تاريخيا ومنذ بداية عصر الأسرات على وجه التحديد، وحتى كتابة هذه السطور، لم يكتمل مشروع وطنى واحد، ومع كل مشروع يدفع بالبلاد خطوات للأمام، ينزعج أعداء الخارج، وخونة الداخل، ويقررون بذل جهود مضنية لإحباطه وإفشاله، وإعادة مصر إلى المربع رقم صفر، لتستمر فى التراجع والتخلف عن ركب الحداثة والتقدم والازدهار، وكأنها إشكالية «سيزيفية» عبثية، تبدأ ثم ما إن تصل للقمة، حتى تسقط وتعود للبدايات الأولى من جديد، وتصفير العداد!
والبداية كانت مع انهيار المشروع الوطنى فيما يطلق عليه الدولة القديمة، وأعقبتها حالة من الانهيار المخيف، يطلق عليه «عصر الانتقال الأول» رزحت فيه مصر تحت وطأة الفوضى العبثية عقودا طويلة، انهار فيها كل شىء، ويقدرها مؤرخون وباحثون بـ150 سنة.
ثم كانت الدولة الوسطى، والتى عاد فيها الأمن والأمان، ودُشن المشروع الوطنى، وبدأت البلاد تخطو خطوات حثيثة نحو تقدم أزعج أعداء الخارج وخونة الداخل، فانهارت البلاد، وعادت للمربع رقم صفر، وعاشت مصر حالة فوضى عقودا، فيما أُطلق عليه «عصر الانتقال الثانى» كانت نتيجته احتلال الهكسوس للبلاد.
ثم كان المشروع الوطنى الأهم فى التاريخ المصرى القديم، والذى بزغ مع تدشين الدولة الحديثة، والتى سطرت فيها مصر مجدا تاريخيا فى كل المجالات، وصارت إمبراطورية كبرى، لكن - كالعادة - لم يكتمل المشروع وانهار مخلفا كوارث للبلاد، ما مكن الأعداء من زيادة مطامعهم، وبالفعل وقعت مصر تحت نير الاحتلال من الجنوب والشمال والشرق والغرب، وتعاقب الفرس ثم البطالمة ومن بعدها الرومان، على احتلالها.
واستمرت مصر دون مشروع وطنى حقيقى، قرونا طويلة، حتى جاء محمد على، والذى قرر إعادة «فرمتة مصر» وإنقاذها من دوامة الظلام والتخلف الذى عاشته قرونا طويلة، ودشن محمد على، مشروعه ونجح فى تأسيس جيش قوى، وساد العمران على كل شبر من البلاد، ما أزعج أوروبا، فكان القرار بضرورة تحجيم هذا المشروع، ووضع خطة إيقاعه فى المصيدة، ونجحت خطة الأعداء بتدمير المشروع الوطنى.
ثم توالت المشاريع الوطنية، من بينها مشروع أحمد عرابى، والذى دُفن قبل أن يرى النور، ثم مشروع سعد زغلول، الاستقلالى، ضُرب أيضا فى المهد، ثم كان المشروع الوطنى واضح المعالم، وبدأ تنفيذه، فى عهد جمال عبدالناصر، ويمكن لك أن تختلف أو تتفق مع حقبة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، لكن لا يمكن أن تنكر مشروعه الوطنى الحالم بوضع مصر بين الكبار، وكانت للأعداء كلمة الفصل فى الإيقاع به وبمشروعه فى شراك الحروب المدبرة، وكسر شوكته والقضاء على مشروعه ذى الملامح الواضحة نحو التقدم والازدهار واستقلال القرار، ونجحوا فى ذلك!
وبعد غيبوبة قاتلة، اقتربت من 6 عقود كاملة، ظهر فى 2014 مشروع وطنى كامل وواضح المعالم، بعد وصول الرئيس عبدالفتاح السيسى، إلى سدة الحكم، قوامه «فرمتة» مصر، ونفض تراب الإهمال عن كاهلها، وتقطيع خيوط العنكبوت التى أُسدلت على مؤسساتها، وكان إنذارا قويا ونهائيا على مدى ما وصلت إليه مصر من انهيار فى كل القطاعات بفعل الإهمال وغياب الإرادة السياسية، وتكلس الرؤية، وغياب الأمن والاستقرار بفعل 25 يناير، وما صاحبها من انهيار اقتصادى.
ورغم أن المشروع الوطنى المصرى الحالى، يسير بقوة إرادة فولاذية من القيادة السياسية، وما يواجهه من مخاطر تسونامى تمر به المنطقة، لم يسبق له مثيل، واشتعال النيران فى شتى الاتجاهات الاستراتيجية للبلاد، إلا أنه ومع اقتراب الانتهاء منه 2030 أى بعد 4 سنوات، فإن هناك مخططات جهنمية تحاك منذ سنوات، وستتصاعد بشكل كبير فى السنوات الأربع المقبلة، لإحباط ووأد المشروع الوطنى المصرى، وعدم اكتماله.
مخططات تحاك فى الخارج، وتنفذه جماعات وتنظيمات وقحة، أبرزها جماعة الإخوان التى تُصعّد بشكل مستعر، لإثارة البلبلة والقلاقل ونشر الشائعات والأكاذيب، موظفة المنصات الرقمية توظيفا صاخبا.
وبتكبير الصورة، تجد الدولة المصرية قد بدأت منذ سنوات فى بناء شبكة هائلة من المشروعات والبنية الأساسية والمناطق العمرانية والصناعية والزراعية واللوجستية، وهى الآن تقترب من اللحظة التى يتحول فيها جزء كبير من هذا الإنفاق والعمل المتراكم إلى طاقة إنتاج وتشغيل وعائد اقتصادى واجتماعى.
ومن هنا تحديدا تكمن حساسية السنوات الأربع المقبلة، وصولا إلى 2030 فهذه ليست سنوات عادية من عمر الوطن، وإنما فترة يمكن أن تتشابك فيها نتائج مشروعات بدأت قبل سنوات مع إصلاحات اقتصادية ومالية جذرية، وتحولات فى الصناعة والطاقة والنقل والزراعة والتجارة، بما يجعل الحكم على التجربة المصرية أكثر ارتباطا بالنتائج المتراكمة وليس بالانطباعات اللحظية، أو اليومية.
فعلى سبيل المثال، منطقة قناة السويس بمفردها تقدم صورة واضحة وشديدة الدلالة، فبحسب بينات رسمية، شهدة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس فى الفترة ما بين يوليو 2022 وفبراير 2026 تنفيذ 378 مشروعا فى قطاعات الصناعة والخدمات واللوجستيات، وفرت أكثر من 138 ألف فرصة عمل، إلى جانب مشروعات تطوير الموانئ، وهذه ليست مجرد أرصفة ومصانع على الخريطة، وإنما محاولة لتحويل الموقع الجغرافى المصرى من ميزة جغرافية ساكنة إلى منظومة إنتاج وتجارة ولوجستيات مرتبطة بالأسواق العالمية، ارتباطا وثيقا.
وفى الوقت ذاته، فإن شبكة النقل الحديثة التى تُنفذ لا يمكن لمنصف أن ينظر إليها باعتبارها مجرد طرق وكبارى، لأن الرؤية الرسمية تضع الطرق والسكك الحديدية والممرات اللوجستية وخطوط الربط مع أفريقيا ضمن مشروع أوسع لتحويل مصر إلى مركز للتجارة والخدمات اللوجستية، مع توسع متزامن فى شبكة القطارات الكهربائية السريعة والمناطق الصناعية، ما يعنى أن الدولة لا تبنى فقط لكى تنتقل السيارات أسرع، وإنما لكى تتحرك السلع ورؤوس الأموال والعمالة والاستثمارات بصورة أكثر كفاءة.
الفكرة ذاتها، تتكرر فى العمران، فمدن الجيل الرابع والمدن الجيدة الممتدة فى مختلف المحافظات، يهدف إعادة إلى توزيع النشاط العمرانى والاقتصادى، وخلق مراكز جديدة للإدارة والاستثمار والسكن والخدمات.
أما المعادلة الأكثر ارتباطا بالأمن القومى، فتتمثل فى المشروعات الزراعية والغذاء ولذلك يأتى مشروع مستقبل مصر للتنمية المستدامة ليحقق قفزة فى التوسع فى الاستصلاح والتصنيع الزراعى والتخزين وسلاسل التبريد والطاقة المتجددة، مع استهداف إضافة مساحات جديدة للرقعة الزراعية خلال السنوات المقبلة، ومن ثم يصبح المشروع الوطنى أوسع من مجرد زيادة عدد الأفدنة، لأنه يتعلق بتقليل فجوة الغذاء، ورفع القدرة على التصنيع والتصدير، وتقليل الضغط على العملة الأجنبية.
كل هذه الإنجازات - هناك مشروعات أضعاف مضاعفة عن التى ذكرناها - تعد لب الاقتصاد، وكيف انعكست على المؤشرات الحالية بالإيجاب، فصندوق النقد الدولى يتوقع نمو الاقتصاد المصرى بنسبة 4.6 بالمئة فى 2026، كما يشير فى تقييمه الأحدث إلى تحسن الاستقرار الاقتصادى وتراجع التضخم تدريجيا وتحسن الوضع الخارجى، مع توقع وصول النمو إلى مستويات أعلى على المدى المتوسط إذا استمرت الإصلاحات.
تأسيسا على ذلك، ووفقا للقواعد التاريخية الراسخة، فإن أى دولة تمر بمرحلة تحول بهذا الحجم تصبح أكثر عرضة لموجات التشكيك والاستقطاب والمعلومات المضللة، تدار من غرف مغلقة، ولذلك فإن أخطر ما يحدث خلال السنوات الأربع المقبلة، المخططات الكارثية التى تُطبخ فى الغرف المغلقة، لإحباط المشروع الوطنى وعدم اكتماله، وتحويل الخلاف السياسى السطحى إلى هدم للثقة فى قدرة الدولة على الإنجاز، أو أن تتحول الأزمات المؤقتة إلى مبرر لإنكار كل ما تحقق، أو أن يصبح المواطن أسيرا لحالة هلع دائم تجعله يرى المستقبل من خلال أسوأ احتمال فقط.
وفى الأخير، فإن الرهان على المصريين الذين تحملوا كثيرا لدعم بلادهم، كبيرا، فالمشروع الوطنى لا يحميه الإنكار، وإنما يحميه الإنجاز، والوعى بأهميته، وإصرار الدولة والمجتمع معا على ألا تضيع لحظة التحول الكبرى.