فى الوقت الذى تتصدر فيه شاشات ومنصات محسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية خطاب الهجوم على الدولة المصرية، يظل السؤال الأهم بعيدا عن الكاميرات: من يدفع فاتورة هذه المنظومة؟ ومن يوفر الأموال التي تسمح باستمرار القنوات والمنصات وصناعة المحتوى الموجه ضد مصر؟ إجابة تكشفها تصريحات الباحث في شؤون الحركات المتطرفة ماهر فرغلي، الذي وضع اسم عبد الرحمن أبو دية في صدارة المشهد، باعتباره أحد أبرز الأسماء المرتبطة بتمويل إعلام الجماعة وإدارة جانب من استثماراتها خارج البلاد.
وبحسب ما كشفه "فرغلي" في تصريحات لـ«اليوم السابع»، فإن أبو دية، المعروف باسم «أبو عامر»، فلسطيني الأصل ويحمل الجنسية البريطانية ويقيم في بريطانيا، ويعمل ضمن دائرة تضم أسماء بارزة مرتبطة بالإعلام الإخواني، من بينها عزام التميمي ومحمد جمال هلال، إلى جانب أحمد الشناف، الذي وصفه فرغلي بأنه مدير إعلام الجماعة.
مجلس إدارة في الظل.. الأموال والتوجيه وتوزيع الأدوار
ويصف فرغلي هذه الدائرة بأنها أشبه بـ«مجلس إدارة» يتحكم في مفاصل الإعلام الإخواني، سواء على مستوى التمويل أو التوجيه أو توزيع الأدوار، مؤكدا أن هذه المجموعة تمتلك موارد مالية ضخمة تنفق على المنظومة الإعلامية التي تستهدف تشويه صورة مصر.
ويقول الباحث إن حجم الأموال المتداولة داخل هذه المنظومة يجعل الإعلام الإخواني أقرب إلى مشروع منظم له ميزانيات وأجور وحوافز، وليس مجرد نشاط إعلامي فردي يقوم به أشخاص معارضون للدولة من الخارج.
ويكشف فرغلي عن أرقام لافتة بشأن المقابل المالي لبعض أشكال المحتوى، موضحا أن صانع محتوى على «يوتيوب» يقتصر دوره على إنتاج مقاطع تستهدف تشويه صورة مصر قد يحصل على ما يصل إلى 10 آلاف جنيه شهريا مقابل المقطع الواحد، بينما تتجاوز رواتب بعض الإعلاميين التابعين للجماعة 500 ألف جنيه شهريا.
وبذلك تتحول الأموال إلى وسيلة لاستقطاب عناصر جديدة إلى المنظومة، خصوصا بين الموجودين خارج مصر، حيث تصبح العوائد المالية المرتفعة عاملا جاذبا للاستمرار في إنتاج خطاب يستهدف الدولة المصرية.
أبو دية.. أموال واستثمارات خارج الحدود
ولا يتوقف الدور المنسوب إلى "أبو دية" عند تمويل الإعلام، إذ تشير المعلومات الواردة في تصريحات فرغلي إلى ارتباطه بإدارة جانب من الاستثمارات الإخوانية في الخارج.
وتشمل هذه الاستثمارات مجالات متعددة من بينها العقارات والبورصات وشركات الإنتاج الفني، في إطار شبكة استثمارية عابرة للحدود توفر عوائد مالية يمكن توجيهها إلى أنشطة مختلفة.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن استمرار أي منظومة إعلامية يحتاج إلى موارد مالية ثابتة، خاصة عندما تكون لديها قنوات فضائية ومنصات رقمية وشركات إنتاج ومجموعة كبيرة من العاملين.
وبالتالي، فإن الحديث عن إعلام الجماعة الإرهابية لا يمكن فصله عن الحديث عن مصادر التمويل وآليات إدارة الأموال، إذ إن الشاشة في النهاية ليست سوى الواجهة الأخيرة لسلسلة طويلة تبدأ من المال وتنتهي بالمحتوى الذي يصل إلى الجمهور.
«أبو عامر».. رجل الظل الذي لا يظهر على الشاشة
المفارقة أن الاسم الذي يوصف بأنه موجود في قلب منظومة التمويل لا يحضر في واجهتها الإعلامية.
فبحسب المعلومات الواردة في تصريحات "فرغلي"، يمثل أبو دية شخصية شديدة الغموض، ولا تتداول له صور، كما أن اسمه لا يظهر بشكل واضح في المنصات التابعة للجماعة، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يؤديه بعيدا عن الكاميرات.
وهذه الطريقة في إدارة الملفات الحساسة من خلف الستار تتناسب مع طبيعة العمل داخل التنظيمات المغلقة، حيث تختلف الأدوار بين من يظهر أمام الجمهور ومن يتولى إدارة الموارد والملفات الأكثر حساسية بعيدا عن الأضواء.
فالإعلامي يظهر على الشاشة، وصانع المحتوى يكتب وينتج، والقناة تبث، لكن خلف كل ذلك توجد منظومة تحتاج إلى تمويل وإدارة وتوزيع موارد.
بعد 30 يونيو.. إعادة ترتيب ماكينة الإعلام
وتشير المعلومات إلى أن "أبو دية" تولى عقب 30 يونيو 2013 ملف الإعلام، إلى جانب الإشراف على نقل وإعادة توطين عناصر وقيادات من التنظيم خارج مصر.
وقد شهدت تلك المرحلة عملية إعادة هيكلة لمنظومة الإعلام الإخواني، سواء على مستوى الأدوات أو الرسائل أو طرق التمويل، مع التوسع في القنوات الفضائية والمنصات الرقمية.
ومع انتقال جزء كبير من المعركة إلى الفضاء الإلكتروني، لم تعد القناة الفضائية وحدها هي الأداة الرئيسية، وإنما ظهرت منظومة أوسع تضم المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي وقنوات «يوتيوب» وصناع المحتوى، بما يسمح بإعادة تدوير الرسالة ذاتها عبر عشرات المنصات.
وهنا يتحول التمويل إلى عنصر حاسم، لأنه يسمح بتوسيع دائرة الإنتاج وتكرار الرسائل واستمرار المنصات حتى مع تغير الأشخاص والواجهات.
من الاستثمار إلى المحتوى.. كيف تعمل ماكينة التشويه
الصورة التي تكشفها هذه المعطيات لا تتعلق بشخص واحد بقدر ما تتعلق بمنظومة متكاملة، تتمثل في استثمارات توفر عوائد، وأموال توجه إلى الإعلام، وشركات إنتاج تنتج المحتوى، وقنوات ومنصات تتولى البث والنشر، ثم صناع محتوى يعيدون تقديم الرسائل نفسها في صورة مقاطع قصيرة ومنشورات تستهدف الوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور.
وبهذا الشكل، يصبح المحتوى المعادي للدولة المصرية منتجا له تكلفة وتمويل وسوق إعلامية كاملة، وليس مجرد تعبير عابر على منصات التواصل الاجتماعي.
وتكمن خطورة هذه المنظومة، في أنها لا تعتمد على استمرار قناة واحدة أو إعلامي واحد، وإنما على شبكة متعددة الأدوات تستطيع إعادة إنتاج خطابها حتى مع سقوط إحدى الواجهات أو توقف إحدى المنصات.
إعلام الجماعة.. الواجهة الظاهرة والشبكة الخفية
تتبع اسم عبد الرحمن أبو دية، يفتح الباب أمام النظر إلى إعلام الإخوان باعتباره منظومة مالية وإعلامية مترابطة، تتداخل فيها الاستثمارات مع الإنتاج الإعلامي، وتعمل فيها أسماء بعيدة عن الكاميرات إلى جانب أسماء تظهر يوميا أمام الجمهور.
فخلف كل شاشة قد توجد قصة تمويل، وخلف كل منصة قد توجد شبكة إنتاج، وخلف المحتوى الموجه قد توجد منظومة كاملة من الأموال والإدارة والتوزيع، ويظهر عبد الرحمن أبو دية كأحد أبرز رجال الظل في هذه المنظومة، بعيدا عن الأضواء التي تلاحق العاملين أمام الكاميرات.