابط.

ولم يتوقف حديثه عند الرجال، إذ تناول أيضًا حضور الفتيات والنساء فى هذا المجال، معربًا عن عدم ارتياحه للطريقة التي تقدم بها بعض المرنمات أنفسهن للجمهور، سواء من خلال تسجيل الألبومات أو نشر المقاطع المصورة أو قيادة الترانيم بالميكروفون داخل الكنائس بالصورة المنتشرة حاليًا.

 

أبناء الكنيسة: الموهبة لا تحتاج إلى إلغاء.. وإنما إلى تنظيم

وفى المقابل، ذكر أحد أبناء الكنيسة لليوم السابع رفض ذكر اسمه أن الحديث عن تنظيم الخدمة لا يعني بالضرورة إغلاق الباب أمام المواهب، معتبرًا أن أصواتًا كثيرة موهوبة قد تجد فى الترانيم وسيلة لخدمة الكنيسة والتعبير عن الإيمان.

ويقول فى تعليقه على تصريحات الأنبا رافائيل: «مفيش نص كتابى ولا كنسي يمنع البنت من الترنيم أو من قيادة الشعب في الترنيم»، مستشهدًا بقصة مريم النبية في سفر الخروج، عندما ورد أنها أخذت الدف وخرجت النساء وراءها، ثم قادتهن في التسبيح.

ويشير سفر الخروج إلى مريم النبية فى الإصحاح الخامس عشر، حيث يذكر أنها أخذت الدف، وخرجت النساء وراءها، ثم قالت: «رنموا للرب فإنه قد تعظم». وتفسر مصادر كنسية هذا النص باعتباره نموذجًا لقيادة مريم للنساء فى التسبيح بعد عبور البحر الأحمر.

وهنا تظهر نقطة مهمة فى النقاش: الاستشهاد بمريم النبية لا يحسم بمفرده طبيعة النظام الكنسي المعاصر، لكنه يكشف أن وجود المرأة في مشهد التسبيح والترنيم ليس أمرًا غريبًا عن الرواية الكتابية.

 

مؤيدون لدعوة الأنبا رافائيل: "الترنيم ذبيحة تسبيح وليس مجرد أداء"

وفى المقابل، أيد حازم زكريا أحد أبناء الكنيسة موقف الأنبا رافائيل، معتبرًا أن تصريحاته تفتح نقاشًا ضروريًا حول مفهوم خدمة المرنم والمرنمة داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وليس مجرد الاعتراض على ظهور أصوات نسائية أو انتشار الترانيم عبر مواقع التواصل الاجتماعى.

ويرى أن ما وصفه بـ«موضة المرنمات البلوجر» يحتاج إلى ضوابط كنسية واضحة، خاصة فيما يتعلق بالمشاركة في نهضات الكنائس وطريقة تقديم المرنمين والمرنمات والأجور التي يحصلون عليها نظير مشاركاتهم.

ويطالب بسرعة وضع قواعد كنسية تنظم هذه الخدمة، داعيًا إلى أن يكون هناك تعريف واضح لطبيعة عمل المرنم أو المرتل داخل الكنيسة، حتى لا تختلط الخدمة الكنسية بالأداء الفني، مؤكدًا أن الترانيم والألحان ليست مجرد فن أو استعراض صوتي، وإنما ترتبط في المفهوم المسيحي بما يسمى "ذبيحة التسبيح".

ويستند هذا الاتجاه إلى المكانة التي احتلها التسبيح في الكتاب المقدس، مستشهدًا بداود النبي الذي وصفه سفر صموئيل الثاني بأنه «مرنم إسرائيل الحلو»، في إشارة إلى ارتباط الترنيم عنده بالصلاة وكلمة الله والشهادة والرجاء في الله، وليس بمجرد جمال الصوت، كما يستشهد أنصار هذا الرأي بما ورد في المزامير من دعوات متكررة إلى التسبيح، ومنها: «أُسبح الرب في حياتي، وأرنم لإلهي ما دمت موجودًا»، وكذلك الدعوة إلى تقديم التسبيح باعتباره ذبيحة حمد.

ويرى أن استعادة هذا المفهوم يمكن أن تساعد في إعادة تعريف وظيفة المرنم داخل الكنيسة، بحيث يكون الهدف الأساسي هو قيادة الجماعة في الصلاة والتسبيح، مع الحفاظ على قدسية المكان والتقاليد الكنسية، دون أن يتحول المرنم إلى «نجم» أو يصبح حضوره مرتبطًا بالشخص أكثر من ارتباطه بالترنيمة والرسالة الروحية.

وفى الوقت نفسه، فإن هذا الرأي لا يطرح إلغاء الترانيم أو منع المواهب، وإنما يطالب بأن تكون هناك «قواعد للعبة» يعرفها الجميع؛ من الكنيسة والآباء الكهنة إلى المرنمين والمرنمات، بما يحدد طبيعة الخدمة وضوابط المشاركة وطريقة الظهور والمحتوى والأجر، إذا كان للمرنم مقابل مادى.

وتكشف هذه الرؤية عن جانب آخر من الجدل الدائر، فبينما يركز بعض أبناء الكنيسة على أن الموهبة لا ينبغي أن تُحاصر، يرى آخرون أن اتساع الظاهرة وانتقالها من الكنيسة إلى مواقع التواصل الاجتماعي يستلزمان تدخلاً تنظيميًا يحفظ للترنيم مكانته الروحية، ويمنع تحوله إلى مجرد محتوى جماهيري أو نشاط فني منفصل عن الإطار الكنسي.

 

"صوتها موهبة".. رأى آخر يطالب بمراجعة الموقف

وتذهب مواطنة مسيحية إلى زاوية مختلفة، إذ تقول فى تعليقها على تصريحات الأنبا رافائيل: «سيدنا كلامك على عيني وراسي، بس في ناس صوتها حلو وكمان ظروفهم المادية تعبانة وهي بتوظف صوتها، وده شيء حلو.. مش أحسن ما تروح تغني وممكن تتضيع؟ أرجوك راجع الكلام ده».

ويكشف هذا الرأى عن بُعد اجتماعي واقتصادي في القضية، فبعض أصحاب الأصوات المميزة يتعاملون مع الترتيل باعتباره موهبة ومجال عمل في الوقت نفسه، خاصة مع تطور صناعة التسجيلات الصوتية وانتشار الاستوديوهات والمنصات الرقمية.

ومن ثم فإن السؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط: هل نمنح لقب «مرنم» أم لا؟، وإنما أيضًا: كيف يمكن التعامل مع الموهبة الفنية عندما تتحول إلى مصدر رزق، وفي الوقت نفسه تظل مرتبطة بمحتوى ديني وروحي؟ 

 

"مين اللي هيحط الكنترول؟".. مطالب بتحويل الدعوة إلى نظام

مواطنة مسيحية أخرى طرحت سؤالًا مباشرًا: «مين اللي هيحط الكنترول يا سيدنا؟»، معتبرة أن مسؤولية ضبط الظاهرة تحتاج إلى آليات واضحة، وليس فقط إلى تصريحات عامة. 

وتقول: «ارجوك أعمل مش بس تتكلم صح.. مهمة الكنترول تخصك»، فى إشارة إلى أن الدعوة إلى التنظيم ينبغى أن تتبعها قواعد محددة يعرفها المرنم والكنيسة والجمهور.

وهذا الطرح يفتح بابًا مهمًا أمام الكنيسة: فإذا كانت هناك حاجة بالفعل إلى تنظيم ظاهرة المرنمين والمرنمات، فهل يكون ذلك من خلال قواعد موحدة؟ وهل تتولى الإيبارشيات أو الآباء الكهنة مسؤولية تطبيقها؟ وهل يتم وضع معايير للكلمات والألحان وطريقة الظهور والملابس والتصوير والنشر؟

 

مواطن كنسى: "الترنيم مش حكر على حد"

وفي الاتجاه نفسه، جاء رأي مواطن كنسى آخر أكثر تفصيلًا، إذ قال: «مع كامل احترامي، فكرة الترنيم مش حكر على حد، وليه أمنع فلانة من الترنيم أو أخليه مقتصر على الشماس؟»

لكنه في الوقت نفسه لا يرفض التنظيم، بل يقترح أن تكون هناك ضوابط داخل الكنيسة، مثل الاهتمام بملابس المرنم باعتباره قدوة، ومراجعة الكلمات والفيديو قبل نشر العمل.

ويطرح صاحب الرأي كذلك سؤالًا حول الفرق بين الخدمة الكنسية والمنتج الفني، موضحًا أن تسجيل أي ترنيمة قد يشارك فيه مؤلف وملحن وموزع ومهندس صوت واستوديو، وكل هؤلاء يقدمون خدمة مقابل أجر، وبالتالي يرى أن حصول المرنم على مقابل مادي لا يعني بالضرورة خروج العمل عن إطاره الروحي، طالما أن الأمر منظم ولا يتحول إلى حفلات تجارية أو استغلال للمحتوى الديني.

كما يتساءل: إذا كان وجود الكورال الذي يضم أولادًا وبنات أمرًا مقبولًا في بعض الكنائس، فلماذا يكون وجود المرنمة المنفردة أمام الشعب محل تحفظ؟

 

"يا مقبّل ع المحرّق".. صوت مرنمة على شاشة التليفزيون المصرى

وسط هذا الجدل، جاءت إذاعة التليفزيون المصري لترنيمة «يا مقبّل ع المحرّق يا رايح على الصعيد» بصوت المرنمة يوستينا سمير، لتضيف مشهدًا آخر إلى النقاش.

فالترنيمة، التي تتناول أجواء زيارة دير السيدة العذراء بالمحرق في أسيوط، ظهرت على شاشة القناة الأولى ضمن برنامج «من ماسبيرو»، بالتزامن مع صوم السيدة العذراء.

وتعكس كلمات الترنيمة ارتباط المديح القبطي بالمكان والذاكرة الشعبية، إذ تتناول رحلة الزائرين إلى مزارات العذراء في الصعيد، وهو ما يمنحها بعدًا يتجاوز مجرد الأداء الغنائي إلى استحضار جزء من التراث الروحي والشعبي المرتبط بالزيارات الكنسية.

وبذلك أصبح المشهد أكثر تعقيدًا: في الوقت الذي تدعو فيه أصوات كنسية إلى تنظيم ظاهرة المرنمين والمرنمات، تستمر أصوات نسائية قبطية في الحضور عبر الإعلام والمنصات المختلفة.

 

هل تتوقف الظاهرة أم تنتقل إلى مرحلة جديدة؟

القضية في النهاية تبدو أكبر من لقب «مرنم» أو «مرنمة». فهي تتعلق بالحد الفاصل بين الخدمة الكنسية والموهبة الفنية، وبين التنظيم والمنع، وبين التقليد الكنسى والتطور الذى فرضته وسائل التواصل الاجتماعى. 

دعوة الأنبا رافائيل قد تجد صدى في عدد من الكنائس، خاصة إذا تبعتها توجيهات رعوية واضحة، وقد تدفع بعض الآباء إلى إعادة النظر في شكل فقرات الترانيم خلال النهضات والاجتماعات، خصوصًا في فترة صوم السيدة العذراء التي تشهد انتشارًا واسعًا للترانيم والمدايح.

لكن من الصعب القول إن الظاهرة ستختفي بمجرد صدور دعوة واحدة، فوجود المرنمين والمرنمات أصبح جزءًا من المشهد القبطي المعاصر، سواء داخل الكنائس أو عبر الإنترنت أو في الإنتاجات الصوتية والمرئية.

والأقرب أن الجدل الحالى قد يقود إلى مرحلة تنظيم جديدة بدلًا من الإلغاء الكامل؛ أى وضع قواعد تحدد من يقدم الترانيم داخل الكنيسة، وكيف يتم اختيار الكلمات والألحان، وما ضوابط الظهور، ومتى يكون العمل خدمة كنسية ومتى يتحول إلى منتج فنى.

وهنا يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستتحول دعوة الأنبا رافائيل إلى قرارات عملية داخل الكنائس خلال الفترة المقبلة، أم يستمر المرنمون والمرنمات في المشهد مع وضع ضوابط جديدة؟

وربما يكون التحدي الحقيقي أمام الكنيسة ليس في إطفاء أصوات الترانيم، وإنما في إيجاد صيغة تحافظ على تقاليدها العريقة، وفي الوقت نفسه تستوعب المواهب الجديدة، خصوصًا أن تاريخ الكنيسة القبطية نفسه يثبت المكانة الكبيرة للمرتلين والألحان في حفظ التراث الكنسي ونقله من جيل إلى جيل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة