أصيب محمد على باشا بمرض «الدوسنتاريا الحادة»، فتوجه إلى مالطا لدخول الحجر الصحى، حسبما يذكر «نوبار باشا» وزيره ومستشاره وسكرتير ابنه ابراهيم باشا فى مذكراته، مضيفا أنه كان يرافق إبراهيم فى رحلته لمدينتى بيزا وفلورنسا بإيطاليا منذ أكتوبر 1847، وأثناء ذلك تلقوا خبر مرض الباشا الكبير.
يكشف نوبار: «كنا نستعد للتوجه إلى نابولى لنبحر إلى الإسكندرية، عندما علمنا نبأ إصابة محمد على بالدوسنتاريا الحادة، وترك مصر إلى جزيرة مالطا للمثول فى الحجر الصحى، وأضافت الأنباء أنه مع استفحال المرض لجأ الأطباء لدواء بطولى عبارة عن محلول نترات الفضة والتى نجحت فى وقف المرض، لكنها نالت من قدراته العقلية».
يتحدث نوبار عن حالة إبراهيم حين تلقى خبر مرض والده، قائلا: «بعد رفع الحجر الصحى رجع محمد على إلى نابولى سنة 1848، كانت نظرات إبراهيم لوالده كلها قلق وحيرة»، ويضيف: «لم يكن من الممكن أن أقول: إن محمد على فقد عقله تماما لأنه فى لحظات ما، كان يدرك تماما الحالة التى هو عليها، ويراقب نفسه فما أن يشعر بأنه سيدخل فى نوبة هذيان يختلى بنفسه فى عزلة تامة محاولا بكل قوة أن يستعيد تسلسل أفكاره، وسواء كان يستطيع هذا أو لا، إلا أن هيئته ومظهره لم يتغيرا، كان على ما هو عليه منذ أن عرفته محتفظا بهيبته الكبيرة، وبالقدرة الفائقة على أن يظل أنيقا ونظيفا إلى حد التبلور داخل هذه الأناقة والنظافة، كانت عيناه دائما متيقظتين ونشطتين، يجلس وركبتاه نصف مثبتين، ودائما خنجره فى متناول يده، كل التناقض بين هذا وبين حال ابنه إبراهيم الواقف أمامه محنى الرأس، يداه مضمومتان إلى صدره دليل الطاعة والاحترام، يرتدى معطفا قبيحا فى انتظار أمر أوكلمة من والده وهو ينظر إليه خلسة متسائلا، إن كان مرض والده هذا حقيقيا أم مصطنعا؟».
يكشف «نوبار»: «بعد العودة بدأت المشكلات، فلم يكن فى استطاعتنا إعلان جنون محمد على، ولا الاعتراف بسلامة قواه العقلية، لذلك قررنا عدم تغيير أى شىء فى سير الأمور من الناحية الشكلية، ولجأ النظار ورؤساء الإدارات إلى إبراهيم لتلقى الأوامر أوعرض مقترحاتهم، ورفض إبراهيم تكوين مجلس وصاية برئاسته، ورفض قبول منصب الحاكم العام دون ولاية، وفى 13 يونيو 1848 صدر فرمان عثمانى بمنحه الولاية فى حياة أبيه».
فى 10 نوفمبر 1848 توفى إبراهيم فى حياة والده، ويكشف نوبار: «عندما أخبروا محمد على بوفاة ابنه، رد: كنت أعرف لقد حبسنى، كان قاسيا معى، كما كان مع الجميع، لقد عاقبه الله وأماته، لكنى أجد نفسى لكونى أباه من الواجب على أن أترحم عليه، وعاش محمد على بعد هذه الكلمات تطارده دون هوادة فكرة أنه ما زال محبوسا»، ويضيف نوبار: «كنت فى سراية شبرا يوم 28 نوفمبر 1848 حين أتاه حفيده «عباس» ليقبل يده قبل سفره إلى القسطنطينية للحصول على فرمان الولاية، فقال له الجد: لقد لعنت إبراهيم، لأنه حبسنى ولذا قبض الله روحه، فلا تتصرف نحوى مثله، إذا كنت تريد ألا ألعنك أنت أيضا، فطمأنه عباس وقبل يده مرة أخرى قائلا: «أنت سيدنا وستظل كذلك دائما».
يضيف «نوبار»: «بعد وفاة إبراهيم كان أبوه كلما أفاق من غفلته الذهنية المستمرة يطوف شوارع القاهرة فى حراسة مماليكه وسط جموع الناس التى تنظر إليه باحترام، ويرون فيه أحد المجاذيب، وبدأت صحوته تتلاشى شيئا فشيئا»، حتى توفى بالإسكندرية فى 2 أغسطس، مثل هذا اليوم، 1849 ونقل إلى القاهرة، وفى 4 أغسطس وضع نعشه بمسجد القلعة الكبير حيث حدد هو قبره.
يذكر الدكتور محمد صبرى السوربونى فى كتابه «الإمبراطورية المصرية فى عهد محمد على والمسألة الشرقية»، أن القنصل الفرنسى كتب تقريرا فى 5 أغسطس 1949 جاء فيه: «فور انتشار شائعة وفاة محمد على فى الإسكندرية أغلقت المحال التجارية والوكالات تلقائيا ودون اتفاق مسبق، خصوصا فى الحى الإفرنجى، ونكست كل القنصليات راياتها، وسار كل سكان الإسكندرية خلف نعشه، وبدت مظاهر الحزن والحداد الجماعى مصاحبة للجنازة، فى النوافذ وعلى أبواب البيوت وجميع الشوارع».
وفى القاهرة، يؤكد نوبار أنه لم يكن فى مصر، لكنه عرف أن مشاعر الحزن كانت عميقة، واصطحب السكان جميعا موكبه الجنائزى المهيب إلى المسجد، لكن الدكتورة عفاف لطفى السيد تذكر العكس، قائلة فى كتابها «مصر فى عهد محمد على»: وصف موراى، القنصل البريطانى، مراسم الجنازة التى استقبلها عند بولاق كل أعضاء الأسرة الأحياء، باستثناء الوالى الجديد عباس باشا، كان حفل الجنازة عملية هزيلة تعيسة للغاية، لم تدع الهيئة القنصلية للحضور، ولم تغلق الحوانيت أو المكاتب الرسمية، وساد انطباع عام بأن عباس باشا أبدى لذكرى جده الجليل عدم احترام، بأن سمح لموكب جنازته أن يكون على هذه الصورة الحقيرة، وتعمد أن يتخلف عن حضور الموكب بشخصه».