نظمت جماعة الإخوان الإرهابية اعتصامي رابعة العدوية بمدينة نصر والنهضة بمحافظة الجيزة، احتجاجًا على عزل الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي في أعقاب المظاهرات الشعبية التي ملأت ميادين مصر في 30 يونيو 2013، لتتحول منصات الاعتصام إلى منابر أطلقت منها رسائل التهديد، ودعوات للتصعيد، وسط تحذيرات من انزلاق البلاد إلى موجة عنف.
ومع بدء فض الاعتصامين في 14 أغسطس 2013، شهدت مصر سلسلة من الهجمات والاعتداءات المتزامنة، لتصبح خطابات التحريض التي سبقت الفض واحدة من أبرز الملفات المرتبطة بتلك المرحلة، باعتبارها جزءًا من السياق الذي سبق أحداث ذلك اليوم وما أعقبها من أعمال عنف استهدفت مؤسسات الدولة والمواطنين.
وعلى مدار فترة الاعتصامين، صدرت عن عدد من قيادات جماعة الإخوان وحلفائهم تصريحات حملت عبارات تصعيدية وتهديدات مباشرة، وكان من أبرزها تصريح القيادي الإخواني محمد البلتاجي، الذي ربط فيه بين ما كان يحدث في شمال سيناء وعودة الرئيس المعزول محمد مرسي إلى الحكم، وهو التصريح الذي أثار جدلًا واسعًا، خاصة مع تصاعد العمليات الإرهابية في سيناء خلال تلك الفترة.
كما أثارت تصريحات صفوت حجازي ردود فعل واسعة، بعدما قال من أعلى منصة رابعة: "اللي هيرشه بالمية هنرشه بالدم"، في خطاب اعتبره كثيرون تحريضًا صريحًا على العنف، كما أكد في أكثر من مناسبة استمرار الاعتصام وعدم مغادرته إلا بعودة مرسي.
ولم تكن تلك التصريحات استثناءً، إذ هدد طارق الزمر، القيادي بالجماعة الإسلامية، معارضي الجماعة قبل مظاهرات 30 يونيو بقوله إنهم "سيسحقونهم"، فيما وصف عاصم عبد الماجد المشاركين في تلك المظاهرات بأنهم "عملاء وخونة"، مستخدمًا عبارات تصعيدية من بينها: "الأغبياء أدخلوا رقبتهم تحت المقصلة ولابد أن ندوس الآن على السكين".
وشملت خطابات المنصات أيضًا تصريحات لصلاح سلطان تضمنت تهديدات موجهة إلى رجال الجيش والشرطة، بينما تحدثت اعترافات لاحقة إلى أحمد المغير عن وجود أسلحة داخل الاعتصام قبل فضه، وهو ما أعاد الجدل بشأن طبيعة الاعتصام وما إذا كان قد تجاوز حدود الاحتجاج السلمي.
من التحريض إلى العنف
ومع بدء تنفيذ قرار فض اعتصامي رابعة والنهضة في 14 أغسطس 2013، اندلعت موجة واسعة من أعمال العنف المتزامنة في عدد من المحافظات، استهدفت مؤسسات الدولة والمنشآت العامة ودور العبادة، في مشهد اعتبرته الدولة تنفيذًا عمليًا للتهديدات التي سبقت الفض.
وكانت مذبحة كرداسة من أبرز تلك الوقائع، بعدما اقتحم مسلحون مركز شرطة كرداسة مستخدمين الأسلحة الآلية وقذائف "آر بي جي"، ما أسفر عن استشهاد عدد من ضباط وأفراد الشرطة، مع التمثيل بجثامين بعضهم، في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها تلك المرحلة.
ولم تتوقف الاعتداءات عند كرداسة، بل امتدت إلى عشرات أقسام ومراكز الشرطة في محافظات عدة، بينها المنيا وأسيوط والفيوم وبني سويف، حيث تعرضت للحرق والاقتحام، في محاولة لإرباك الأجهزة الأمنية وتعطيل قدرتها على فرض الأمن.
وفي الوقت نفسه، تعرضت الكنائس والمنشآت القبطية لموجة غير مسبوقة من الاعتداءات، إذ طالت أعمال الحرق والتخريب والنهب أكثر من 80 كنيسة ومنشأة تابعة للأقباط في 17 محافظة، وكانت محافظة المنيا الأكثر تضررًا، بعدما استهدفت الاعتداءات كنائس ومدارس وممتلكات عديدة، خاصة في مدينة دلجا.
كما كشفت التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة آنذاك عن وقائع تتعلق بوجود أماكن للاحتجاز والتعذيب داخل محيط اعتصام رابعة، إلى جانب قضايا اتهم فيها عدد من قيادات الجماعة بالتحريض على اختطاف والتعدي على أفراد من الشرطة داخل الاعتصام.
وامتدت أعمال العنف إلى تعطيل الطرق والمحاور الرئيسية، حيث أقيمت متاريس وحواجز في محيط رابعة والنهضة وعلى طريق النصر وكوبري أكتوبر، ما أدى إلى شلل مروري واسع، بالتزامن مع الاعتداء على عدد من المباني الحكومية والمنشآت العامة، من بينها المقر الرئيسي للمجلس القومي للمرأة، إضافة إلى محال وممتلكات خاصة.
مواجهة الإرهاب واستعادة الاستقرار
مثلت أحداث 14 أغسطس 2013 بداية مرحلة جديدة في المواجهة بين الدولة المصرية والتنظيمات المتطرفة، إذ شهدت السنوات التالية تصاعدًا في العمليات الإرهابية، خاصة في شمال سيناء، قبل أن تطلق الدولة سلسلة من العمليات الأمنية والعسكرية الموسعة، كان أبرزها العملية الشاملة سيناء 2018، بمشاركة القوات المسلحة والشرطة، لاستهداف البؤر الإرهابية وتجفيف مصادر دعمها.
وبعد مرور سنوات على تلك الأحداث، لا تزال خطابات التحريض التي شهدتها منصتا رابعة والنهضة، وما أعقبها من أعمال عنف استهدفت مؤسسات الدولة ورجال الأمن ودور العبادة والمواطنين، تمثل أحد أبرز الملفات المرتبطة بتلك المرحلة، بوصفها محطة مفصلية في تاريخ المواجهة مع الإرهاب في مصر، وما تبعها من جهود لاستعادة الأمن والاستقرار وترسيخ مؤسسات الدولة.