حين نفتح ملف "الاقتصاد غير الرسمي" على طاولة النقاش وصنع السياسات، فإننا لا نتحدث عن مجرد أرقام ضائعة من الموازنة العامة للدولة، بل نقف أمام ظاهرة سوسيولوجية معقدة تمس ملايين الأسر المصرية. فهذا القطاع، الذي يستوعب شريحة ضخمة من قوة العمل، لم ينشأ من فراغ، بل هو تجسيد حي لـ "عبقرية الصمود المجتمعي"؛ حيث خلق المواطنون لأنفسهم شبكات أمان معيشية وفرص عمل عابرة لتعقيدات البيروقراطية في أوقات التحولات الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق الدقيق، جاءت نقاشات ورشة عمل تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين لتؤكد أن مقاربة هذا الملف الحساس يجب أن تتجاوز النظرة الجبائية أو العقابية الضيقة، لتنطلق نحو أفق أرحب يرتكز على بناء الثقة والمأسسة الاجتماعية.
إن الأزمة الحقيقية التي تعرقل دمج هذا القطاع الحيوي في جسد الاقتصاد الرسمي لا تكمن فقط في التشريعات، بل في الحاجز النفسي وأزمة الثقة المتراكمة. فالمواطن البسيط أو الشاب صاحب المشروع المتناهي الصغر يخشى دائماً من "فخ البيروقراطية"، ويسيطر عليه هاجس أن خطوة التسجيل القانوني ستفتح عليه أبواب الضرائب والرسوم دون أن يتلقى حماية أو خدمات مقابلة. لذا، فإن تفكيك هذه المخاوف يتطلب صياغة عقد اجتماعي ونفسي جديد، يتبنى منهجاً قاطعاً يقوم على فكرة "التحفيز المرئي لا التخويف"، بحيث يلمس المواطن بنفسه أن العوائد التي سيجنيها من الانضمام للقطاع الرسمي تتجاوز بكثير أعباء البقاء في اقتصاد الظل.
ولترجمة هذه الرؤية السوسيولوجية والسياسية إلى واقع تنفيذي، فإننا بحاجة إلى تحرك متوازٍ على عدة مسارات، يبدأ بإحداث ثورة إدارية تتجسد في إطلاق "شباك واحد افتراضي". هذا الشباك يجب أن يكون منصة رقمية متكاملة تتيح ترخيص المهن الحرة، والمشروعات المنزلية، وعربات الطعام في دقائق وبأقل تكلفة، لكسر رهبة التعامل مع المكاتب الحكومية. ولا يمكن لهذه الخطوة أن تثمر إلا إذا اقترنت بـ "حزمة مزايا ذكية" وفورية، كأن يُقابل الدمج الرسمي بضم هؤلاء العاملين لمظلة التأمين الصحي الشامل، وتسهيل نفاذهم إلى القروض الميسرة من أجهزة تنمية المشروعات، مع منحهم فترة سماح وإعفاء ضريبي مؤقت لعدة سنوات حتى تترسخ أقدام مشروعاتهم وتتحول إلى كيانات اقتصادية مستقرة.
وإلى جانب الحلول الإجرائية، يبرز الدور الحيوي لمحور الوعي التنموي الذي تضطلع به لجان الشباب والتعليم، والذي يتطلب النزول إلى الأرض بحملات مجتمعية تتحدث بلغة مبسطة تناسب أصحاب الورش والمشروعات الصغيرة؛ لتشرح لهم أن "الشرعنة القانونية" لأعمالهم ليست قيداً يلتف حول أعناقهم، بل هي الضمانة الوحيدة لنمو مشروعاتهم وتحولها من مجرد "سد خانة" معيشي إلى كيانات استثمارية محمية قانونياً واجتماعياً. إن الهدف الاستراتيجي الذي يجب أن نلتف حوله ليس تجريم اقتصاد الظل أو محاربته، بل مد جسور ثقة حقيقية ومتينة، ليتحول هذا القطاع بكتلته البشرية الضخمة إلى شريك أصيل وفاعل في مسيرة التنمية المستدامة وبناء أركان الجمهورية الجديدة.