صدر حديثًا للكاتب والصحفى والأكاديمى الدكتور سمير محمود كتابه الجديد "ضفاف الصمت.. من شبرا إلى هناك"، عن دار الأدهم للنشر والتوزيع، ليقدم للقارئ نصًا عابرًا للأجناس الأدبية، إذ يجمع بين السيرة الذاتية والتراجم وأدب الرحلات معًا، ليقدم رحلة إنسانية وفكرية تمزج بين الذاتى والموضوعي، المشاهدات والتأملات، ليوثق محطات بارزة من حياته الشخصية والمهنية وحياة جيل ومجتمع بأكمله فى فترة من أخصب فترات التاريخ المصرى الحديث.
يأخذنا الكتاب فى جولة عبر ذكريات الطفولة والشباب، وتجارب العمل فى الصحافة والإعلام، مستعرضًا المواقف التى أسهمت فى تشكيل رؤيته للحياة، فى سرد أدبى يجمع بين الصدق والحنين، ويوازن بين التوثيق والتأمل.
كما يرصد المؤلف تفاصيل رحلته الممتدة من حى شبرا بالقاهرة إلى محطات متعددة فى العالم، بأسلوب رشيق يجمع بين البساطة والعمق، ويعكس خبرته الممتدة لعقود فى مجالى الإعلام والصحافة.

ضفاف الصمت
فى تقديمه للكتاب يقول الكاتب الروائى سعد القرش، لا بطولة فى هذا الكتاب ولا ميلودراما. لا ادَّعاء من هذا النوع أو ذاك. الكتاب شهادة جمالية، استعارة كتابية تتخفى بشفافية وراء ذات وأقنعة لم تعد تخفى شيئًا، لكى تحكى سيرة تحولات عاصفة شهدتها مصر خلال الخمسين سنة الأخيرة. من الألفة والدفء والتواصل الإنسانى الطبيعى المباشر فى حى شبرا بالقاهرة، وفى غيره من الأحياء والمحافظات فى عموم مصر بالطبع، إلى العزلة والتوحُّد فى زمن تواصل اجتماعى جعل العالم فى قبضة اليد، ومن دون تكلفة إلا عزل الشخص عن محيطه الأسرى، ودمجه فى علاقات افتراضية تعويضية صامتة، أخشى أن تنتهى يوما بأن تسلبه القدرة على الكلام.
قبل الشروع فى هذا الكتاب، تساءل المؤلف عن جدواه، جدوى الكتاب لا المؤلف، "هل بحياتى ما يستحق الذكر؟"، وخرج من الحيرة بخلاصة، اطمئنان إلى إجابة، أنه حاول أن يكون لحياته معنى، وقد عاش فى سلام نفسي، متجنبًا التهافت على مغانم، والصراع على مكاسب، مكتفيًا بما تؤهله له مواهبه. هكذا أنقذ نفسه بالترفُّع، وأنقذ سيرته من النسيان، فوثَّقها ومعها سيرة الوطن بتحولاته، قابضًا على معان ومشاهد اختفت إلى الأبد.
عن الكتاب يقول الكاتب الروائى المترجم أشرف الصباغ، حين تفسح "ضفاف الصمت" مجرى واسعًا لـ "نهر الكلام"، تظهر الحكاية: حكاية الطفل الذى نظر خلفه، فوجد ما يقرب من الستين عامًا من الحكايات.

الدكتور سمير محمود
هذه حكاياتنا جميعًا، أبناء الطبقة الوسطى الذين "يرمحون" بين شرائحها، يراوغون الأحلام، وتراوغهم هى الأخرى.. يناورونها، وتراقصهم ببريقها وسحرها، يتحايلون عليها بالصمت تارة، وبالغضب تارة أخرى، وبالاحتجاج تارة ثالثة، وبالعزيمة تارة رابعة.. وعندما يستريحون استراحة محارب، يلتقطون أنفاسهم، ويخلعون أحذيتهم، وينظرون إلى سنوات العمر وكأنها وسام على قلب ينبض بالمحبة والعرفان، بالتجربة والخبرة، بالحياة والأسرة والأبناء.
لم تكن "السيرة الذاتية" بالنسبة لى مجرد أحداث ومحطات تشير إلى عظمة الإنسان وقوته وإرادته. بل كانت دومًا، ولا تزال، ما تغزله الحياة من هذه الأحداث والمواقف والمحطات، والمسارات المتشابكة، الشبيهة بمسارات المصائر الإنسانية المعقدة حتى وإن كانت تسير بوضوح ويسر وسهولة. "السيرة الذاتية" لم تكن أبدًا- بالنسبة لي- علامة على القوة والإرادة، ولا ميراث حِكَم ومواعظ، بل أعلى تجليات النفس البشرية التى تكشف عن أجمل وأرق ما فى إنسانية الإنسان، وما تطرحه أراضى قُرَانا وحوارى مناطقنا الشعبية.
يكشف سمير محمود، من ضفاف صمته، عن منظومة علاقات اجتماعية معقدة، وتحولات تاريخية، عاشها وعايشها ومر بها طوال ما يقرب من الستين عاما. تلك الستين العامة الأكثر مراوغة وثراء وتعقيدًا فى تاريخ مصر القرن العشرين. وإذا شئنا الدقة، فـ "نهر الكلام" الجارى بين "ضفاف الصمت" يطرح علينا نماذج بشرية، ومشاعر إنسانية، لسمير محمود الطفل والصبى والشاب والكهل، كل ذلك على خلفية تحولات تاريخية واجتماعية وسياسية، وإنسانية قبل كل شيء. لم يُجَرِّد الأمور والأحداث، ولم يبتذل المشاعر والأحاسيس، ولم يقلل من شأن أو قيمة حدث أو كلمة أو إشارة. إنه ببساطة يغزل لنا فضاءًا من الذكريات والأحداث والمواقف، ثم يسحبنا معه تدريجيًا وبهدوء إلى عالمه، لنعيش معه أحداثًا ربما نكون قد عاصرناها ورأيناها وأثرت فينا وعلينا بدرجات متفاوتة. لكن المهم هنا، أننا نرى هذه الأحداث والمواقف والتواريخ بعيون شخص آخر، قرر أن يتحدث بصوت خافت- هادئ ورصين، ليترك لنا، ليس ذكريات وأحداث، وإنما سيرة إنسان مثلنا بالضبط.
سيرة إنسانية بسيطة للغاية تشبه سيرتنا فى قرانا ومناطقنا الشعبية، بل وفى قاعات المحاضرات بالجامعة، وفى صالات الأخبار، والمطارات، والفنادق، وفى رحلاتنا وأسفارنا فى الدول الأخرى، بينما يضم القلب تلك الجوهرة التى فتحنا أعيننا عليها فأسكناها قلوبنا وأرواحنا.
الدكتور محمد جمال صقر الكاتب الأديب اللغوى أستاذ النحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، قال عن الكتاب، "ضفاف الصمت: من شبرا إلى هناك"، كتاب حياة الأستاذ الدكتور سمير محمود، ينقل تجربة واسعة الخبرة مفتوحة على آفاق بعيدة متوالدة، من الاجتهاد والتحصيل والإنجاز والإبداع، محفوفة بذخيرة غنية سخية - من اليقين والإخلاص والإتقان والثبات والرضا. عرضها على مراحل أربع مثل فصول السنة الأربعة: مرحلة "البراءة" -وهى عندى بمنزلة فصل الشتاء- ومرحلة "الحلم" –وهى عندى بمنزلة فصل الربيع- ومرحلة "التجربة" -وهى عندى بمنزلة فصل الصيف- ومرحلة "الحصاد"، وهى عندى بمنزلة فصل الخريف! فصول حقيقية، لا تكلف فيها، كفيلة بأن تعطف على القراءة كل من يطلب شهادة الواقع الصادق الذى لا يخادع ولا يجامل.
ولقد ختم الكتاب وهذه التجارب برسالة شديدة الطرافة، تخيل أنه كتبها عام ٢٠٥٠، لابنه يوسف، يوازن له فيها بين ما يتوقع أن يحدث عندئذ وما عرف أنه كان قبلئذ، ويستحسن فيرضى، ويستقبح فيسخط، ثم يوصيه أخيرا هذه الوصية الخارجة من صميم قلبه: "عش بسيطا، واكتب كثيرا، وأحبَّ بصدق، واترك شيئا نقيا لمن سيأتى بعدك، وأكمل سطرًا بدأتُه أنا قبلك، وارفع رأسك، وانظر للحياة بعينك أنت لا عينى أنا! تَذكَّرني، وتذكر كلماتي، ولا تبك، قلت لك: لا تبك، ومع ذلك ألمح دموعك بعيون قلبي، التى أحفظها، وأعرف كيف تنكمش لتدارى دموعك حين تحزن! هل تعلم كم يؤلمنى هذا؟ يوسف، أعرض عن هذا؛ فأبوك لم يعرف البكاء ولا الدموع طوال حياته! أوصيك ألا تكفّ عن الحلم والأمل، ولا تحرم العالم من ابتسامتك الجميلة وأثرك الطيب"!
تخصص الدكتور سمير محمود فى دراسات الصورة والاتصال البصري، وله أكثر من عشرة مؤلفات فى مجال الصحافة والإعلام، من أبرزها: "تكنولوجيا صناعة الصحف"، و"الإخراج الصحفي"، و"الترجمة الإعلامية". كما يُعد أحد رموز الإعلام العلمى فى العالم العربي، وحصل على عدد من الجوائز العربية والدولية، إلى جانب تقديمه عشرات الدورات التدريبية والاستشارات الإعلامية فى العديد من الدول العربية.
ويُعد الدكتور سمير محمود من أبرز المتخصصين فى الإعلام والصحافة فى العالم العربي، فهو كاتب وصحفى وأكاديمى مصرى حاصل على درجة الدكتوراه فى الإعلام، وشغل عددًا من المناصب الأكاديمية والإعلامية، وعمل أستاذًا فى جامعات القاهرة والمنصورة وجامعة السلطان قابوس بسلطنة عُمان.
ويشكل كتاب "ضفاف العمر.. من شبرا إلى هناك" إضافة جديدة إلى مشروع الدكتور سمير محمود الفكرى والإبداعي، إذ يجمع بين التوثيق الشخصى والرؤية الإنسانية، ويقدم للقارئ تجربة ثرية تستحضر الذكريات، وتفتح آفاقًا للتأمل فى مسيرة الحياة، بما تحمله من تحديات وإنجازات ودروس.