من رابعة إلى داعش.. كيف قادت بيئة الإخوان الإرهابية بعض عناصرها إلى طريق التكفير والدم؟.. خبير فى شئون الجماعات الإرهابية: اعتصامات الإخوان كانت بوابة فكرية وتنظيمية لتيارات أكثر تطرفا

الخميس، 13 أغسطس 2026 10:00 م
من رابعة إلى داعش.. كيف قادت بيئة الإخوان الإرهابية بعض عناصرها إلى طريق التكفير والدم؟..  خبير فى شئون الجماعات الإرهابية: اعتصامات الإخوان كانت بوابة فكرية وتنظيمية لتيارات أكثر تطرفا الاخوان

كتب محمود العمري

لم تكن تداعيات سقوط حكم جماعة الإخوان الإرهابية في مصر عام 2013 مجرد أزمة سياسية انتهت بخروج الجماعة من السلطة، وإنما فتحت السنوات التي تلتها فصلا شديد الخطورة في تاريخ الجماعة والتيارات المتطرفة في مصر والمنطقة، بعدما كشفت وقائع وتحقيقات قضائية وأمنية عن انتقال عدد من العناصر التي تحركت في محيط الإخوان أو شاركت في اعتصام رابعة إلى دوائر أكثر تطرفا، وانتهى بعضهم إلى تنظيمات إرهابية مسلحة، من بينها تنظيم داعش .

ولا يعني ذلك أن كل من شارك في رابعة أصبح إرهابيا، أو أن الإخوان وداعش تنظيم واحد، لكن الوقائع تكشف عن مسارات فردية انتقلت من حالة الاستقطاب السياسي إلى التشدد الفكري، ثم إلى اعتناق أفكار تكفيرية والانضمام إلى جماعات مسلحة

بعد عزل محمد مرسي، رفضت جماعة الإخوان الإرهابية الاعتراف بالواقع السياسي الجديد، وتحول اعتصام رابعة إلى مركز للحشد والمواجهة، بينما تصاعد الخطاب السياسي والديني المحيط بالجماعة وأنصارها بصورة حادة. لم يعد الخلاف بالنسبة إلى قطاعات من هذا الخطاب مجرد صراع سياسي حول رئيس أو انتخابات أو دستور، وإنما جرى تقديم المشهد باعتباره معركة وجود بين «الشرعية» وخصومها، وهو ما ساهم في ترسيخ حالة من الاستقطاب والقطيعة مع الدولة ومؤسساتها. وفي مثل هذه البيئات، لا ينتقل الجميع إلى العنف، لكن العناصر الأكثر تشددا تصبح أكثر قابلية لتقبل خطاب يرفض التسوية السياسية ويصور المواجهة باعتبارها معركة لا تنتهي إلا بإسقاط الخصم، وهنا تستغل الجماعات التكفيرية حالة الغضب والإحباط، فتقدم خطابا أكثر راديكالية يقوم على فكرة أن السياسة فشلت، وأن الحل ليس في الانتخابات أو التفاوض، وإنما في المواجهة المسلحة.


وتكشف التحقيقات في قضايا الإرهاب المرتبطة بتنظيم «ولاية سيناء» عن نماذج لعناصر شاركت في اعتصام رابعة أو تحركت في دوائر مؤيدة لجماعة الإخوان، ثم انتقلت لاحقا إلى التنظيمات الجهادية، ووفقا لما ورد في التحقيقات المنشورة آنذاك، اعتنق بعض المتهمين الفكر التكفيري، وبايعوا زعيم تنظيم داعش، وانتقلوا إلى سيناء، حيث تلقوا تدريبات عسكرية وانضموا إلى خلايا نفذت عمليات استهدفت قوات الجيش والشرطة والمنشآت العامة. وتكشف هذه الحالات عن تحول جذري في مسار بعض الأفراد؛ فالشخص الذي كان موجودا في اعتصام رابعة أصبح لاحقا جزءا من تنظيم مسلح، والشخص الذي كان يتحدث عن استعادة «الشرعية» وجد نفسه في النهاية أمام تنظيم لا يعترف أصلا بالانتخابات أو الأحزاب أو الدولة الوطنية، وإنما يقوم على البيعة والقتال وإقامة مشروعه بالقوة.

‎وهنا تظهر المفارقة الأبرز في العلاقة بين الإسلام السياسي والتنظيمات التكفيرية. فالإخوان الإرهابية وداعش ليسا تنظيما واحدا، وهناك اختلافات واضحة بينهما في التنظيم والمنهج والأهداف، لكن السنوات التالية لـ2013 كشفت أن بعض الأفراد يمكن أن ينتقلوا من بيئة الإسلام السياسي إلى جماعات أكثر تطرفا عندما يفقدون الثقة في العمل السياسي أو يقتنعون بأن المواجهة السلمية لم تعد قادرة على تحقيق أهدافهم.

التنظيمات الجهادية استغلت هذه الحالة، وبدلا من أن تقدم نفسها كبديل سياسي، قدمت نفسها باعتبارها البديل المسلح، وأقنعت بعض المنضمين إليها بأن الانتخابات والسياسة والتعددية ليست سوى أدوات باطلة، وأن الطريق الوحيد هو «الجهاد» وإسقاط الدولة وإقامة «الخلافة».

ولم تكن هذه التحولات مرتبطة دائما بأشخاص لديهم تاريخ طويل في التنظيمات الجهادية، فبعض أشهر النماذج المصرية التي التحقت بداعش بدأت من حياة اجتماعية عادية قبل أن تنتقل تدريجيا إلى التشدد، ومن بينها إسلام يكن الذي تحول من شاب مصري يعيش حياة عادية إلى أحد عناصر تنظيم داعش وظهر في الدعاية الخاصة بالتنظيم. وتكشف هذه القصة عن قدرة الجماعات الإرهابية على إعادة تشكيل هوية الفرد، فالشخص يبدأ بتبني أفكار متشددة، ثم ينفصل تدريجيا عن محيطه، ويتواصل مع دوائر أكثر تطرفا، قبل أن يصبح جزءا من تنظيم مسلح.

وفي حالات أخرى لعبت الصداقة والعلاقات الشخصية دورا في نقل الأفكار والتجنيد، كما حدث مع محمود الغندور الذي ارتبط بإسلام يكن ثم التحق بداعش، لتتحول العلاقة الشخصية إلى جزء من مسار انتهى بالانضمام إلى تنظيم إرهابي عابر للحدود.

‎أما في مصر، فقد كان تنظيم «ولاية سيناء» أحد أبرز التعبيرات عن التحول من التطرف الفكري إلى الإرهاب المسلح. فبعد مبايعة أنصار بيت المقدس لتنظيم داعش، تحول التنظيم إلى «ولاية سيناء»، وبدأ في تنفيذ عمليات إرهابية واسعة استهدفت قوات الجيش والشرطة والمنشآت العامة، كما طالت المدنيين في عدد من الهجمات الدموية.

ولم يعد الأمر مجرد خلايا محدودة أو عمليات فردية، وإنما أصبح جزءا من مشروع إرهابي مرتبط بتنظيم داعش، يقوم على إنشاء بنية مسلحة داخل الأراضي المصرية وتنفيذ هجمات مستمرة ضد الدولة. وفي القضايا المرتبطة بالتنظيم، ظهرت تفاصيل عن خلايا متعددة، وعمليات تدريب وتسليح، ومخططات لاستهداف شخصيات ومؤسسات أمنية، وهو ما كشف حجم المسافة التي قطعها بعض الأفراد من الخطاب السياسي إلى العمل الإرهابي المنظم.

الأكثر إثارة للقلق أن مسار التطرف لم يتوقف عند الشباب الذين تحركوا في دوائر سياسية أو دينية، وإنما ظهرت أيضا حالات لضباط سابقين في مؤسسات أمنية انتهوا إلى التنظيمات الإرهابية، وهو ما كشف أن التنظيمات المتطرفة كانت تسعى إلى استقطاب أصحاب الخبرات المختلفة. فوجود شخص لديه معرفة بالعمل الأمني أو العسكري يمثل قيمة كبيرة لأي تنظيم مسلح، لأنه يستطيع نقل خبرات ومعلومات وأساليب عمل إلى التنظيم. ومن بين الحالات التي ظهرت في هذا السياق أسماء ضباط سابقين ارتبطوا بولاية سيناء، لتكشف هذه الوقائع الوجه الأكثر خطورة لعملية الاستقطاب، عندما ينتقل الفرد من مؤسسة الدولة إلى تنظيم يعمل على استهدافها.

لكن السلاح لم يكن نقطة البداية، وإنما كانت نقطة البداية هي الفكرة. فالتنظيمات التكفيرية تعتمد على عملية تدريجية لإعادة تعريف الآخر في ذهن الشخص، فيبدأ المختلف باعتباره خصما، ثم يتحول إلى عدو، ثم إلى خائن، ثم إلى كافر أو مرتد، وبعد ذلك يصبح استهدافه قابلا للتبرير داخل المنظومة الفكرية المتطرفة. وهذه هي النقطة التي يتحول فيها الخلاف السياسي إلى عنف، لأن الخصم لم يعد شخصا يمكن الاختلاف معه أو مواجهته في الانتخابات، وإنما يصبح في نظر المتطرف جزءا من «معسكر العدو». وبمجرد أن يترسخ هذا التصور، يصبح حمل السلاح نتيجة محتملة لمسار فكري بدأ قبل ذلك بكثير.

والأخطر أن الفكر التكفيري لا يتوقف عند خصومه السياسيين، بل يمتد في النهاية إلى الجماعات الإسلامية الأخرى. فداعش نفسها لم تنظر إلى جماعة الإخوان باعتبارها شريكا دائما، بل رفضت الديمقراطية والعمل الحزبي والدولة الوطنية، واعتبرت أن الجماعات التي تقبل بهذه الأدوات تخلت عن منهجها. ولهذا يمكن لشخص يبدأ داخل بيئة إسلامية سياسية أن يجد نفسه في نهاية المطاف أمام تنظيم يكفر الجماعة التي كان يتحرك في محيطها. فالتطرف لا يعرف منطقة وسطى؛ من لا يبايع يصبح عدوا، ومن يرفض الانضمام يصبح موضع اتهام، ومن يختلف مع التنظيم يمكن أن يتحول إلى هدف.

القصة في النهاية ليست قصة اعتصام فقط، وإنما قصة تحول فكري وسياسي وأمني بدأت لدى بعض الأفراد بحالة من الغضب والاستقطاب، ثم تطورت إلى رفض كامل للدولة، ثم إلى تبني أفكار تكفيرية، ثم إلى البيعة لتنظيمات مسلحة. وبين هذه المراحل كانت الجماعات الإرهابية تقدم نفسها باعتبارها صاحبة الحل النهائي، وتستغل شعور بعض الشباب بالإحباط لتدفعهم إلى طريق لا عودة منه، وهنا تتكشف إحدى أخطر نتائج خطاب الإخوان الإرهابية بعد سقوط حكمها؛ فحين يتحول الخلاف السياسي إلى خطاب كراهية، وحين يصبح الخصم عدوا دائما، وحين يتم تصوير الدولة ومؤسساتها باعتبارها طرفا في معركة دينية، فإن العناصر الأكثر تشددا تصبح أكثر استعدادا للانتقال إلى خطاب أشد تطرفا.

وقال إبراهيم ربيع، القيادي الإخواني المنشق والخبير في شؤون الجماعات الإرهابية، إن انتقال بعض العناصر من جماعة الإخوان إلى تنظيمات مثل داعش وجبهة النصرة لم يكن أمرا مفاجئا، وإنما جاء نتيجة مسار فكري وتنظيمي يسمح بانتقال العناصر الأكثر تشددا من إطار الجماعة إلى تنظيمات أكثر تطرفا، موضحا أن حالة اليأس والإحباط التي أعقبت سقوط حكم الإخوان ساهمت في دفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل أكثر عنفا، بعدما فقدوا الثقة في إمكانية تحقيق أهداف الجماعة عبر العمل السياسي

وأضاف ربيع أن خطورة الإخوان لا تتوقف عند ممارساتها السياسية، وإنما تمتد إلى البنية التنظيمية والفكرية التي تقوم على الولاء للجماعة والانغلاق التنظيمي، مشيرا إلى أن هذه البيئة يمكن أن تنتج عناصر أكثر تشددا عندما تتعرض الجماعة لهزات سياسية وتنظيمية. وأكد أن تاريخ الجماعات المتطرفة يكشف انتقال بعض العناصر من تنظيم إلى آخر، وصولا إلى التنظيمات التي تتبنى التكفير والعنف الصريح، معتبرا أن الفارق بين الجماعات لا يلغي وجود مسارات فكرية وتنظيمية انتقل عبرها أفراد من الإسلام السياسي إلى التنظيمات الجهادية

وأوضح القيادي الإخواني المنشق أن اعتصام رابعة مثل بالنسبة إلى بعض العناصر مرحلة فاصلة، بعدما تحولت حالة الصدام السياسي إلى بيئة شديدة الاستقطاب، مشيرا إلى أن الجماعة، وفقا لما سبق وكشفه عن تجربته داخل التنظيم، امتلكت خلال تلك المرحلة هياكل وكيانات استخدمت في تنفيذ أنشطة عنيفة بعد سقوط حكمها، قبل أن تظهر لاحقا كيانات مثل «حسم» وغيرها من التنظيمات المرتبطة بالعنف. وأضاف أن بعض العناصر الأكثر تشددا لم تتوقف عند هذا المستوى، وإنما وجدت طريقها إلى التنظيمات الجهادية التي كانت أكثر وضوحا في تبنيها للعنف والتكفير.

وأشار ربيع إلى أن أخطر ما في هذه التحولات هو أن الفرد لا ينتقل من العمل السياسي إلى الإرهاب في لحظة واحدة، وإنما يمر بمراحل تبدأ بالاستقطاب والكراهية ورفض الآخر، ثم تتحول إلى قطيعة مع المجتمع والدولة، وصولا إلى تبني فكرة أن العنف هو الوسيلة الوحيدة للتغيير، وأكد أن تنظيم داعش استفاد من هذه البيئة في استقطاب عناصر من خلفيات مختلفة، مستغلا مشاعر الغضب والإحباط، ومقدما نفسه باعتباره البديل الأكثر تطرفا وحسما.

وشدد ربيع على أن تجربة الإخوان تكشف أن التنظيمات المغلقة يمكن أن تتحول إلى بيئة لإعادة إنتاج التطرف، موضحا أن الجماعة عندما تقدم نفسها باعتبارها صاحبة الحقيقة والمرجعية الوحيدة لأعضائها، فإن العناصر الأكثر تشددا داخلها قد تجد نفسها لاحقا أمام تنظيمات أكثر راديكالية، خصوصا عندما تفشل الجماعة في تحقيق أهدافها السياسية، وأضاف أن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على ملاحقة العناصر المسلحة، وإنما تتطلب مواجهة الأفكار التي تسبق حمل السلاح، وتفكيك خطاب التكفير والاستقطاب الذي يحول الخصومة السياسية إلى عداوة دينية ومجتمعية.

وأكد إبراهيم ربيع أن المسار من الإخوان إلى التنظيمات التكفيرية يكشف خطورة استغلال الدين في الصراع السياسي، موضحا أن الفارق بين من يستخدم الخطاب الديني للوصول إلى السلطة ومن يستخدمه لتبرير الإرهاب قد يكون في الأدوات والمرحلة، لكن النتيجة الأكثر خطورة تظهر عندما يتحول الانتماء التنظيمي إلى ولاء مطلق، ويصبح الخارج عن الجماعة عدوا، ثم يصبح العنف وسيلة مقبولة للتعامل معه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة