في الذكرى الثالثة عشرة لفض اعتصام رابعة، تعود إلى الواجهة مفارقة كاشفة في خطاب قيادات جماعة الإخوان الإرهابية، كلمات نارية من أعلى المنصة، ووعيد بالدم، ووعود بالصمود حتى النهاية، مقابل مشاهد لاحقة لقيادات كانت تبحث عن طرق للهروب والاختفاء بمجرد اقتراب لحظة الحسم.
منصة رابعة لم تكن مجرد مكان لإلقاء الكلمات، بل تحولت خلال أسابيع الاعتصام إلى مسرح لخطاب تصعيدي ارتفعت فيه نبرة التهديد، وتكررت فيه عبارات توحي بأن المواجهة ستستمر مهما كان الثمن. لكن ما قيل أمام الحشود شيء، وما جرى على الأرض بعد بدء الفض شيء آخر.
وتكفي مقارنة المشهدين لفهم حجم التناقض؛ فبينما كان بعض قيادات الجماعة يرفعون سقف الخطاب إلى «الدم» و«التضحية»، كان الواقع يتحدث عن خطط للفرار واستخدام طرق جانبية وعقارات مجاورة للاختفاء بعيدا عن موقع الاعتصام.
صفوت حجازي.. «هنرشه بالدم» من فوق المنصة
كان صفوت حجازي أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بمنصة رابعة، وقدم خطابا شديد التصعيد تجاه معارضي محمد مرسي، ومن أشهر عباراته: «اللي هيرش مرسي بالمية هنرشه بالدم».
العبارة لم تأت في جلسة مغلقة، وإنما قيلت من أعلى المنصة أمام حشود الاعتصام، وأصبحت واحدة من أكثر العبارات التي ارتبطت بخطاب تلك المرحلة.
وفي موضع آخر، ارتبط اسمه بخطاب أكثر تصعيدا، مع حديث عن عودة مرسي واستمرار المواجهة، في وقت كانت فيه البلاد تتجه نحو لحظة شديدة التوتر.
لكن بعد فض الاعتصام، تغير المشهد تماما؛ إذ تمكن حجازي من الهرب من موقع الاعتصام قبل القبض عليه لاحقا في منطقة سيوة في 21 أغسطس 2013 كان متنكراً من خلال حلق لحيته وصبغ شعره
محمد بديع.. «سنضحي بأرواحنا» ثم البحث عن طريق للنجاة
محمد بديع، مرشد جماعة الإخوان الإرهابية آنذاك، كان أحد أبرز رموز المنصة، وظهر في خطاباته متمسكا بما سماه «الشرعية»، ومؤكدا استعداد أنصار الجماعة للتضحية من أجل عودة مرسي.
لكن المفارقة التي بقيت عالقة في روايات تلك المرحلة جاءت بعد ذلك، عندما بدأت قيادات الجماعة في مغادرة المشهد.
وغادر موقع رابعة هربا من الأمن للاختباء في محيط المنطقة مرتديا النقاب للتخفى، قبل أن يتم ضبطه لاحقا.
المفارقة الأوضح تظل في المسافة بين صورة المرشد وقيادات الإخوان التي صنعتها منصة رابعة كرمز للصمود والمواجهة، وبين محاولات الاختفاء والابتعاد عن موقع الأحداث مع اقتراب لحظة الفض.
البلتاجي وحجازي والعريان.. مخارج جانبية بدلا من «النصر أو الشهادة»
لم يكن مشهد الهروب مقصورا على اسم واحد فقد تمكن صفوت حجازي ومحمد البلتاجي وعصام العريان من الخروج من محيط رابعة عبر العقارات المجاورة، خاصة العقارات تحت الإنشاء، مستفيدين من الشوارع والطرق الجانبية في المنطقة.
المشهد هنا يحمل مفارقة صارخة قيادات تتحدث أمام الحشود عن الصمود حتى النهاية، ثم تتحول الأولوية عند لحظة المواجهة إلى البحث عن طريق للخروج.
فقد كان صفوت حجازي ومحمد البلتاجي وعصام العريان تمكنوا من الهروب متنكرين في أزياء نسائية إلى العمارات والعقارات المجاورة، خاصة التي تحت الإنشاء، ولم يشاهدهم أحد في أثناء عمليات فض الاعتصام، مستغلين العديد من الشوارع والطرق الجانبية لمنطقة رابعة العدوية، وتبين لاحقا أنهم وضعوا خطة مسبقة للهروب من ميدان رابعة العدوية حال تنفيذ الدولة لقرارها بفض الاعتصام، واستخدموا عناصر مسلحة تتعامل مع قوات الشرطة لتغطية هروبهم لخارج الاعتصام.
رابعة.. خطاب صلب أمام الكاميرات ومخارج نجاة خلف الستار
بعد 13 عاما، لا تستعيد ذكرى فض اعتصام رابعة فقط لحظة الفض نفسها، وإنما تستعيد أيضا ما سبقها وما تلاها؛ خطابات المنصة، لغة التهديد، الوعود التي لم تتحقق، ثم محاولات القيادات الخروج من المشهد.
فالمفارقة ليست في أن الإنسان يخشى الخطر، وإنما في أن يتحول الخوف إلى حقيقة تكشف الفارق بين الصورة التي تصنعها المنصة وبين السلوك عندما يصبح الخطاب أمام اختبار واقعي.