10 ملايين نسمة تصنع مليارات.. كيف تحولت البرتغال إلى مصنع نجوم العالم؟

الأحد، 02 أغسطس 2026 05:00 ص
10 ملايين نسمة تصنع مليارات.. كيف تحولت البرتغال إلى مصنع نجوم العالم؟ البرتغال مصنع نجوم العالم

حازم صلاح الدين

لم تمتلك البرتغال قوة اقتصادية تنافس إنجلترا أو إسبانيا، ولم تعتمد أنديتها على ملاك مليارديرات قادرين على ضخ الأموال بلا حدود، لكنها نجحت في تغيير قواعد اللعبة بالكامل مع عالم الساحرة المستديرة.

 

كيف أصبحت البرتغال أكبر مصنع للمواهب الكروية؟

وفقًا لتقرير مطول نشرته شبكة "Tribuna" حول اقتصاد كرة القدم البرتغالية، تحولت أندية مثل بنفيكا وبورتو وسبورتينج لشبونة إلى نماذج استثمارية فريدة، تعتمد على اكتشاف المواهب وتطويرها ثم بيعها بمبالغ ضخمة، لتصبح الدولة التي لا يتجاوز عدد سكانها 10 ملايين نسمة واحدة من أكثر الأسواق ربحية في كرة القدم العالمية.

وأضافت التقرير، "بدلًا من محاولة منافسة عمالقة أوروبا فى سوق الإنفاق، قررت الأندية البرتغالية بناء نموذج مختلف قائم على صناعة المواهب وتصدير النجوم، لتتحول إلى ما يشبه مصانع كروية متطورة، تكتشف اللاعبين بأسعار منخفضة، تطور قدراتهم، ثم تبيعهم لدوريات أغنى بثروات طائلة".

باتت أندية مثل بنفيكا وبورتو وسبورتينج لشبونة مثالًا عالميًا على كيفية تحويل تطوير اللاعبين إلى صناعة اقتصادية متكاملة، تجمع بين قوة الأكاديميات، ذكاء سوق الانتقالات، والاستفادة من الموقع الثقافي والقانوني للبرتغال في استقطاب المواهب من مختلف أنحاء العالم.

 

الدوري البرتغالي.. سوق صغير لكنه يصنع ثروات ضخمة

في عالم كرة القدم الحديثة، تأتي أغلب الإيرادات الكبرى من حقوق البث التلفزيوني، الرعاية التجارية، ومبيعات التذاكر، وهي المجالات التي تهيمن عليها الدوريات الأوروبية الكبرى مثل الدوري الإنجليزي والإسباني والألماني.

لكن الدوري البرتغالي الممتاز يسير في طريق مختلف تمامًا، فمع محدودية عائداته مقارنة بكبار أوروبا، اضطرت الأندية البرتغالية إلى ابتكار نموذج اقتصادي يعتمد على سوق انتقالات اللاعبين كمصدر رئيسي للدخل.

لا تتجاوز إيرادات الدوري البرتغالي الممتاز مجتمعة نحو 407 ملايين يورو سنويًا، وهو رقم يعادل نسبة محدودة مقارنة بعائدات الدوري الإنجليزي الممتاز، ما جعل أندية مثل بنفيكا وبورتو وسبورتينج مطالبة بإيجاد حلول مبتكرة للبقاء في دائرة المنافسة.

كان الحل هو التحول من أندية تبحث عن شراء النجوم إلى مؤسسات تصنع النجوم.

البرتغال
البرتغال

 

البرتغال تتفوق فى تجارة اللاعبين على كبار العالم

تكشف الأرقام حجم النجاح الذي حققته الأندية البرتغالية في سوق الانتقالات، حيث نجحت خلال العقد الأخير في تحقيق فائض من صفقات البيع بلغ نحو 2.34 مليار يورو.

هذا الرقم وضع الدوري البرتغالي في صدارة قائمة أكبر مصدري اللاعبين عالميًا، متفوقًا على أسواق تقليدية مثل البرازيل والأرجنتين، وكذلك على مراكز أوروبية شهيرة في تطوير المواهب مثل الدوري الهولندي.

على الجانب الآخر، أنفقت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز أكثر من 25 مليار يورو على صفقات اللاعبين خلال الفترة نفسها، مع عجز ضخم في ميزان الانتقالات تجاوز 11.5 مليار يورو.

هنا ظهر الدور البرتغالي بوضوح، إذ أصبحت أنديتها المورد الأساسي للمواهب الجاهزة للأندية الأغنى، بعدما تحملت هي مرحلة المخاطرة والتطوير.

 

بنفيكا.. ماكينة أرباح لا تتوقف من سوق الانتقالات

يُعد بنفيكا النموذج الأبرز لنجاح التجربة البرتغالية، بعدما تحول إلى أحد أكثر الأندية تحقيقًا للأرباح من بيع اللاعبين في العالم.

وحقق النادي أرباحًا صافية من سوق الانتقالات بلغت نحو 816 مليون يورو خلال عقد واحد، متفوقًا على العديد من الأكاديميات الشهيرة مثل أياكس الهولندي.

من أبرز الصفقات التي صنعت ثروة بنفيكا:

جواو فيليكس: انتقل إلى أتلتيكو مدريد مقابل 127 مليون يورو.

روبن دياز: رحل إلى مانشستر سيتي مقابل 80 مليون يورو.

جونزالو راموس: انتقل إلى باريس سان جيرمان مقابل 65 مليون يورو.

الميزة الأكبر أن بنفيكا لم يدفع مبالغ ضخمة للحصول على هذه المواهب، بل قام بتطويرها داخل منظومته، ما جعل عوائد البيع تحقق أرباحًا هائلة.

 

البرازيل.. المنجم الأكبر للمواهب البرتغالية

تمتلك البرتغال ميزة تاريخية وثقافية لا تتوفر للكثير من الدول الأوروبية، وهي العلاقة القوية مع البرازيل، سواء من ناحية اللغة أو الثقافة أو أسلوب الحياة.

يمثل اللاعبون البرازيليون نحو 18% من إجمالي لاعبي الدوري البرتغالي الممتاز، حيث يجد القادمون من أمريكا الجنوبية بيئة مثالية للتأقلم مع كرة القدم الأوروبية.

بين عامي 2015 و2022، تعاقدت الأندية البرتغالية مع 52 لاعبًا برازيليًا مقابل 145 مليون يورو، قبل أن تبيع 32 منهم لاحقًا بمبالغ تجاوزت 320 مليون يورو.

هكذا تحولت عملية استقدام اللاعبين الشباب من البرازيل إلى مشروع استثماري طويل الأجل.

منتخب البرتغال
منتخب البرتغال

 

لماذا تدفع الأندية الكبرى عشرات الملايين للاعبين البرتغال؟

السبب الرئيسي أن الأندية البرتغالية تتحمل المخاطرة التي لا ترغب الأندية الكبرى في تحملها.

التعاقد مع لاعب شاب من أمريكا الجنوبية مباشرة يمثل مقامرة كبيرة، بسبب احتمالية فشله في التأقلم مع الأجواء الأوروبية.

أما الأندية البرتغالية فتقوم بشراء اللاعب بسعر منخفض، ثم تمنحه الوقت للتطور داخل منظومة أوروبية قوية، وتختبر قدراته في البطولات المحلية والقارية.

وعندما يظهر اللاعب في دوري أبطال أوروبا أو يثبت جاهزيته، يصبح هدفًا للأندية الكبرى التي تدفع مبالغ ضخمة للحصول على لاعب أثبت نفسه بالفعل.

 

أكاديميات البرتغال.. معامل لصناعة النجوم

لا يعتمد النموذج البرتغالي على شراء المواهب فقط، بل يمتلك جانبًا آخر أكثر أهمية، وهو تطوير اللاعبين داخل الأكاديميات.

ويأتي بنفيكا في مقدمة هذه الأندية، حيث حققت أكاديميته خلال العقد الماضي إيرادات وصلت إلى نحو 589 مليون يورو من بيع اللاعبين المحليين.

ومن أبرز خريجي النادي:

جواو فيليكس.

روبن دياز.

جونسالو راموس.

يستثمر بنفيكا ملايين اليوروهات سنويًا في مركز التدريب الخاص به في "سيكسال"، مع الاعتماد على التكنولوجيا والعلوم الحديثة لتحليل أداء اللاعبين وتطوير قدراتهم الذهنية والبدنية.

 

قانون الهجرة.. السلاح السري خلف نجاح البرتغال

لا يرتبط تفوق البرتغال فقط بجودة الكشافين والمدربين، بل يستفيد أيضًا من نظام قانوني يمنح الأندية مرونة كبيرة في التعاقد مع اللاعبين من خارج الاتحاد الأوروبي.

على عكس بعض الدول الأوروبية التي تفرض شروطًا مالية معقدة على ضم المواهب الأجنبية، تستطيع الأندية البرتغالية استقدام اللاعبين الشباب بتكاليف أقل، وتجربتهم داخل منظومتها.

وهذا الأمر منحها قدرة كبيرة على اكتشاف المواهب من البرازيل وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وتحويلهم لاحقًا إلى نجوم عالميين.

كريستيانو رونالدو
كريستيانو رونالدو

 

بورتو وسبورتينج.. شركاء في صناعة الموهبة وكريستيانو النموذج الأكبر

لم يكن بنفيكا وحده في هذا المشروع، حيث نجح بورتو وسبورتينج لشبونة أيضًا في بناء نماذج قوية لصناعة اللاعبين.

بورتو اشتهر باكتشاف المواهب الكولومبية، حيث ضم أسماء مثل:

راداميل فالكاو.

خاميس رودريجيز.

لويس دياز.

أما سبورتينج فظل واحدًا من أشهر الأندية عالميًا في إنتاج اللاعبين، بعدما خرج من أكاديميته نجوم كبار مثل كريستيانو رونالدو، الذي يعد أبرز نماذج النحاج الضخم في التجربة البرتغالية.

 

هل يهدد المال العالمي النموذج البرتغالي؟

رغم النجاح الكبير، تواجه التجربة البرتغالية تحديات جديدة، أبرزها دخول مجموعات استثمارية عالمية تسعى لبناء شبكات أندية خاصة بها لتطوير اللاعبين والاستغناء عن الوسطاء.

وتحاول الأندية البرتغالية مواجهة هذا التحدي من خلال التوسع عالميًا وإنشاء أكاديميات خارج البلاد للوصول إلى المواهب مبكرًا.

المنتخب البرتغالي
المنتخب البرتغالي

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة