مين ما يحبش فوزى؟.. مبعوث السعادة الموسيقية صنع أجمل الألحان بدون آلات.. حكاية خناقة «زنوبة» و«مصطفى» التى وصلت للقضاء.. مرض أذاب جسده حتى وصل 37 كيلو جراما.. وسر وصيته الأخيرة وأمنية غريبة تحققت بعد وفاته

السبت، 15 أغسطس 2026 10:17 م
مين ما يحبش فوزى؟.. مبعوث السعادة الموسيقية صنع أجمل الألحان بدون آلات.. حكاية خناقة «زنوبة» و«مصطفى» التى وصلت للقضاء.. مرض أذاب جسده حتى وصل 37 كيلو جراما.. وسر وصيته الأخيرة وأمنية غريبة تحققت بعد وفاته محمد فوزى

​بقلم: زينب عبداللاه

تمر اليوم ذكرى ميلاد عبقرى الموسيقى وأيقونة البهجة ومبعوث السعادة الفنية محمد فوزى، الذى ولد فى مثل هذا اليوم الموافق 15 أغسطس عام 1918، ليكون أحد مجددي الموسيقى وطيفا جميلا مر على الدنيا فمنح الصغار والكبار جرعة بهجة وسعادة تتوارثها الأجيال على مر الزمن.

عاش محمد فوزى سنوات قليلة لم تتجاوز 48 عاماً، لكنه أحدث زلزالاً فنياً وتجديدياً في الموسيقى العربية والسينما الغنائية، ليظل إبداعه حياً، نابضاً، وعصياً على النسيان.

 

​البدايات الصعبة


ولد "محمد فوزى عبد العال الحو" في 15 أغسطس 1918 بقرية "كفر أبو جندي" التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية، وكان الابن الحادي والعشرين من أصل 25 ولداً وبنتاً، من بينهم المطربة الراحلة هدى سلطان.

​منذ طفولته المبكرة عشق الموسيقى وسحره النغم، وتعلم أصول الموسيقى الأولى على يد "محمد الخربتلي" أحد أصدقاء والده، والذي كان يصحبه للغناء في الموالد والليالي والأفراح بالقرية والقرى المجاورة.  وفى صباه انتق إلى القاهرة، ليغوص في قلب شارع عماد الدين ، حيث عانى الفقر في بداياته.

​وفي مذكرات نادرة نشرتها مجلة "الكواكب" عام 1959، حكى فوزي بنفسه عن أيام "الكحرتة" والتنقل بين الفرق، حيث عمل في ملهى الشقيقتين رتيبة وإنصاف رشدي، ثم صالة بديعة مصابني.


وفي صالة بديعة، بدأت تلوح في الأفق ملامح "شخصية فوزي" الوفية.

وحى فوزى عن تلك الفترة أن قلبه تعلق خلال بإحدى راقصات الفرق، رغم أن قوانين بديعة مصابني الصارمة كانت تمنع قَصَص الحب بين أعضاء الفرقة وتفرض الزواج السريع أو الطرد، وعندما اكتشفت بديعة قصة حب الراقصة لفوزى؛ طردتها وأبقت على فوزي لكونه نجماً واعداً تحتاجه الفرقة.


هنا تجلت "جدعنة" فوزي ووفاؤه، ورفض أن يتخلى عن حبيبته أو يستغل استثناءه، وقرر الانسحاب بنفسه من الفرقة متقبلاً الخروج إلى الشارع بلا أجر ولا عمل ثابت، فمرت عليه أياما سوداء عانى فيها من شدة الفقر. لكن هذا الموقف الإنساني المشرّف كان بداية الخير والشرارة التي فتحت له أبواب السينما والمسارح الكبرى ليشق طريقه نحو المجد بنفسه.


الصدمات بداية رحلة المجد

​لم يبتسم الحظ لمحمد فوزى بسهولة، بل خاض اختبارات شاقة وسلسلة من الإحباطات القاسية، تقدم لامتحان الإذاعة المصرية كمطرب وهو في سن العشرين، وتلقى أولى الصدمات، حيث رسب مطرباً ونُجح ملحناً فقط! ثم حاول شق طريقه على المسرح الغنائي كبديل للفنان إبراهيم حمودة في مسرحية "شهرزاد"، لكن التجربة لم تلق النجاح المتوقع.


​حتى جاءت النقطة الفاصلة بمساعدة رائدة السينما الفنانة الكبيرة عقيلة راتب، ففى حوار أجريناه مع ابنتها "أميمة حامد مرسي" أكدت أنن المؤلف مصطفى السيد قدم لها فوزى (وكان اسمه حينها محمد الحو) رغبة في مساندته، فتعجبت عقيلة راتب من اسم "الحو"، واقترحت عليه تغييره إلى "محمد فوزي".


و​رشحته الفنانة الكبيرة لأول دور سينمائي في فيلم "سيف الجلاد" أمام يوسف وهبي ولم يغن فيه، لكنها لما لمست حجم موهبته الفذة في التلحين، فرشحته بطولة فيلم "عروس البحر" وغنيا معاً أول دويتو في حياته "صيد العصارى" وأسندت إليه تلحين أغاني الفيلم بالكامل.


​في ظرف ثلاثة أعوام فقط من هذه الانطلاقة، اعتلى محمد فوزي عرش السينما الاستعراضية والغنائية في مصر، وفرض نجاحه الجماهيري الكاسح على الإذاعة التي رفضته سابقاً، فأصبحت تذيع ألحانه وأغانيه على مدار اليوم.


العبقرية الموسيقية والتجديد.. "كلمني طمنني" و"يا مصطفى"

​تتجلى عبقرية فوزي الموسيقية في كونه فناناً سابقاً لعصره،ولم يكن مجرد صانع نغمة جميلة، بل كان مدرسة تجديدية كبيرة، حيث تحدى فوزة القواعد التقليدية وابتكر خامة موسيقية غير مسبوقة في الشرق، فلحن وغنى أغنيته الشهيرة "كلمني طمنني" بدون استخدام أي آلة موسيقية على الإطلاق، واستبدل الأصوات الآلية بالأصوات البشرية، ليكون أول لحن في التاريخ العربي يعتمد بالكامل على "الأكابيلا" البشرية.


وابتكر فوزي صياغة الفرانكو أراب، ولحن أغنية "يا مصطفى يا مصطفى" التي عبَر بها البحار وحققت انتشاراً دولياً واسعاً، واستُخدمت وتُرجِمَت في عشرات النسخ حول العالم.


كما كان أول فنان غنائي يستثمر الموهبة لتقديم أغانٍ موجهة خصيصاً للطفل بأسلوب سليم وراقٍ؛ بأعمال خالدة في وجدان الأجيال المتعاقبة مثل "ماما زمانها جاية" و"ذهب الليل".


​وتنوع إبداعه الغنائى والموسيقى بين الأغانى الدينية والوطنية واغانى المناسبات والأغانى العاطفية، فضلاً عن تلحينه النشيد الوطني للجزائر (قسماً) للشاعر مفدي زكريا، والذي كرمته عليه الحكومة الجزائرية بإطلاق اسمه على المعهد الوطني العالي للموسيقى ومنحه وسام الاستحقاق الوطني.


​معارك فنية وقضايا أمام المحاكم


​لم تخْلُ رحلة فوزي الشديدة الحيوية والنجاح من قضايا ونزاعات طريفة ومعارك قضائية، كان يخوضها صيانةً لحقوقه وحمايةً لإبداعه ولشركته ، ومن بين هذه القضايا قضية أغنية "يا مصطفى" والنزاع الخماسي أمام القضاء، حيث ​كشفت الوثائق والمقتنيات الخاصة بـ مديحة يسري عن وثيقة تاريخية بشأن النزاع القضائي الشهير حول لحن "يا مصطفى يا مصطفى"؛ حين رفع فوزي دعوى قضائية ضد المطرب بوب عزام لسرقته اللحن وغنائه في فرنسا، وحصل فوزي بالفعل على حكم درجة أولى بالحجز على أسطوانات بوب عزام عبر جمعية المؤلفين بفرنسا.


ولكن المفارقة الطريفة حدثت أثناء الاستئناف، حيث تدخل الفنان محمد الكحلاوي مدعياً أن اللحن ملكه، ثم تبعه محمد سيد درويش مدعياً أن اللحن من تراث والده فنان الشعب سيد درويش! و انتدبت المحكمة خبيراً موسيقياً للبت في الأمر، وكان الخبير ملحناً شاباً آنذاك يُدعى بليغ حمدى، والذي كتب تقريراً مفاده أن اللحن مستمد من التراث الفلكلوري المصري ومتاح للجميع، ليخسر الجميع القضية.


ليلة الحجز على "زنوبة"

و​حين أسس فوزي شركته حصل على حقوق تسجيل أغنية "زنوبة" من جمعية المؤلفين والملحنين وسجلها بصوت الفنانة صباح، وحاولت شركة "كايروفون" الالتفاف والتسجيل مع المطربة نجاح سلام بـ "استديو مصر" بناءً على اتفاق منفرد مع المؤلف واشراك فريد الأطرش في التنازل.

فما كان من فوزي إلا أن حرك دعوى قضائية مستعجلة، واستصدر حكماً بالحجز التحفظي لدى استديو مصر على كل شريط وتسجيل لأغنية "زنوبة" لصالح شركته.


الحلم القومي وتأسيس "مصرفون"

​كان الحلم الأكبر لمحمد فوزي هو تحرير صناعة الموسيقى المصرية من قبضة الشركات والأجانب، فأنشأ عام 1958 شركة "مصرفون" لإنتاج الأسطوانات؛ لتكون أول مصنع وأول شركة أسطوانات مصريّة وعربية الاسطوانات ، و​أحدثت "مصرفون" ضربة قاضية للمؤسسات الاحتكارية الأجنبية، إذ نجح فوزى في تخفيض سعر الأسطوانة من 90 قرشاً (السعر الأجنبي السائد) إلى 35 قرشاً فقط، مما أتاح الفن والأسطوانات لكافة فئات الشعب المصرى، وسارعت أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وكبار مطربي العصر إلى تسجيل أعمالهم بشركته، وفي عام 1961، صدر قرار تأميم شركة مصرفون وتحويلها إلى شركة "صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات"، وتعيين محمد فوزي مديراً لشركته براتب شهري قدره 100 جنيه!


"مرض فوزي".. والرسالة الأخيرة

​أصيب فوزي بمرض نادر جداً وحار الأطباء في مصر وفرنسا وألمانيا في تشخيصه وعلاجه، إذ أنهك عظام جسمه ودمر مناعته. وكان هذا المرض غريباً لدرجة أن الأوساط الطبية العالمية لم تجد له تسمية آنذاك سوى "مرض فوزي".

​عاش فوزي أوقاتاً عصيبة وعذاباً أليماً على سرير المرض، وشاهد جسمه يتهاوى ويذوب يومياً؛ حيث تراجع وزنه من 90 كيلوجراماً إلى 37 كيلوجراماً فقط! وفي كلماته الأخيرة التي تدون أدق تفاصيل معاناته، كتب قبل رحيله بساعات:

​"منذ أكثر من سنة تقريبًا وأنا أشكو من ألم حاد في جسمي لا أعرف سببه، بعض الأطباء يقولون إنه روماتيزم والبعض يقول إنه نتيجة عملية الحالب.. كل هذا يحدث والألم يزداد شيئاً فشيئاً، وبدأ النوم يطير من عيني واحتار الأطباء في تشخيص هذا المرض.. كل هذا وأنا أحاول إخفاء آلامي عن الأصدقاء إلى أن استبد بي المرض ولم أستطع القيام من الفراش وبدأ وزني ينقص.. انسدت نفسي عن الأكل حتى الحقن المسكنة أصبحت لا تؤثر فيّ، وأشعر  أنى أذوب كالشمعة".


​رغم جسامة الألم وآلام الجسد المتهالك، احتفظ فوزى بنقاء روحه، وإيمانه المطلق بالخالق، وشفافيته الاستثنائية. وقبل وفاته بليلة واحدة (صباح الخميس 20 أكتوبر 1966)، استشعر فوزي قرب الرحيل بدقة عجيبة، فأمسك ورقة وسطر وصيته الأخيرة إلى جمهور الأمة العربية والأمة الإسلامية:

​"إن الموت علينا حق، إذا لم نمت اليوم سنموت غداً.. وأحمد الله أنني مؤمن بربي، فلا أخاف الموت الذي قد يريحني من هذه الآلام التي أعانيها، فقد أديت واجبي نحو بلدي وكنت أتمنى أن أؤدي الكثير، ولكن إرادة الله فوق كل إرادة والأعمار بيد الله لن يطيلها الطب.. تحياتي إلى كل إنسان أحبني ورفع يده إلى السماء من أجلي، تحياتي لكل طفل أسعدته ألحاني.. تحياتي لبلدي.. وأخيراً تحياتي لأولادي وأسرتي".


​ولم تقف الشفافية والصفاء الإيماني لدى فوزي عند حد الوداع، بل رجى ودعا في نهاية وصيته بمفارقة إيمانية تهز القلوب؛ إذ كتب:

​"لا أريد أن أدفن اليوم، أريد أن تكون جنازتي غداً الساعة 11 من ميدان التحرير، فأنا أريد أن أدفن يوم الجمعة".

​واستجاب الله لدعوة فوزى؛ ففاضت روحه إلى بارئها مساء الخميس 20 أكتوبر 1966 عن عمر ناهز 48 عاماً، وتأجلت مراسم التشييع لتخرج جنازته المهيبة في صبيحة يوم الجمعة كما طلب تماماً، ليصلي عليه آلاف المصلين والمحبين في هذا اليوم المبارك.


جنازة تاريخية

شهدت جنازة محمد فوزي مشاهد دراماتيكية حزينة سجلتها الصحف المصرية والعربية، وعكست القيمة والمحبة الكبيرة التي امتلكها هذا الرجل في قلوب الجميع.

​ فلم يستطع صديقه الفنان إسماعيل ياسين تمالك نفسه وسقط مغشياً عليه في الجنازة من شدة الصدمة، وأصر يوسف وهبي على مرافقة الجثمان حتى المقبرة، وأصيبت شقيقته الفنانة هدى سلطان بحالة ذهول تام، بينما أغمي على زوجته كريمة ونقلت للمنزل مصابة بانهيار عصبي حاد فور دفنه، كما سجلت الصحف تعرض الفنانات مديحة يسري وتحية كاريوكا وثريا حلمي للإغماء ثلاث مرات متتالية خلال التشييع.

و​شارك الفنان محرم فؤاد بنفسه في حمل الجثمان على الكتف حتى المقبرة، بينما وقف الفنان محمد الكحلاوي يرتل القرآن الكريم بصوته فوق القبر أثناء إنزال الجسد الطاهر.

​رحل محمد فوزي بجسده في الأربعينيات من عمره، لكنه ترك خلوداً أبدياً وعطاءً لا ينضب.

​إن السر في حياة محمد فوزي يكمن في هذه المعادلة الربانية:  فالبهجة التي زاد بها دنيانا وأهداها للناس كانت أكبر، أعمق، وأبقى من كل الآلام والأوجاع التي عانى منها في حياته.

​عاش 48 سنة فقط، لكنه كتب اسمه بماء الذهب في ذاكرة الفن العربي؛ فلا نزال نبتسم لمجرد رؤية وجهه أو سماع صوته وألحانه لتى اجتمع على حبه وحبها الكبار والصغار، فلا يمكنك أن تصادف شخصا لا يحبك فوزى.

​رحم الله الشمعة التي احترقت لتضيء سماء الفن العربي، ورحم جميل الروح والقلب.. العبقري محمد فوزى.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة