لم تعد أزقة المدن وحاراتها الخلفية هي المسرح الوحيد لتجارة السموم والمواد المخدرة، بل امتدت أطماع تجار الكيف ومروجي المخدرات إلى الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، ظناً منهم أن الشاشات الزجاجية والأسماء المستعارة قد توفر لهم ملاذاً آمناً بعيداً عن أيدي العدالة، إلا أن الاستجابة الأمنية الحازمة والجاهزية التقنية للقطاعات المختصة بوزارة الداخلية أثبتت أن العين الساهرة تطارد الجريمة في واقعها وتلاحق أثرها الافتراضي بكفاءة واقتدار.
جهود الداخلية
في إطار إحكام السيطرة على الفضاء الإلكتروني ومنع استغلال المنصات الرقمية في الأنشطة الإجرامية، وجهت الأجهزة الأمنية ضربات متلاحقة لعدد من العناصر الإجرامية القائمة على ترويج المخدرات عبر الإنترنت.
كشفت الداخلية ملابسات منشور جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التضرر من قيام إحدى السيدات بترويج المواد المخدرة بإحدى المناطق بمحافظة الإسكندرية. وباجراء الفحص الدقيق والتحريات الميدانية، تمكنت القوات من تحديد وضبط مرتكبة الواقعة، وتبين أنها مقيمة بدائرة قسم شرطة الجمرك ولها معلومات جنائية مسجلة، وضُبط بحوزتها كمية من مخدر الآيس الشديد الخطورة، وبمواجهتها أقرت بحيازتها للمواد المخدرة بقصد الإتجار وترويجها.
ولم تقتصر الجهود على الضبط الميداني القائم على البلاغات الرقمية، بل امتدت لتشمل الرصد والمتابعة الاستباقية للأنشطة المشبوهة فقد رصدت الإدارة العامة لمكافحة جرائم تقنية المعلومات بقطاع نظم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بالتنسيق مع قطاع الأمن العام، قيام أحد الأشخاص بإدارة صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي مخصصة للترويج لبيع المواد المخدرة مقابل مبالغ مالية.
وأسفرت التحريات عن تحديد المتهم وضبطه بدائرة قسم شرطة بولاق الدكرور بالجيزة، وتبين أنه عامل له معلومات جنائية، وضُبط بحوزته كمية من مخدر البودر، إلى جانب هاتف محمول بفحصه فنياً تبين احتواؤه على دلائل ورسائل تؤكد نشاطه المؤثم، حيث اعترف تفصيلياً بملابسات الواقعة.
وفي واقعة أخرى تؤكد تنوع الفئات المستهدفة للمطاردة الأمنية، نجحت الإدارة العامة لمكافحة جرائم تقنية المعلومات بالتنسيق مع قطاع الأمن العام في ضبط طالب مقيم بمحافظة الجيزة، إثر رصد إدارته لصفحة إلكترونية تروج لبيع المواد والأقراص المخدرة. وعثر بحوزته على كمية من الأقراص والمواد المخدرة، إضافة إلى فرد محلي وسلاحين أبيضين وهاتف محمول يحتوي على أدلة رقمية تثبت ممارسته لهذا النشاط الإجرامي، لتقرر النيابة العامة اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيال المتهمين جميعاً.

المخدرات أونلاين في قبضة الأمن
اشادة خبراء الأمن
تعليقاً على هذه الضربات، أكد اللواء مجدي السمري، مساعد وزير الداخلية لمكافحة المخدرات الأسبق، أن الجريمة الإلكترونية في مجال المخدرات شهدت تطوراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الأجهزة الأمنية كانت على قدر هذا التحدي عبر استحدث قطاعات متخصصة في التتبع الرقمي وتحليل البيانات.
وأوضح أن ترويج المخدرات عبر المنصات الرقمية يمثل أسلوباً يسعى للتخفي، ولكن الشواهد والضبطيات المتتالية تثبت أن التطور التكنولوجي لدى وزارة الداخلية أصبح يفوق حيل المجرمين، مشيراً إلى أن الرصد الفني والتكامل بين قطاع تقنية المعلومات وقطاع الأمن العام يمثل حائط صد منيع أمام هذه المخاطر.
ومن جانبه، أشار اللواء خالد الشاذلي، الخبير الأمني، إلى أن الوعي المجتمعي ورصد الشكاوى والمعلومات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي أصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة المنع والضبط.
وأضاف أن سرعة استجابة وزارة الداخلية لما يُنشر على صفحات التواصل الاجتماعي تعكس إستراتيجية قائمة على بناء الثقة مع المواطن وجعل المجتمع شريكاً في العملية الأمنية، مشدداً على أن تجار الكيف يقعون في وهم كبير حين يعتقدون أن التجارة الرقمية تحميهم من المسائلة القانونية، إذ تترك كل حركة إلكترونية أثراً دقيقاً يصل بالأجهزة المعنية إلى الجناة بسهولة.

ضربات أمنية متتالية تحبط تجارة السموم
عقوبات قانونية
من الناحية القانونية، تشير النصوص التشريعية إلى أن العقوبات المقررة لمثل هذه الجرائم تتسم بالشدة والصرامة نظراً لخطورتها المباشرة على الأمن القومي والمجتمعي.
ينص قانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960 وتعديلاته على عقوبات تصل إلى السجن المشدد وفي بعض الحالات إلى السجن المؤبد أو الإعدام لكل من جلب أو حاز أو أحرز مواد مخدرة بقصد الإتجار. علاوة على ذلك، فإن اقتران جلب المواد المخدرة أو ترويجها باستخدام وسائل تقنية المعلومات يضع الجناة تحت طائلة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والذي يعاقب بالحبس والغرامة المالية المغلظة على إنشاء أو إدارة موقع أو حساب خاص على شبكة معلوماتية يهدف إلى تسهيل ارتكاب جريمة أو الترويج لها.
كما تشمل العقوبات القانونية مصادرة الأدوات والأجهزة المستخدمة في الجريمة، كالهواتف ووسائل النقل، إضافة إلى الآلات أو الأسلحة التي تُضبط بحوزة المتهمين، مع إعمال التعدد في الجرائم والعقوبات في حال إحراز أسلحة نارية أو بيضاء بدون ترخيص إلى جانب المواد المخدرة.
تؤكد هذه الضبطيات المتلاحقة والجهود المتكاملة بين التتبع الفني والتحرك الميداني أن المعركة ضد المخدرات لم تعد محصورة في حدود جغرافية معينة، بل هي معركة شامِلة تُخاض بوعي واقتدار في كافة الفضاءات المادية والرقمية لحماية المجتمع من سموم تستهدف مقدراته وشبابه.
