من سنوات بعيدة، لم يعد المجتمع هو نفسه المجتمع البسيط الذى يعيش فيه الناس بهدوء وبطء وطول بال، والأغلبية من الناس فى الحى أو القرية أو الشارع يعرفون أنفسهم ويتواصلون مباشرة مع بعضهم البعض، ومع هذا، فقد كانت الجرائم موجودة ومتناسبة مع السكان والأعداد بجانب تعقيدات الحياة نفسها، وبالتالى من الطبيعى أن تنطلق أنواع من الأسئلة المشروعة: هل ارتفعت نسب الجرائم فى مصر وتنوعت وأصبحت أكثر انتشارا؟ وهل أصبحت الجرائم العائلية جزءا من خرائط الجريمة فى المجتمع؟ وهل ارتفع معدل الجريمة فى مصر عن بقية دول العالم؟ أم أنها نسبة عادية مقارنة بحجم السكان؟ وهل تمثل نسبة الجريمة منحنى مختلفا يثير القلق ويستحق الدراسة؟
الواقع أن هذا السؤال مطروح قبل جريمة مدينة 15 مايو العائلية التى أطلق فيها مواطن النار على طليقته وأسرتها وأبناءئه، فأصاب وقتل عددا كبيرا منهم، وقبلها جريمة التجمع التى قتل فيها المتهم أسرة بكاملها عن طريق الخداع، ويوميا هناك أنواع من الجرائم تقع، أب يعاقب ابنه فيقتله، أو أسرة تحاول معاقبة فتاة فتتسبب فى موتها، خلافات بسيطة بالشارع تتحول إلى عنف واعتداءات، وبمراجعة بسيطة لحجم الحالات التى تنشر على صفحات «الداخلية» بناء على فيديوهات منشورة أو اتهامات من أطراف متنوعة، نجد أن بالفعل هناك عبئا كبيرا على أجهزة الأمن التى تلقى أفرادها تدريبات، والأمر بالفعل أصبح يمثل حملا إضافيا على هذه الأجهزة.
من عناوين الصحف والمواقع اليومية، يمكن رصد نوعيات مختلفة من الجرائم، سرقة بالإكراه، قتل عمد، خطف، تعذيب أب لابنه، أب متهم بإغراق طفليه، أم تقتل ابنها، ابن يقتل أمه أو أباه أو شقيقه، حفيد يقتل جده ليسرقه، عشرات الجرائم التى تكشفها أجهزة الأمن، وأخرى يكتنفها الغموض، وخلال العقود الأخيرة كانت هناك تعليقات فى المجتمع، عن أن هناك نوعيات من الجرائم لم يكن المجتمع المصرى يعرفها، والبعض يراها نسبة مرتفعة، بينما يراها آخرون طبيعية مقارنة بعدد السكان وتعقد الحياة.
والواقع أن هناك ضرورة لدراسة هذه الحوادث وفحصها من خلال مختصين لعلوم الاجتماع والنفس والجريمة، وهنا دور وأهمية وجود مراكز اجتماعية ترصد المجتمع وتحلل تركيبته ونوعيات الجرائم وأسبابها، وصولا لتوصيات يمكن أن تفيد الأمن، ولدينا المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، والذى كان - ولا يزال - يضم أعدادا من الباحثين الاجتماعيين الكبار وأساتذة وخبراء يرصدون شكل الجريمة وتطورها وأسبابها وتفسيراتها، وهذه المراكز تحتاج إلى دعم لميزنياتها، ومنحها حرية العمل والتوصل إلى المعلومات وبحث ومراقبة ما يجرى بشكل يفيد الجميع، وليس الأمن فقط، لأنه يفتح مجالا للتعرف عل دوافع الجرائم، وطريقة تفكير المجرمين، وهذا كلام سبق أن ناقشناه وكتبنا فيه وغيرنا.
وأتذكر أننا خلال التسعينيات من القرن العشرين كانت وزارة الداخلية تصدر سنويا تقرير «الأمن العام»، وتسجل فيه إحصائيات وأرقاما تتعلق بعدد الجرائم وأنواعها، وتحليلها، وكان التقرير يوزع على مستوى واسع، ويتاح للصحافة والباحثين والجامعات، لكن بنهاية التسعينيات أصبح يوزع على مستوى المسؤولين بالوزارة ولا يتاح بشكل عام، تقرير الأمن العام يمثل قاعدة مفيدة ومهمة للباحثين والمحللين، ويفترض أن يكون متاحا ضمن الإحصائيات المهمة للباحثين والخبراء.
وبالعودة إلى معدلات الجريمة عموما فإن كثيرا من خبراء الاجتماع يرون أن الجريمة فى مصر مثل بقية المجتمعات، وأن التطورات الاقتصادية والاجتماعية تقود إلى نوعيات من الجريمة تتطور حسب السكان وأعدادهم، ويعرف العاملون فى الصحافة والإعلام أن مصر من الدول التى تغطى فيها الصحافة أخبار الجريمة بتوسع، ومع المواقع هناك مواقع التواصل التى تعطى لكل من هب ودب الحق فى الكلام حتى لو كان أكاذيب أو مبالغات بهدف المشاهدات والأموال، ولا أحد ينكر أن هناك تضاعفا فى أنواع من الجرائم، نكتشف أنها لا ترتبط بالطبقة الاجتماعية أو التعليم أو المستوى الاجتماعى والاقتصادى، بل إن الفساد والرشوة والتهريب ترتبط بمستويات اقتصادية عليا، وكثير من مرتكبى جرائم القتل يفعلون ذلك بدوافع السرقة أو الانتقام أو الغضب، ونظن أن مراجعة حجم وعدد الجرائم فى الولايات المتحدة يشير إلى نوعيات تتجاوز أى تصور لدينا لأن المجتمع هناك، والسلاح مختلف، بل والقوانين، ولعل الرئيس الأمريكى ترامب أشار لهذا مرة أثناء وجوده فى مصر.
وهذا لا يعنى أن نطمئن، بل القلق مشروع ومعدلات العنف والجريمة تتزايد طبقا لاتساع المجتمع نفسه وتعقيدات الحياة.