لم تعد أزمة المياه في جوهانسبرج، بجنوب أفريقيا، مجرد مشكلة خدمية تتعلق بانقطاع مؤقت في إمدادات المياه، بل تحولت إلى أزمة يومية تضرب حياة السكان وتكشف عمق التحديات التي تواجه أكبر مركز اقتصادي في جنوب أفريقيا، في وقت تستعد فيه البلاد لانتخابات الحكم المحلي المقررة في نوفمبر المقبل.
ففي أحياء فقيرة مثل هيلبرو، يضطر السكان إلى دفع عربات محملة بالحاويات بحثًا عن المياه التي توفرها صهاريج البلدية، بينما يقول بعض السكان إن صنابير منازلهم جفت لسنوات.
وفي الأحياء الأكثر ثراءً، يتجه السكان إلى حفر الآبار الجوفية وتركيب خزانات وأنظمة تنقية، في محاولة لفك ارتباطهم بشبكة المياه العامة.
وبينما يتسع الفارق بين من يستطيع شراء بديل خاص ومن لا يملك سوى انتظار صهريج البلدية، تواجه جوهانسبرج أزمة مركبة تتداخل فيها البنية التحتية القديمة، وفقدان كميات ضخمة من المياه، والضغوط المالية على البلدية، والطلب المتزايد، والتغيرات المناخية، وضعف الصيانة.
وتأتي الأزمة في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا؛ إذ حدد الرئيس سيريل رامافوزا 4 نوفمبر 2026 موعدًا للانتخابات المحلية، في وقت أصبحت فيه جودة الخدمات البلدية أحد أبرز الملفات التي ستحدد اتجاهات الناخبين.
655 مليون لتر تضيع كل يوم
تكشف أزمة جوهانسبرج حجم الخلل في شبكة المياه؛ إذ تفقد المدينة أكثر من ثلث إمداداتها المائية، بما يقدر بنحو 655 مليون لتر يوميًا، نتيجة انفجار الأنابيب وتسرب المياه من شبكة تعاني من التقادم.
ولا تعني هذه الأرقام مجرد فقدان مورد حيوي، بل تعني أيضًا فقدان إيرادات كان يمكن أن تستخدمها البلدية في إصلاح الشبكات وصيانة البنية التحتية، ما يخلق حلقة مفرغة: أنابيب قديمة تتسبب في تسرب المياه، والتسرب يقلل الموارد المالية، ونقص التمويل يؤخر أعمال الصيانة، وهو ما يؤدي بدوره إلى مزيد من الأعطال.
وتشير مدينة جوهانسبرج نفسها إلى أن فاقد المياه غير المدرة للدخل يبلغ 44.7%، في حين يتجاوز تراكم احتياجات تجديد البنية التحتية للمدينة أكثر من 220 مليار راند وفق تصريحات مسؤولي المدينة.
صنابير جافة.. ومياه تصل عبر الصهاريج
في حي هيلبرو، أصبحت رحلة البحث عن المياه جزءًا من الحياة اليومية للسكان.وتروي وكالة "رويترز" قصة الطالب ثانداني ماسانجو، البالغ 17 عامًا، الذي أمضى نحو ثلاث ساعات وهو يدفع عربة تحمل حاويات فارغة بحثًا عن المياه، ويقول إن المبنى الذي يعيش فيه لم يحصل على المياه لأكثر من ثلاثة أعوام.
وخلال رحلة البحث، عثر ماسانجو وصديقه ريموند مالكا على خزان كانت تعيد البلدية تعبئته بواسطة شاحنة مياه، لكن حارس الأمن أبلغهما بأن الكمية المتاحة مخصصة لسكان البرج السكني المجاور.
هذه المشاهد تلخص التفاوت الذي تفرزه الأزمة؛ فبالنسبة إلى سكان الأحياء الفقيرة، قد تعني أزمة المياه الانتظار لساعات أمام صهريج، أو حمل المياه لمسافات طويلة، أو العيش دون إمداد منتظم، بينما يستطيع سكان الأحياء الأكثر ثراءً شراء حلول بديلة.
بنية تحتية تجاوز عمرها نصف قرن
تعترف مؤسسة "مياه جوهانسبرج" بأن جزءًا كبيرًا من المشكلة يعود إلى قدم شبكة المياه، وقال زاكيل خوزوايو، المدير الأول للابتكار والتكنولوجيا في المؤسسة، إن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية تجاوز عمره 50 عامًا، مؤكدًا أن المدينة تدرك حدود الشبكة والحاجة إلى تطويرها.
لكن الأزمة لا تتعلق فقط بعمر الأنابيب، وإنما بطريقة إدارة الأصول وصيانتها وتمويلها.
ويقول كريج شيريدان، مدير ومؤسس مركز أبحاث وتطوير المياه في جامعة ويتواترسراند، إن أعمال الصيانة لا تحظى عادةً بالجاذبية السياسية نفسها التي تتمتع بها المشروعات الجديدة، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تقتصر على قطاع المياه وإنما تظهر أيضًا في قطاعات البنية التحتية العامة الأخرى.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الرئيسية للأزمة: كلما تأخرت الصيانة، ارتفعت تكلفة إصلاح الشبكة، وكلما ارتفعت الخسائر المائية، تراجعت الموارد المتاحة لتمويل الإصلاح.
أزمة مالية تضغط على قدرة جوهانسبرج على الإصلاح
ولا يمكن فصل أزمة المياه عن الوضع المالي للبلدية، فقد أعلنت مدينة جوهانسبرج ميزانية قدرها 97.1 مليار راند للعام المالي 2026/2027، مع تخصيص 21.6 مليار راند للنفقات التشغيلية لـ" مياه جوهانسبرج" و6.4 مليار راند لمشروعاتها الرأسمالية، بما يشمل تطوير البنية التحتية.
لكن المدينة تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا على قاعدة إيراداتها؛ فقد تراجعت نسبة تحصيل الإيرادات إلى 86%، مقارنة بـ88.6%، بينما أشارت البلدية إلى مشكلات من بينها التوصيلات غير القانونية، وأوجه القصور في أنظمة الفواتير، وتسرب الإيرادات.
وفي يوليو، أعلنت وزارة الخزانة الوطنية حجب تحويلات يوليو مؤقتًا عن عدد من البلديات بسبب إخفاقات تتعلق بالإدارة المالية، في إطار إجراءات تستهدف إجبار البلديات المتعثرة على الالتزام بمتطلبات الإدارة المالية وتقديم الأدلة المطلوبة لاستعادة التحويلات.
وأشارت الوزارة إلى أن البلديات في أنحاء البلاد تراكمت لديها مشكلات مالية كبيرة، بينها إنفاق غير مثمر ومهدر وإنفاق غير منتظم وميزانيات غير ممولة.
وبالنسبة إلى جوهانسبرج، يضيف الضغط المالي تحديًا جديدًا إلى مشكلة المياه، لأن إصلاح شبكة مترامية وقديمة يتطلب استثمارات مستمرة، بينما تتراجع قدرة البلدية على الاعتماد على إيراداتها الذاتية لتمويل تلك الإصلاحات.
المدينة الاقتصادية الكبرى تدفع ثمن الفشل الخدمي
وتتجاوز أهمية جوهانسبرج حدودها المحلية؛ فالمدينة هي العاصمة الاقتصادية لجنوب أفريقيا وأحد أهم محركات اقتصادها.
وتشير البيانات التي أوردتها "رويترز" إلى أن جوهانسبرج تسهم بأكثر من سدس الناتج المحلي الإجمالي لجنوب أفريقيا، ما يعني أن اضطرابات المياه لا تؤثر فقط على الأسر، وإنما يمكن أن تمتد آثارها إلى الشركات والمتاجر والاستثمارات والنشاط الاقتصادي.
وتعترف البلدية بأن تراكم احتياجات البنية التحتية أصبح تحديًا ضخمًا، فيما تضع ميزانية 2026/2027 المياه والصرف الصحي ضمن القطاعات الرئيسية للإنفاق والاستثمار.
وهكذا تتحول المياه من قضية اجتماعية إلى قضية اقتصادية أيضًا؛ فالمياه غير المنتظمة تعني تكاليف إضافية على الشركات والمحال والمباني السكنية، وتدفع بعضها إلى الاستثمار في خزانات ومصادر خاصة بدلًا من الاعتماد الكامل على الشبكة العامة.
الأغنياء ينسحبون إلى الاستقلال المائي
في الأحياء الأكثر ثراءً، بدأت الأزمة تنتج استجابة مختلفة تمامًا، فبدلًا من الانتظار أمام صهاريج البلدية، يتجه بعض السكان إلى حفر الآبار وتركيب خزانات وأنظمة تنقية، في مسار يشبه ما حدث خلال أزمات الكهرباء، عندما لجأ أصحاب المنازل القادرون ماليًا إلى الطاقة الشمسية ومصادر خاصة لتوفير الكهرباء.
ويقدر ألبرتوس لومبارد من "جمعية مياه الآبار" أن سكان إقليم جوتنج، الذي يضم جوهانسبرج وبريتوريا، حفروا نحو 10 آلاف بئر خلال العقد الماضي.
وتكشف هذه الظاهرة عن تحول خطير في علاقة المواطنين بالمرفق العام: فكلما زاد اعتماد القادرين على مصادر خاصة، تراجعت حاجتهم إلى الخدمة البلدية، بينما يظل السكان الأقل دخلًا معتمدين عليها بصورة كاملة.
وهنا تظهر مفارقة أخرى؛ فالحلول الخاصة تمنح بعض السكان حماية مؤقتة من انقطاع المياه، لكنها لا تعالج أصل المشكلة، وقد تضعف في الوقت نفسه قاعدة الإيرادات التي تحتاج إليها البلدية للاستثمار في الشبكة العامة.
100 ألف راند للهروب من أزمة المياه
تقدم تجربة المحامية ثيا كيليان صورة واضحة عن حجم الفجوة بين الفئات الاجتماعية، فبعد تعرض منزلها لانقطاع مائي وصفته بأنه كان شديد الإزعاج، أنفقت نحو 100 ألف راند على حفر بئر وتركيب خزانات ومرشحات، لتصبح قادرة على الاحتفاظ بالمياه وتلبية احتياجات منزلها.
وتقول كيليان إن مجموعات التواصل الخاصة بسكان منطقتها تشهد باستمرار شكاوى بشأن مشكلات المياه، لكنها أصبحت أقل تأثرًا بالأزمة بعد اعتمادها على مصدر خاص.
لكن ما يمثل حلًا مكلفًا وقابلًا للتنفيذ بالنسبة إلى أسرة ميسورة يمثل خيارًا مستحيلًا بالنسبة إلى سكان الأحياء الفقيرة.
وهكذا لا تنتج أزمة المياه نقصًا في مورد أساسي فحسب، وإنما تعيد توزيع القدرة على الوصول إليه وفقًا للقدرة المالية، بما يعمق الفوارق الاجتماعية داخل المدينة.
فاتورة المياه تتحول إلى أزمة ثقة
في هيلبرو، لا ترتبط الأزمة فقط بغياب المياه، وإنما أيضًا بالصراع بين السكان والبلدية حول الفواتير والديون.
وتقول لينديوي ندلوفو، وهي عضو سابق في حزب المؤتمر الوطني الأفريقي «ANC»، إنها وأربعة سكان آخرين انقطعت عنهم المياه منذ عام 2019 بسبب عدم سداد الفواتير.
لكن السكان يقولون إن تقديرات الاستهلاك كانت مبالغًا فيها بسبب تعطل عداد المياه وعدم استبداله، رغم الوعود المتكررة بذلك.
وبحسب روايتهم، صدر حكم قضائي في مايو يأمر بإعادة المياه، لكن الخدمة لم تكن قد عادت حتى وقت إعداد التقرير.
وتلخص هذه الواقعة أزمة أوسع في الثقة؛ فعندما يفقد المواطن ثقته في دقة الفواتير وفي قدرة البلدية على إصلاح الأعطال والاستجابة للأحكام القضائية، تتحول مشكلة المياه إلى أزمة شرعية للخدمة العامة نفسها.
الحكومة تقر بأن الأزمة وطنية
ولا تنكر الحكومة المركزية أن مشكلة المياه أصبحت أزمة وطنية، ففي يوليو الماضي، أطلق الرئيس سيريل رامافوزا خطة العمل الوطنية للمياه بعد إنشاء لجنة وطنية لأزمة المياه، بهدف معالجة الأسباب الهيكلية لانقطاعات المياه في البلديات.
وتشمل الخطة زيادة الاستثمار في البنية التحتية، وإشراك القطاع الخاص في التمويل، وإجراء إصلاحات قانونية وتنظيمية، ومواجهة الفساد والجريمة في قطاع المياه، إضافة إلى فصل إيرادات المياه وحمايتها بحيث يعاد استثمارها في الصيانة والبنية التحتية.
ويقول رامافوزا إن ما يقرب من نصف المياه التي تضخها شبكات المياه في جنوب أفريقيا لا تصل في المتوسط إلى العملاء الذين يدفعون مقابلها، بسبب التسرب أو السرقة أو عدم احتساب الاستهلاك، وهو ما يحرم المرافق من المياه ومن الإيرادات اللازمة للصيانة.
وتحاول الحكومة من خلال الخطة الانتقال من معالجة الانقطاعات باعتبارها أزمات منفصلة إلى إصلاح نموذج إدارة المياه نفسه.
راند ووتر تحذر من ارتفاع الاستهلاك
وتظهر مشكلة جوهانسبرج أيضًا في جانب آخر يتعلق بارتفاع الطلب، ففي فبراير، قالت «راند ووتر» إنها تنتج نحو 5 مليارات لتر من المياه يوميًا، وإن 77% من إنتاجها يذهب إلى البلديات الثلاث الكبرى في جوتنج، وهي جوهانسبرج وتشاواني وإيكورهوليني.
وحذرت المؤسسة من ارتفاع استهلاك المياه في جوهانسبرج وتشاواني، مشيرة إلى أن ذلك يضع ضغطًا كبيرًا على منظومة الإمداد بأكملها.
كما أشارت إلى أن النمو السكاني والتوسع في المستوطنات الرسمية وغير الرسمية يزيدان الضغط على بعض الأنظمة، ومنها منطقة ميدراند في جوهانسبرج.
وهذا يعني أن المدينة تواجه معادلة صعبة: شبكة قديمة، فاقد مرتفع، طلب متزايد، واستثمارات مطلوبة بمليارات الراند.
صدمات الإمداد تكشف هشاشة النظام
شهدت جوتنج في بداية 2026 أيضًا اضطرابات مرتبطة بمنظومة الإمداد الإقليمية، فبين 27 يناير و1 فبراير، تعرضت محطات ضخ "راند ووتر" في بالمِيت وزويكيربوش لأعطال كهروميكانيكية، إلى جانب انفجار كبير في خط أنابيب بخزان كليبفونتين، ما أدى إلى انخفاض حاد مؤقت في إمدادات المياه المعالجة إلى بلديات جوتنج.
وقالت وزارة المياه والصرف الصحي إن "راند ووتر" عادت إلى طاقتها الطبيعية البالغة 5 مليارات لتر يوميًا بحلول 4 فبراير، لكن انخفاض الإمدادات خلال فترة الأعطال أدى إلى استنزاف عدد من خزانات التخزين البلدية، وترك مناطق عدة دون مياه، خصوصًا المناطق المرتفعة.
وأظهرت هذه الحوادث أن مشكلة المياه لا تتعلق فقط بالأنابيب المحلية داخل جوهانسبرج، بل تمتد إلى منظومة إقليمية مترابطة يمكن لأي عطل رئيسي فيها أن ينعكس سريعًا على ملايين السكان.
التغير المناخي يضاعف الضغوط
وإلى جانب مشاكل الإدارة والبنية التحتية، يضيف تغير المناخ عاملًا آخر إلى أزمة المياه.
ويشير محللون، إلى أن تغير المناخ يزيد من صعوبة الوضع من خلال ارتفاع معدلات التبخر، في وقت تعاني فيه منظومة المياه أصلًا من ضغوط متزايدة.
ولا يعني ذلك أن تغير المناخ هو السبب المباشر وراء انهيار الشبكة، لكنه يضيف ضغطًا إلى نظام يعاني بالفعل من ارتفاع الطلب والتسرب وتقادم البنية التحتية.
وتقر الحكومة الجنوب أفريقية بأن بعض مناطق البلاد تواجه نقصًا متزايدًا في المياه وتدهورًا في جودة الخدمة، وأن أجزاء من البنية التحتية القديمة وصلت إلى مرحلة الانهيار.
أزمة المياه تدخل موسم الانتخابات
مع اقتراب الانتخابات المحلية في 4 نوفمبر، تتحول أزمة المياه إلى اختبار سياسي مباشر.
وقد أظهرت انتخابات الحكم المحلي لعام 2021 حجم تأثير الخدمات العامة على شعبية حزب المؤتمر الوطني الأفريقي؛ إذ هبطت حصة الحزب من الأصوات إلى أقل من 50% للمرة الأولى منذ نهاية نظام الفصل العنصري.
وبعد أقل من ثلاثة أعوام، فقد الحزب أغلبيته في الانتخابات الوطنية، في مؤشر على تغير العلاقة بين الناخبين والحزب الذي حكم البلاد لعقود.
وفي جوهانسبرج، يقول بعض السكان، إنهم لن يصوتوا للحزب في الانتخابات المقبلة، بينهم شباب سيصوتون للمرة الأولى وسكان كانوا في السابق من مؤيديه.
وتدرك الحكومة المركزية حساسية الملف؛ فقد أقر الرئيس رامافوزا بأن فشل الخدمات يؤدي إلى غضب المواطنين، مؤكدًا أن على الحكومة والأحزاب تقديم خطط واضحة للناخبين.
هل تنجح خطة الإنقاذ قبل الانتخابات؟
أطلقت الحكومة في يوليو خطة وطنية لمعالجة أزمة المياه، وهي خطوة تعكس اعترافًا بأن المشكلة تجاوزت قدرة البلديات المتعثرة على التعامل معها منفردة.
وتتضمن الخطة إصلاحات تتعلق بالتمويل والإدارة، وزيادة الاستثمارات، ومشاركة القطاع الخاص، وتشديد المساءلة، ومواجهة الفساد، إلى جانب حماية إيرادات المياه وإعادة ضخها في الشبكات.
كما بدأت الحكومة بالفعل تنفيذ تدخلات عاجلة، بينها حفر آبار جديدة وإعادة تأهيل منشآت قائمة وتوفير مصادر مياه طارئة للمجتمعات المتضررة.
لكن التحدي الحقيقي في جوهانسبرج هو الزمن، فالمدينة لا تواجه مجرد عطل يمكن إصلاحه خلال أيام، وإنما تراكمًا لعقود من مشكلات البنية التحتية، بالتزامن مع أزمة مالية وارتفاع الطلب وتغير المناخ.
جوهانسبرج أمام مفترق طرق
تكشف أزمة المياه في جوهانسبرج عن مشكلة أعمق من جفاف الصنابير؛ إنها أزمة في العلاقة بين المواطن والمرفق العام.
ففي طرف من المدينة، يقف السكان لساعات أمام صهاريج المياه، بينما يدفع آخرون عشرات الآلاف من الراند لحفر آبار وتركيب خزانات وأنظمة تنقية.
وفي المنتصف تقف بلدية تمتلك ميزانية ضخمة وخططًا للاستثمار، لكنها تواجه فاقدًا مائيًا هائلًا وضغوطًا مالية وتراكمًا ضخمًا في احتياجات البنية التحتية.
أما الحكومة المركزية، فقد وضعت المياه على رأس أجندتها الوطنية وأطلقت خطة إصلاح واسعة، لكن نجاحها سيتوقف على قدرة السلطات على تحويل الخطط والميزانيات إلى أنابيب تُصلح، وتسربات تُوقف، وفواتير دقيقة، ومياه تصل فعلًا إلى المنازل.