مرّ عمر بن الخطاب بالسوق، فوجد رجلاً يُمسك تمرةً، ويصرخ على صاحبها المجهول، فنظر إليه قائلاً: «كُلْها يا صاحبَ الوَرَع الكاذب»!
وكأنّى أرى المشهد فى واقعة المطعم، والفتاة التى تاجرت بالصلاة، كأنها تُشهِرُ «قميصَ عثمان»، قبل خطوةٍ واحدة من حروب الفتنة الكُبرى.
رأيتُه موقفًا صغيرًا، أخذ أكبر من حجمه، قبل أن أكتشف أنه نُفِخَ عَمدًا. وأنّ صاحبته الحقيقية لم تظهر، وتصدّت له صديقتها التى لم تُصَلّ أو تُمنَع.
وليست مُصادفةً أن تكون ابنةَ كادرٍ إخوانىٍّ، ولها شقيق قُتِل فى أحداثٍ من جُملة الفوضى التى افتعلها التنظيم، ولا أن تتجنّد الحظيرةُ بكلِّ خِرافها للتخديم على تقواها الزائفة!
لا خيرَ فى الإخوان، ولن يكون، ولن تتطهّر الجماعة وعناصرها، ولو وقفوا على نهرٍ جارٍ. سوادُ قلوبهم طافحٌ على الوشوش، وسوء الطويّة جلىٌّ فى السلوك، وإن أنكروا، وذهبوا لغاياتهم السيّئة من طُرِقٍ تبدو للناظر طيبّة وطاهرة!
عرّجتُ على المسألة أمس، وقلتُ إنَّ سيّدة «فاضلة» أحدثت لغطًا فى مطعم، و أسحبُ الصفة الواردة بين مُزدوجين، بعدما تبيّن لى، بالبحث والاستيثاق، أنه لا فضلَ ولا عدل فى موقفها ومَنْ معها، ولا فى الزخم المُفتعَل حولها، لا سيّما من مدير مجموعة «فيس بوك» المشبوه!
والقصة أوّل ما تردّدت، كانت عبر جروب ذائع، يضم نحو مليونَى عضو. ويخوض حملاتٍ مُمنهجةً ومُثيرة للشكّ بين وقت وآخر. وبقليلٍ من الفحص، ستعرف أن مُؤسِّسَه من أبناء التنظيم، وشقيقه مُتورّط فى أنشطته وتمويلاته بالخارج.
وأقربُ توصيف للأزمة المُفتعَلَة، أنها «مسجد ضِرار»، على غرار القصة الشهيرة زمن النبى، بغرض مُزاحمة «قُباء»، وإثارة الفتنة وتقسيم المُسلمين.
هكذا كان حسن البنا عندما أسّس جماعته لإضعاف الهُويّة الوطنية البازغة ودُعاة الاستقلال، ودرّب مُقاتلين فى نظامه الخاص لتحييد الخصوم وإرباك الدولة، ونفّذ اغتيالاتٍ بالفعل. وهكذا ورثته جميعًا، ومندوبهم فى الاتحادية، واعتصام رابعة ضد التحرير، والإرهاب بفصائله وموجاته اللاحقة.
فى 2011 فرضوا سطوتهم على الترتيبات الانتقالية، ونجحوا فى حرف التعديلات الدستورية عن مسارها القويم، وراجت وقتها عبارةٌ من داعية مُتطرّف حليف لهم: «وقالت الصناديق للدين نعم»، واعتبروها غزوةً، كما تعاملوا مؤخّرًا مع مسرحيّة المطعم.
وقد تكون الغزوة الأخيرة مُرتّبة ومقصودة أو لا، ولا أجزم بأحد الاحتمالين، غير أنّ الذهنية الأُصوليّة تشتغل بطريقةٍ واحدة دومًا، وتتحصّل عن حركتها نتائجُ مُتطابقة، سواء خُطِّطَ للأمر أحيانًا، أو تفجّر بالمصادفة ودون قَصدٍ.
ينطلقُ المُتطرّفون من استحقاقيّةٍ تتسلّط على نفوسهم المُعتلّة، مع سيكولوجيّة جهادية تَعُدّ أنها فى حربٍ على العالم، ومُكلّفة بهدايته، أو زَجره والحطّ من شأنه، وإشعاره بالخزى، لأجل أن تكتمل لهم هالة الاستعلاء. يُصغِّرون الآخر زورًا، لتصعد ذواتُهم الضئيلة على سلالم الأوهام!
وعليه، فسلوك قطيع الرجعيّة الدينية، أو كُتلته الأكبر فى أحسن الأحوال، نابعٌ من شعورٍ بالدونيّة، ومن عجزٍ عن التحقُّق، وسَعىٍ لالتماس القيمة فى المظهر.
ولأجل سدّ الثغرات المُتّسعة فى نسيج أرواحهم المهترئة، غير المؤمنة صِدقًا، ولا الواثقة حقًّا، يستجلبون السماء طرفًا فى مُنافسة تحكمها قوانين الأرض، ولا معنى فيها لأن تُقرّ لنفسك بالإيمان، إذ الحُكم من اختصاص الله حصرًا.
أُنشِئَت الجماعةُ أصلاً لتشقّ الصفَّ، وتكون خنجرًا فى خاصرة المجتمع وتجانسه. وأقرب الظنون أنها حظِيَت بدعمٍ من الاحتلال وقتها، ومُوِّلَت من شركة قناة السويس/ الفرنسية، بأدلّة لا شكّ فيها. ولم يكُن الأمر محبّةً للدين ودُعاته، إنما لغرضٍ فى نفسِ من يكره مصر والمصريين.
إنّ لها تاريخًا طويلاً فى التفرقة والتمييز على كل المستويات، من تفجيرات حارة اليهود قبل عقودٍ، إلى إحراق الكنائس بعد 30 يونيو، وبينهما تكفير وترهيب المسلمين من غير لونها، واغتيال مواطنين أبرياء من كل الفئات.
كان الوفد صاحب الشعبية الأكبر فى الشارع، وعندما فاز بإحدى الانتخابات وصدّر صحيفته بعنوان «الشعب مع الوفد»، خرجت صحف الإخوان ورسائلهم وتظاهراتهم بالمعنى الضدّ «الله مع الملك».
لعبوا من ضباط يوليو وانقلبوا عليهم، ومع السادات وقتلوه، ومبارك ثم تآمروا عليه.. وبعد يناير 2011 رقصوا على كل الحبال: الدولة ومؤسساتها الصلبة، القوى السياسية وشباب الثورة، والخارج وأمواله وأجهزة استخباراته.
رفضوا دعوات التظاهر، ثم ركبوه. اقتحموا السجون وأحرقوا الأقسام. وقفوا ضد رغبة الشارع، واحتالوا عليه ليُشوّهوا إرادته ويحرفوها عن المسار السليم.
افتعلوا أحداث محمد محمود، ومجلس الوزراء، وحاصروا المحكمة الدستورية ومدينة الإنتاج الإعلامى. استدعوا قتلة السادات لاحتفال أكتوبر، وتحالفوا مع الإرهابيين القُدامى والُجدد علنًا.
ما علاقة كل ذلك بواقعة المطعم وفتاة التديّن الزائف؟ كلها فروع على أصلٍ واحد، وتنويعات من القصة السخيفة نفسها: تيّار طلع من أرض البلد كالنبت الشيطانى، لا يُحب الطين ولا بقيّة النباتات المُحيطة، ولا حياة له إلا بأن يموت الآخر، أو يُحوّل مُحيطه حقلاً من الشوك!
بإمكانها أن تُصلّى فى بيتها، وأن تذهب للمسجد، أو تتمشّى خمسين مترًا إلى مُصلّى المول. لكنها ستُخالف نظام مكانٍ خاصٍ يُقدّم خدمة للجمهور، لأنها لا تعترف بفكرة النظام والقانون أصلا!
ستصطنع أزمة من العدم، وتُزايد على عقائد الناس واتّصال قلوبهم بخالقهم. ستستغل فوضى مواقع التواصل، وفيالق الحمقى والمخبولين الذين تستدرجهم العواطف الدينية.
وستقسِّم الملايين إلى فئتين أو أكثر، على أمل أن ينعكس الانقسام على الشارع، وبرهانٍ على التراكم وما يبقى فى الوعى الجمعى من أثر الضربات الدعائية، وكرابيج الفتنة التى يُفطَمون عليها من طفولتهم، ويرافقونها طوال أعمارهم، ولا يتركونها نائمةً أبدًا.
يتنطّعون ويستفرغون وسخ صدورهم وعقولهم، و»هلك المُتنطّعون» كما قال الرسول. ولا نطاعة أكبر من أن تعتبر البنت حصيلة فعلها «صدقة جارية» لوالدها، وقد تسبّبت فى طرد موظّف، وأذى أسرة كاملة.
لكنّ الذين يُعادون بلدًا ويتمنّون خرابه، وأرهبوا أهله واستحلّوا دماءهم، لا يكثُر عليهم فعلٌ، ولا يُستَغرَب منهم جُرم.
أغلقت صفحتها بعدما أدّت المطلوب، إنما القصة تستوجب التوقف بجدّية، معها ومع سواها، والجروبات المشبوهة، واللجان، ومَن يسعون للفتنة.
أحرق الرسول المسجد الضِّرار، ولم يُصَلّ على المُنافقين.. هكذا اقتصّ قديمًا، والمُساءلة والقانون والتصدّى للابتزاز والشحن، كلها أدوات عصرنا للرَّدع والقصاص، وحصار التطرُّف والمُتطرّفين.