مفهوم "القضية المركزية" بات يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه إسرائيل والمعسكر الموالي لها، خاصة بعد سلسلة من الانتكاسات السياسية والدبلوماسية التي تعرضت لها خلال الأشهر الماضية، وتحديدا منذ أحداث السابع من أكتوبر، فالحرب الشعواء التي دمرت الأرض وقتلت البشر لم تنجح في إضعاف حضور القضية الفلسطينية، بل أسهمت في تعزيز زخمها الدولي، عبر موجة متتالية من الاعترافات بالدولة الفلسطينية، وإجراءات غير مسبوقة بحق سلطة الاحتلال وصلت إلى منصات القضاء الدولي، فضلا عن التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، تمهيدا لخطة إعادة الإعمار التي حظيت بدعم دولي واسع، ونالت مباركة واشنطن خلال قمة شرم الشيخ في أكتوبر 2025، بحضور الرئيس دونالد ترامب وعدد كبير من زعماء العالم. وفي ظل هذا المسار، بدا أن إعادة تشكيل أولويات الإقليم، عبر تصاعد أزمات إقليمية أخرى، من شأنها أن تحد من الزخم الذي استعادت القضية الفلسطينية اكتسابه خلال الفترة الأخيرة.
ولم تكن محاولة الحد من مركزية القضية الفلسطينية وليدة أحداث السابع من أكتوبر، وإنما سبقتها محاولات ممتدة على مدار سنوات، ارتبطت بتنامي أزمات وصراعات إقليمية فرضت أولويات جديدة على أجندة المنطقة، بلغت ذروتها خلال حقبة ما عرف بـ"الربيع العربي"، وما ترتب عليها من تهديدات طالت عمق الدولة العربية، لتتحول قضايا الأمن الداخلي والاستقرار الوطني إلى أولوية لدى كثير من الدول. وفي هذا السياق، يمكن قراءة قرار منع وفد جامعة الدول العربية من زيارة الأراضي الفلسطينية، ليس باعتباره إجراء يتعلق بزيارة دبلوماسية فحسب، وإنما باعتباره تعبيرا عن حساسية أي تحرك عربي جماعي من شأنه أن يعيد إنتاج مركزية القضية الفلسطينية، ويمنحها زخما سياسيا جديدا في مرحلة تشهد تصاعدا ملحوظا في الاهتمام الدولي بها.
الصراع على مركزية فلسطين
ولعل القرار الإسرائيلي بمنع الزيارة التي كان من المقرر أن يجريها الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، إلى الأراضي الفلسطينية، لتكون أولى زياراته الخارجية منذ توليه مهام منصبه، يعكس إدراكا إسرائيليا لما تحمله الزيارة من دلالات سياسية، باعتبارها رسالة واضحة تؤكد تمسك الجامعة العربية بمركزية القضية الفلسطينية واستمرار دعمها لحل الدولتين، غير أن قرار المنع لم ينجح في إفراغ هذه الرسالة من مضمونها، وإنما أضفى عليها بعدا سياسيا إضافيا، بعدما جعل من الزيارة نفسها دليلاً على أن مركزية القضية الفلسطينية ما زالت محل صراع، ليس فقط على الأرض، وإنما أيضا في المجالين الدبلوماسي والسياسي.
وهنا نجد أن الصراع بات يتخذ شكلا جديدا، حيث لم يعد مقتصرا على مجرد السيطرة على الأرض، بل امتد إلى موقع القضية على الأجندة الدولية، فالقضية التي تنجح في الحفاظ على مركزيتها، هي الأكثر قدرة على استقطاب الاهتمام السياسي والدبلوماسي والإعلامي، بما يجعلها تحظى بأولوية في دوائر صنع القرار، ويمنح الرواية المرتبطة بها فرصا أكبر للتأثير في مواقف الفاعلين الدوليين. ومن ثم، فإن الصراع لم يعد يدور فقط حول من يملك الأرض، وإنما أيضا حول من يملك القدرة على إبقاء القضية حاضرة في صدارة الاهتمام، بما يتيح له كتابة الرواية الأكثر حضورا وتأثيرا، وهو ما يتجاوز في جوهره حدود الدبلوماسية التقليدية.
الإبقاء على الشرعية الدولية
فلو نظرنا إلى الموقف الدولي خلال العقود الماضية، نجد أن حق الدولتين حظي بالشرعية، على اعتبار كونه يجد مرجعيته في القرارات الأممية، إلا أن التمسك بمركزية القضية على النطاق الإقليمي لعب الدور الأبرز في الإبقاء على تلك الشرعية على قيد الحياة، رغم المحاولات المتواترة لقتلها عبر توسيع المستوطنات والتهام الأرض وانتهاك المقدسات وانتزاع الهوية العربية من المدن والمناهج التعليمية، وهو ما فتح الباب أمام تحويل الحرب الدامية التي شهدتها غزة إلى بوابة لاعتراف واسع بالدولة الفلسطينية، وهو ما امتد نحو دول محسوبة على المعسكر الموالي لتل أبيب.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التحرك العربي الأخير باعتباره يتجاوز مجرد التضامن السياسي مع الشعب الفلسطيني، إلى محاولة ترسيخ الحالة المركزية التي تحظى بها القضية الفلسطينية في لحظة تشهد تحولات متسارعة في بنية النظام الإقليمي، فالزيارة التي كان من المقرر أن يجريها الأمين العام لجامعة الدول العربية لم تكن تستهدف فقط تأكيد الدعم العربي للسلطة الفلسطينية، وإنما حملت في طياتها رسالة مفادها أن القضية الفلسطينية ما زالت تمثل الإطار الجامع للعمل العربي المشترك، وأن تعدد الأزمات الإقليمية لا يعني بالضرورة تراجعها في سلم الأولويات، خاصة في ظل وجود إدارة جديدة للكيان الجامع.
السيطرة على الأجندة الدولية
ولذلك، فإن قرار المنع لم يغير من جوهر هذه الرسالة، بقدر ما كشف أن الصراع لم يعد يدور فقط حول مستقبل الأراضي الفلسطينية، وإنما أيضا حول مستقبل القضية الفلسطينية نفسها، باعتبارها القضية المركزية في الإقليم، فكلما نجحت الأطراف العربية في الاحتفاظ بموقع فلسطين على رأس الأجندة السياسية، تراجعت قدرة الأطراف الأخرى على تحويل الاهتمام نحو قضايا بديلة، وهو ما يجعل الصراع على مركزية القضية امتدادا طبيعيا للصراع على الأرض، وليس منفصلا عنه.
وهنا يمكن القول بأنه إذا كانت الحروب التقليدية تخاض للسيطرة على الأرض، فإن الصراعات المعاصرة تخاض أيضا للسيطرة على الأجندة الدولية، لأن القضية التي تنجح في البقاء على رأس الأولويات، هي الأكثر قدرة على فرض روايتها، والحفاظ على شرعيتها، واستقطاب الدعم الدولي لقضيتها، ومن ثم، فإن الصراع على مركزية القضية الفلسطينية لا يقل أهمية عن الصراع على الأرض نفسها، لأن نجاح أي طرف في فرض أولوياته على الأجندة الدولية قد يكون مقدمة لفرض روايته، ومن ثم التأثير في مواقف المجتمع الدولي تجاه مستقبل الصراع