حازم حسين

حرائق السياسة وجليد الحرب

الأربعاء، 12 أغسطس 2026 02:00 م


ما لم تحدث مُعجزة؛ فالوضع القائم فى المنطقة لن يتبدّل غالبًا، أقله فى الشهور الثلاثة المُقبلة. لا الولايات المتحدة ستُصعّد الحرب، ولا إيران ستزحف على بطنها للسلام، والصهاينة لن ينحرفوا عمّا هم عليه: تابعون شمالاً، مُتمرّدون جنوبًا، ومُحتالون دائمًا وأبدًا.

ولا حيرة أكبر مِمّا يعيشه دونالد ترامب؛ فالرجل الذى هدّد الفُرس بإبادة حضارتهم، لم يجد ما يرُدّ به مؤخّرًا على تشدّدهم؛ إلا التلويح بأنه سيطلب تعويضات عن ضحايا الجمهورية الإسلامية، مثلما يطالبون بالتعويض عمّا تعرّضوا له من ضربات.

وفى المقابل؛ فإنه يرعى تفاهمات بين بيروت وتل أبيب ما وصلت لشىء، ولن تصل فى المدى المنظور. ويضع توقيعه على ورقة مُحدّثة بشأن غزّة؛ ثم يتجاسر حليفه الصغير على أن يطويها ويُطوّحها فى سلّة القاذروات أسفل مكتبه.

وغالب الظن؛ أنها خُطوة اتُّخِذَت بالتنسيق، وفى ضوء مصالح واحتياجات مُتبادَلة، وتلك مشكل فى حدّ ذاتها. لأن الإدارة الأمريكية تُبدى علنًا ضيقها من نتنياهو، وتسانده سرًّا، ويبدو أنها تُعوّل على أن يبقى فى موقعه، لا محبّة له أو خدّمة مجانية؛ إنما لاحتياج حقيقى إلى أدواره القذرة.

إزاء موقف أقلّ تشدّدًا من جانب حماس قبل شهور، هدّدها سيد البيت الأبيض صراحةً بالجحيم، فيما على الجانب الآخر، قال مُعاونوه إنه لن يكون مسرورًا إن رفضت الحكومة الإسرائيلية خطّته، ثم جلس ملادينوف مع رئيسها، وأبدى تفهّمه، وربما منحه الضوء الأخضر للرفض.

كان «طوفان السنوار» لعنة حقيقية على المنطقة كلها، والتذكُّر ليس من قَبيل البكاء على الأطلال، أو لعق الجراح المفتوحة منذ ثلاث سنوات، وما يُضاف إليها من طعنات طازجة.

إنما لأن الاستدراك لن يحدث ما لم تُستوعَب الدروس، ويُعاد النظر فى الصيغة الأصولية التى صاحبتنا ونغّصت علينا معاشنا فى القرن الأخير كاملاً!

كانت الساحة على وضع سيئ بالفعل؛ لكنها صارت أسوأ بما لا يُقاس. البقعة الوحيدة الأقل سوادًا فى الشام مثلاً، وقد سقطت تفّاحتها من يد السفّاح إلى حِجر الدواعش، واقتُطِعت نِتَفٌ كُبرى من لحمها شمالاً وجنوبًا، وتُستتبَع لأطرافٍ عِدّة فى وقت واحد، والفتنة مُستلّطة على جغرافيّتها ومكوّنات هوّيتها المُتنوّعة.

أمّا لبنان؛ فقد سقطت الدويلة على رأس أصحابها، وما استقرّت أُسس الدولة بعد. تهشّم رأس حزب الله، وتقطّعت أطرافه، وآل من حال التبعية المُدارة بقائد ذى كاريزما ورؤية؛ وإن اختلفنا معه، إلى نقل الملكية بصورة كاملة، وتنصيب ضبّاط حرس الثورة فى مواقع القرار، واتّخاذ ما يتعارض مع أولويات البلاد والعباد، بلا تنسيق مع الميليشيا نفسها، أو اعتبار للسلطة الشرعية.

والحماسيّون ماطلوا وتبجّحوا طويلاً؛ ثم رضخوا لحقيقة أن تراجيديا الواقع تسبق أوهامهم البطولية بخطوات واسعة.
والنزول على شرط نزع السلاح مؤخّرًا؛ إنما ينطوى على اعتراف ضمنىّ بالهزيمة، وأن السياق لم يعُد يحتمل أفكار الماضى، ومرحلة المقاومة المصبوغة بشعارات الدين وإملاءات الخارج انطوَت تمامًا، ويتعيّن الانتقال إلى صورة أكثر نضجًا من النضال السياسى والمدنى غير المُلوّن.

وافقت الفصائل على ما كان يتمنّاه نتنياهو وعصابته، وصاروا يرفضونه اليوم. بالضبط كما تضخّمت الأمور بين واشنطن وطهران فى مياه الخليج، وبات كل طرفٍ يتمنّى من الآخر ما كان يعرضه عليه من قبل!

وليس مأمولاً فى الأسابيع العشرة المُقبلة، أن يُقرّ زعيم الليكود بما يُحمَل على التهدئة أو إبقاء حماس فوق حدّ الفناء الذى وعَد به سابقًا. يُناكف وراء الليطانى، ويُطيّر الشرر فى ساحة البارود بين الأمريكيين والإيرانيين؛ غير أن المضمون حتى الآن بالنسبة له أنه يقبض على خناق غزة، ولن يُخلّى سبيلها قبل موعد الانتخابات.

وإلى ذلك؛ فالحليف الأمريكى فى الانتظار أيضًا، وامتحانه بعد أسبوع من حليفه. والاحتمالات مركّبة ومتشابكة، وبالغة التعقيد لدى الجانبين، وكلها تصبُّ فى صالح مُتطرّفى الدولة العبرية للأسف، أو بالقليل فى خيار أن يبقى الحال على ما هو عليه.

كان الطوفان هادرًا، هزّ الأرض بما عليها، وخلخل التوازنات القديمة. تحرّكت الصفائح التكتونية على طول الإقليم وعرضه، ولم تستقر حتى الآن، وإلى أن تتشكل الكُتل الجديدة سيبقى مناخ السيولة حاكمًا للمواقف والتصرّفات، ولتأويل كلٍّ منها بمفردها، وفى حِزَمٍ مُتضامّة!

إن فاز ائتلاف الليكود بتركيبته الحالية فلن يتغيّر شىء، وإن لم يفز فسيبقى نتنياهو أسابيع أو شهورا لحين تشكيل بديل، وقد لا ينجح الخصوم فيُحتَكَم للناخبين مُجدّدًا، مع فرصة أكبر فى تعويم نفسه لدى الشارع، وتسويق برنامجه باعتباره الخيار الوحيد.

وفى كل الأحوال؛ فقد مُسِخ المجتمع وتقولَب تمامًا، وأقلّه تطرّفًا يختلف فى إيقاع القتل لا المبدأ، فيما يتّفقون جميعًا على ألا تُقام دولة فلسطينية، أو يُترَك هامش آدمى وفيه قدر من العدل والإنسانية للفلسطينيين.

وإذا فاز الجمهوريون؛ فسيتعاظم غرور ترامب على كل الساحات إلا إسرائيل، فلن تتغير المُعادلة القائمة: كبحها فيما يخص الجمهورية الإسلامية؛ إلا لو احتاجها لهدفٍ أكبر، وضبط حركتها فى سوريا، والشد والجذب معها فى لبنان، وإرخاء حبلها تمامًا فى غزة والضفة.

والعجوز «بيبى» يعرف مفاتيح رجل الصفقات، وإن خسر فريقه فى التجديد النصفى؛ فلديه من الوسائل ما يُعادِل به الكفّة فى الولايات المتحدة، ويصون مصالحه وحساباته، ويرقص بجماعات الضغط على الحبل المشدود بين الحزبين، دون أن يقع أو يخسر شيئًا من المُكتسبات المُتراكمة.

قد تتغير السياسة فى واشنطن وتل أبيب نسبيًّا؛ إنما لن تختلف أوضاع طهران، ما لم تقع المُعجزة فى زمن لا يعرف المُعجزات. المُرشد غائب ينوب عن غائب، والحرس يقبض على المقاليد كلها، ولا انتخابات شكلية حتى فى القريب.

تتحول جمهورية الولى الفقيه إلى مُجرّد ستار، يتشكّل من ورائه نظام يغلُب عليه الطابع العسكرى. اختلف «ذو القَدَر» مع حرس الثورة؛ فأطاحوه من أمانة مجلس الأمن القومى، واستبدلوا به صقرًا من الغُلاة، ثم استكملوا التحوّل بحزمة قرارات ممهورة بخاتم مُجتبى الخفىّ، تُثبّت قيادة الحرس، وتُظهّر النكهة اللاذعة فى الباسيج وبعض الأجنحة.

قطط وفئران تُطارد بعضها، ويشدّ كل منهما حبلاً لا يُمسكه الآخر؛ لهذا لا يتقاربان، ولا يفوز أحدهما على غريمه اللدود. وكانوا قديمًا، إذا سقط طرفٌ منهما، أعانه الثانى على الوقوف مُجدّدًا. اتّحدا ضدّ المنطقة، ويتصارعان عليها الآن!

والمفارقة؛ أن بعض القوى الإقليمية تخشى على نظام طهران، بأكثر مِمّا يخشى على نفسه. باكستان وقّعت اتفاق مكّة، وعقّبت عليه بصفقة مع إيران تُعظّم التعاون والتجارة وفتح المعابر، ولدى تركيا مصالح اقتصادية ونفطية، وسبق أن أحبطت مُخطط تحريك المجموعات الكردية لإسقاط النظام.

فيما اتفاقية الدفاع مُجرّد مظلّة للسعودية، التى سبق أن وقّعت اتفاقا مع طهران فى بكين، وإلى الآن تحاول احتواء انفلاتها، ولا تروم العداوة أو تصعيد الصراع!

ستزحف المنطقة على قوائمها لأسابيع، وستتجمّد فى صيفٍ لاهب، كأنها ثلج يعانق نارًا؛ ثم ستظل فى صيرورة حركتها السائلة شهورًا أو سنوات.

أمريكا لن تُغادرها قريبًا، وإسرائيل لن تصير ملاكًا أبدًا، وإيران أقرب للتغيُّر؛ إنما المُهم ألا يكون بانفجارٍ لا يُحَدّ، ولا بكُلفة أكبر من احتمالها ودول الجوار!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة