لم تعد المواجهة بين الاتحاد الأوروبي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتصرة على الخلافات التجارية التقليدية، بل تحولت إلى صراع وجودي حول المستقبل الرقمي لأوروبا. ففي وقت تلوح فيه واشنطن بتحقيقات تجارية ورسوم جمركية انتقامية، تسارع بروكسل إلى بناء "سيادتها الرقمية" لتقليص الاعتماد على عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين، في معركة قد تعيد رسم العلاقات عبر الأطلسي لعقود قادمة.
جبهة الرسوم الجمركية: تهديدات ترامب وردود أوروبا الصارمة
في يوليو 2026، أعلن ترامب عن فتح تحقيق بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأمريكي ضد الاتحاد الأوروبي، متهماً إياه بـ"نهب" الشركات الأمريكية من خلال فرض غرامات تنظيمية بمليارات الدولارات على عمالقة التكنولوجيا. وجاء هذا الإعلان بعد ساعات من تغريم المفوضية الأوروبية لشركة جوجل مبلغ 890 مليون يورو (نحو مليار دولار) بتهمة خرق قانون الأسواق الرقمية.
وكتب ترامب على منصته "تروث سوشيال": "الولايات المتحدة ليست بنكاً أصبعياً لأوروبا، ولن نسمح بذلك! سنبدأ فوراً تحقيقاً في ممارسة نهب الشركات الأمريكية ودافعي الضرائب الأمريكيين. سيدفع الاتحاد الأوروبي ثمناً باهظاً لهذا السلوك غير القانوني وغير الأخلاقي".
لكن رد فعل بروكسل كان صارماً وحاسماً. وأكد توماس رينيه، المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، أن "الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء لديهم الحق السيادي في تنظيم أي نشاط اقتصادي على أراضيهم"، محذراً من أن أي إجراءات أمريكية أحادية ستقابل برد "سريع وحازم". وأضاف رينيه أن القوانين الأوروبية تنطبق بشكل عادل وغير تمييزي على جميع الشركات بغض النظر عن جنسيتها، مشيراً إلى تمسك أوروبا بحلول عالمية لفرض ضرائب على الاقتصاد الرقمي.
جبهة السيادة الرقمية: حزمة تشريعية طموحة
في يونيو 2026، كشفت المفوضية الأوروبية عن حزمة تشريعية طموحة للسيادة التكنولوجية، تهدف إلى كسبان اعتماد أوروبا على التكنولوجيا الأمريكية التي تهيمن على نحو 70% من سوق الحوسبة السحابية في القارة. وتتضمن الحزمة ثلاثة قوانين رئيسية:
1. قانون تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي: لإنشاء تصنيف لمقدمي الخدمات السحابية في القطاع العام، مع حجز العمليات الأكثر حساسية (الأمن القومي وإنفاذ القانون) لمقدمين أوروبيين يحققون أعلى معايير السيادة.
2. مراجعة قانون الرقائق: لتعزيز أمن توريد أشباه الموصلات وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين.
3. تعزيز البرمجيات مفتوحة المصدر: لتشجيع المؤسسات العامة على استخدام حلول برمجية تمنحها سيطرة ومرونة أكبر.
وتعكس هذه الحزمة إدراكاً متأخراً لكنه حاسم بأن الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية لم يعد مجرد مشكلة اقتصادية، بل تهديداً مباشراً لاستقلال القارة وأمنها، خاصة في ظل عودة ترامب التي كشفت هشاشة هذا الاعتماد. وقد برزت هذه الهشاشة بوضوح عندما فرضت واشنطن عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، مما أدى إلى تجميد بطاقاتهم الائتمانية الصادرة عن شركات أمريكية بين عشية وضحاها، كمثال صارخ على ما يسمى بـ"مفتاح القتل" التكنولوجي الذي قد تستخدمه واشنطن.
المواجهة قادمة: ملامح حرب شاملة
يمثل قانون الأسواق الرقمية وقانون الخدمات الرقمية، إلى جانب حزمة السيادة الجديدة، محوراً رئيسياً في المواجهة. وترى واشنطن أن هذه القوانين تمييزية وتستهدف الشركات الأمريكية عمداً، بينما تصر بروكسل على أنها مصممة لحماية المنافسة والمستهلكين.
وحاولت المفوضية تهدئة المخاوف الأمريكية، مؤكدة على حوار تقني مستمر حول الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والرقائق، لكن الموقفين يبدوان متصلبين. ومع استمرار ترامب في التلويح بتحقيقات ورسوم جمركية جديدة، تبقى أوروبا عازمة على المضيّ قدماً في خطتها للسيادة الرقمية، مدركة أن التبعية لم تعد خياراً، وأن ثمن الاستقلال سيكون باهظاً، لكن ثمن الاستمرار في التبعية قد يكون أعظم.