الذكاء الاصطناعى يدخل الكنيسة.. من تطوير الخدمة إلى بناء «المطرانية الإلكترونية».. إيبارشية برج العرب تعد كوادر متخصصة للكنيسة الرقمية.. وتدريب الخدام على الأدوات وإطلاق فرق متخصصة للبرمجيات

الخميس، 20 أغسطس 2026 10:00 م
الذكاء الاصطناعى يدخل الكنيسة.. من تطوير الخدمة إلى بناء «المطرانية الإلكترونية».. إيبارشية برج العرب تعد كوادر متخصصة للكنيسة الرقمية.. وتدريب الخدام على الأدوات وإطلاق فرق متخصصة للبرمجيات الكنيسة والذكاء الاصطناعى

كتب: محمد الأحمدى

لم تعد التكنولوجيا تقف على أبواب الكنيسة تنتظر من يفتح لها، بل بدأت تجد طريقها إلى عدد من مجالات العمل الكنسي، من تدريب الخدام وإعداد المحتوى، إلى إدارة البيانات وتطوير التطبيقات والاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي. وبينما يفرض التطور التكنولوجي أسئلة جديدة حول حدود استخدام هذه الأدوات، بدأت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة يمكن توظيفها لخدمة الإنسان وتطوير العمل، شريطة ألا تتحول التكنولوجيا إلى بديل عن الإنسان أو عن رسالته الروحية.

وخلال الفترة الأخيرة، ظهرت أكثر من تجربة كنسية تكشف عن هذا التحول، سواء من خلال تدريب الخدام على أدوات الذكاء الاصطناعي، أو إطلاق فرق متخصصة في البرمجيات والبيانات، وصولًا إلى طرح مفهوم «المطرانية الإلكترونية»، في محاولة لبناء منظومة رقمية أكثر تكاملًا داخل العمل الكنسي.

 

«AI Coptic Day».. الخادم أمام أدوات الذكاء الاصطناعي

في يوليو 2025، استضاف بيت «أولاد الملوك» للمؤتمرات بقرية البرجاية التابعة لإيبارشية المنيا لقاءً حمل عنوان «الكنيسة والذكاء الاصطناعي - AI Coptic Day»، بتنظيم المركز الإعلامي للإيبارشية، وبمشاركة نحو 120 خادمًا وخادمة من أبناء الإيبارشية وإيبارشيات أخرى، إلى جانب عدد من الآباء الكهنة والمكرسات.

لم يكن اللقاء مجرد محاضرات نظرية عن التكنولوجيا، وإنما اتخذ طابعًا تطبيقيًا، حيث تضمن مجموعات وورش عمل، إلى جانب تنفيذ مشروعات عملية باستخدام الأدوات التي جرى تناولها خلال اللقاء.

وجاءت مشاركة الأنبا مكاريوس، أسقف المنيا، لتؤكد أن النقاش الكنسي حول التكنولوجيا لم يعد يدور فقط حول كيفية استخدامها، وإنما أصبح يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن استخدامها دون أن تفقد الخدمة الكنسية طبيعتها الإنسانية والروحية؟

وتحت عنوان «الميديا: ما لها وما عليها»، قدم الأنبا مكاريوس إحدى المحاضرات الرئيسية، بينما تضمن اللقاء فقرات أخرى مرتبطة بالسلامة الرقمية والتطبيقات الحديثة، ومنها فقرة «Safety Minute»، إلى جانب أنشطة تفاعلية مثل «Photo Booth» وتوزيع هدايا رقمية من خلال رموز QR.

وفي ختام اللقاء، جرى توزيع شهادات شكر على المشاركين، مع التأكيد على أهمية التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي داخل إطار روحي وأخلاقي، بحيث تظل التكنولوجيا في خدمة الإنسان والكنيسة، وليس العكس.

 

من تدريب الخادم إلى «المطرانية الإلكترونية»

إذا كان «AI Coptic Day» يمثل نموذجًا لتدريب العنصر البشري على استخدام التكنولوجيا، فإن تجربة إيبارشية برج العرب والعامرية وتوابعها تتحرك في اتجاه آخر أكثر ارتباطًا بالبنية الإدارية والخدمية.

فقد أعلنت الإيبارشية تأسيس «فريق إكليسيا للبرمجيات والذكاء الاصطناعي» من أبناء الإيبارشية، بصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني وتحت إشراف الأنبا مينا، أسقف الإيبارشية، في إطار تنفيذ رؤية لإطلاق مشروع «المطرانية الإلكترونية».

الفكرة هنا لا تتوقف عند إنشاء موقع إلكتروني أو تطبيق للهواتف، وإنما تستهدف بناء منظومة رقمية متكاملة يمكن من خلالها تطوير العمل الإداري والخدمي، وربط الكنائس والإدارات المختلفة التابعة للإيبارشية.

وتكشف هذه الخطوة عن انتقال التكنولوجيا داخل بعض التجارب الكنسية من مرحلة «استخدام الأدوات» إلى مرحلة «إعادة تنظيم العمل» من خلال التكنولوجيا.

 

لماذا تحتاج الكنيسة إلى الذكاء الاصطناعى؟

العمل الكنسي، مثل أي مؤسسة كبيرة، ينتج كميات ضخمة من البيانات والمعلومات بصورة يومية. بيانات الأنشطة، وأسماء المشاركين، والخدمات، والمواعيد، والمؤتمرات، والموارد، والمحتوى التعليمي، وغيرها من التفاصيل التي تحتاج إلى إدارة دقيقة.

وهنا يمكن لأدوات البرمجيات والذكاء الاصطناعي أن تساعد في تنظيم البيانات وتحليلها واستخراج المعلومات، بما يسمح للخادم أو المسؤول باتخاذ قرارات أكثر سرعة ودقة.

لكن الأهم أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر وقتًا وجهدًا في بعض الأعمال الروتينية، وهو ما يتيح للخادم توجيه جزء أكبر من وقته إلى التواصل المباشر مع الإنسان.

فالتكنولوجيا يمكنها أن تساعد في تنظيم جدول اجتماع، أو تحليل بيانات، أو إعداد مسودة لمحتوى، لكنها لا تستطيع أن تحل محل العلاقة الإنسانية التي تقوم عليها الخدمة الكنسية.

 

«إكليسيا».. كوادر متخصصة لبناء الكنيسة الرقمية

أحد أبرز جوانب مشروع «إكليسيا» أنه لا يعتمد فقط على شراء حلول تقنية جاهزة، وإنما يسعى إلى الاستفادة من أبناء الإيبارشية أصحاب الخبرات في المجالات التكنولوجية.

ولهذا فتحت الإيبارشية الباب أمام المتخصصين في هندسة البرمجيات، وتطوير التطبيقات، والواجهات الأمامية والخلفية، فضلًا عن هندسة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة والنماذج اللغوية الكبيرة وعلوم البيانات.

كما شملت التخصصات المطلوبة الحوسبة السحابية، وDevOps، والأمن السيبراني، وتصميم واجهات وتجربة المستخدم، ومعمارية الأنظمة، واختبار البرمجيات، إلى جانب إنترنت الأشياء ومنصات Low-Code/No-Code.

وهذه القائمة الطويلة من التخصصات تعكس حجم الطموح وراء المشروع؛ فالمقصود ليس مجرد حضور شكلي للتكنولوجيا، وإنما محاولة لبناء بنية رقمية يمكنها أن تستوعب احتياجات العمل الكنسي مستقبلًا.

 

الأمن السيبراني.. الوجه الآخر للتحول الرقمي

كلما توسع استخدام التكنولوجيا، زادت الحاجة إلى حماية البيانات.

وهنا يظهر الأمن السيبراني باعتباره جزءًا أساسيًا من أي مشروع للتحول الرقمي داخل المؤسسات، بما فيها المؤسسات الكنسية.

فإذا أصبحت بيانات الخدمات والكنائس والإدارات محفوظة إلكترونيًا، فإن حمايتها من الاختراق أو التسريب تصبح مسؤولية لا تقل أهمية عن تطوير التطبيقات نفسها.

ومن ثم فإن إدراج الأمن السيبراني والحوسبة السحابية ضمن التخصصات المطلوبة في فريق «إكليسيا» يعكس إدراكًا بأن التحول الرقمي لا يعني فقط السرعة وسهولة الوصول إلى المعلومات، وإنما يعني أيضًا حماية هذه المعلومات وإدارتها بصورة آمنة.

 

الكنيسة أمام سؤال أخلاقي جديد

ويبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع الكنيسة الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون أن يتحول إلى بديل عن الإنسان؟

الإجابة التي تطرحها التجارب الكنسية الأخيرة تبدو واضحة في التأكيد على البعد الأخلاقي.

فالذكاء الاصطناعي يمكنه كتابة نص، وتلخيص معلومات، وتحليل بيانات، وإنتاج صور، وترتيب أفكار، لكنه لا يمتلك التجربة الإنسانية التي يحتاج إليها الخادم عندما يجلس مع شخص يمر بأزمة أو أسرة تحتاج إلى الدعم أو شاب يبحث عن إجابة.

ولهذا فإن الاستخدام الكنسي للذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قواعد واضحة تحدد ما يمكن أن تقوم به الآلة وما يجب أن يظل من اختصاص الإنسان.

 

من «الميديا» إلى المستقبل الرقمي

المشهد الحالي يشير إلى أن الكنيسة القبطية أمام مرحلة جديدة في علاقتها بالتكنولوجيا. فالأمر لم يعد مقتصرًا على صفحات التواصل الاجتماعي أو بث القداسات والمحاضرات عبر الإنترنت، وإنما بدأ يمتد إلى التدريب، والبرمجيات، وإدارة البيانات، والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.

وتأتي مشاركة الأنبا ميخائيل، أسقف حلوان والمعصرة، بتكليف من قداسة البابا تواضروس الثاني، في النسخة الأولى من مؤتمر جامعة القاهرة للذكاء الاصطناعي «CU-AI NEXUS2025»، لتضيف بعدًا آخر لهذا النقاش.

فخلال المؤتمر، الذي حمل عنوان «بناء الجسور بين الأوساط الأكاديمية والصناعة»، جرى تخصيص جلسة رئيسية لعرض جهود الكنيسة القبطية وإبراز دورها في صياغة المرجعيات الأخلاقية المرتبطة بالتطور التكنولوجي.

وأشار الأنبا ميخائيل إلى أهمية دعوة الكنيسة للمشاركة في المؤتمر، باعتبارها نموذجًا للتكامل بين المؤسسات الدينية والعلمية في التعامل مع الثورة التكنولوجية، بما يدعم بناء مستقبل أكثر وعيًا وعدلًا ويحقق أثرًا إيجابيًا على التنمية في مصر.

 

التكنولوجيا وسيلة.. والإنسان هو الهدف

وبين لقاء «AI Coptic Day» في المنيا، ومشروع «إكليسيا» في إيبارشية برج العرب والعامرية، والمشاركة الكنسية في مؤتمر جامعة القاهرة للذكاء الاصطناعي، تتشكل ملامح تجربة جديدة في التعامل مع التكنولوجيا.

الكنيسة لا تدخل عالم الذكاء الاصطناعي لمجرد مواكبة الموضة التكنولوجية، وإنما يبدو أن الهدف الأوسع هو البحث عن طرق تجعل الخدمة أكثر تنظيمًا وقدرة على الوصول إلى الإنسان.

وفي النهاية، تظل المعادلة الأساسية هي أن التكنولوجيا مهما تطورت لا يمكن أن تحل محل الإنسان. فالخوارزمية تستطيع معالجة البيانات، والمنصة تستطيع تنظيم المعلومات، والذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج المحتوى، لكن الخدمة في جوهرها تظل علاقة إنسانية وروحية.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الكنيسة في السنوات المقبلة لن يكون في امتلاك التكنولوجيا، وإنما في كيفية استخدامها بحكمة وأخلاق، بحيث تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي خادمة للرسالة، لا بديلًا عن صاحب الرسالة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة