في أزقة الريف القديمة، وشوارع القاهرة العتيقة، وأمام البيوت التي تساقط طلاؤها ولم تسقط هيبتها، تُسمع دائمًا عبارة تتردد على الألسنة كمعزوفة أزلية: "الله يرحم أيام البركة".
يرفع القائل رأسه نحو السماء، كأنه يستحضر زمنًا كانت الضحكة تخرج من القلب بلا تصريح، وكانت الجيرة صلة رحم لا مجرد سكن في نفس الطابق.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بين مطارق الحاضر وسندان الماضي: هل كانت الحياة أسهل حقًا، أم أن ذاكرتنا ممارسة معتادة للهروب الذكي من وطأة الواقع؟
إن البركة في الوجدان الجمعي المصري لم تكن مجرد قيمة مادية، بل كانت حالة نفسية، كانت تتجلى في صينية العشاء التي تطول لتسد جوع الجيران، وفي "لفة العيلة" أمام شاشة واحدة تبث مسلسل الثامنة مساءً.
كان الوقت يتحرك ببطء لئيم، لكنه بطء يمنحك فرصة أن تتنفس، أن تتأمل، وأن تحب.
اليوم، سحبتنا التكنولوجيا إلى مضمار سريع، صار فيه كل شيء متاحًا بلفتة أصبع، لكننا فقدنا في الطريق متعة الانتظار وسحر البساطة.
ومع ذلك، ينبغي ألا نقع في فخ "العمى العاطفي"، فصورة الماضي ليست كلها ألوانًا وردية؛ إذ كانت هناك مشاكل صحية وأزمات اقتصادية وفقر يربض على الصدور. غير أن العقل البشري يمارس حيلة ذكية تُدعى "النسيان التجميلي"؛ إنه يفلتر الآلام ويحتفظ بالمسرات، يمحو خطوط التجاعيد من وجوه الأيام القديمة ويزرع بدلاً منها ابتسامة دافئة.
نحن لا نحنّ إلى الماضي لذاته، بل نحّن إلى أنفسنا عندما كنا أكثر براءة وأقل قلقًا بشأن الغد.
بين حنين يتغذى على الذكريات وواقع ينبض بالحداثة، تظل "أيام البركة" سرًا مصريًا خالصًا.
لم تكن الأيام هي التي تغيرت، بل النفوس التي تثقلت بالركض المستمر. ربما لم تكن الحياة أسهل قديماً، لكن القلوب كانت أخف حِملاً، والعقول كانت أقل زحاماً، والبركة، في جوهرها، لم تكن في قلة التكاليف، بل في وفرة الرضا.