
القيادة الاستراتيجية للدولة جزء من منظومة حماية القرار الوطنى وضمان استمرارية عمل المؤسسات فى أصعب الظروف.. قوة الدولة تكمن فى قدراتها العسكرية وما تملكه من تماسك مجتمعى ووعى وطنى وثقة فى المستقبل.. تأكيد جاهزية مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات.. ومصر تتمسك بالسلام لكنها قادرة على حماية أمنها القومى
حملت ليلة الاحتفال بالذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو كثيرا من الرسائل السياسية والاستراتيجية، امتزجت فيها رمزية المكان بعظمة المناسبة، لتقدم صورة لدولة استعادت توازنها، وبنت قدراتها، وتمضى بثقة نحو المستقبل.
فمنذ اللحظات الأولى لوصول الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى مقر القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الجديدة، بدا المشهد عظيما، مراسم عسكرية دقيقة ومبهرة، والمدفعية تطلق 21 طلقة تحية للدولة، وطائرات الأباتشى والرافال تحلق فى السماء، والموسيقى العسكرية تعزف، وأعلام مصر ترتفع فوق أحد أحدث الصروح الاستراتيجية فى المنطقة، فى لوحة بديعة عكست قوة الدولة المصرية وثقة مؤسساتها.
لقد جاء الاحتفال ليؤكد أن مصر - التى واجهت منذ عام 2011 تحديات وجودية وحربا شرسة ضد الإرهاب وأزمات إقليمية ودولية متلاحقة - أصبحت اليوم أكثر قدرة على حماية أمنها القومى، وإدارة أزماتها، واستكمال مشروعها التنموى فى آن واحد. واكتسبت هذه الليلة بعدا رمزيا خاصا مع افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة، التى تمثل نقلة نوعية فى منظومة القيادة والسيطرة وإدارة الأزمات، وتجسد رؤية الدولة فى الجمع بين امتلاك القوة، وتوظيف التكنولوجيا، وتعزيز كفاءة مؤسساتها، بما يحفظ الأمن والاستقرار فى عالم يشهد الكثير من التحديات والتهديدات وتتسارع فيه المتغيرات على الأرض.
وزادت أجواء الاحتفال تأثيرا مع مشاركة القوات المسلحة بعروضها الجوية، وإضاءة سماء العاصمة الجديدة، إلى جانب مشاركة الأطفال والأوركسترا والموسيقى العسكرية، فى رسالة تؤكد أن قوة الدولة تكمن فى قدراتها العسكرية، وما تملكه من تماسك مجتمعى، ووعى وطنى، وثقة فى المستقبل.
لقد كانت ليلة أكدت أن الدولة المصرية لا تستدعى الماضى للبقاء فيه، وإنما تستحضره لاستخلاص الدروس، والانطلاق نحو المستقبل. ليلة حملت رسالة واضحة إلى الداخل والخارج، تؤكد أن مصر دولة قوية بمؤسساتها، راسخة بجيشها، مستقرة بإرادة شعبها، وقادرة على حماية مقدراتها ومواصلة مسيرة البناء مهما كانت التحديات.
إطلالة رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة بالبدلة العسكرية.. حمل ظهور الرئيس السيسى بالزى العسكرى فى هذه الاحتفالية دلالات مرتبطة بطبيعة المناسبة ومكانها، ويمكن قراءته من عدة زوايا.
فالاحتفال بافتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة، وهو صرح يرتبط بمنظومة القيادة والسيطرة للقوات المسلحة، وحضره القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الأركان وقادة الأفرع الرئيسية، وتخللته مراسم عسكرية كاملة، لذلك فإن ارتداء الزى العسكرى يتسق مع الطابع العسكرى الرسمى للمناسبة.
اختيار هذا الظهور فى ذكرى 30 يونيو يحمل رسالة بأن الدولة ترى أن الحفاظ على مؤسساتها وأمنها كان أهم نتائج تلك المرحلة، وقد ربط الرئيس فى كلمته بين أحداث 2011، والحرب على الإرهاب، وإنشاء العاصمة الجديدة، وافتتاح القيادة الاستراتيجية، فى سردية واحدة بعنوان «حماية الدولة وضمان استمرارية مؤسساتها».
وبينما تشهد المنطقة توترات متلاحقة، من الحرب فى غزة إلى التطورات المرتبطة بإيران ولبنان والبحر الأحمر؛ فإن الظهور بالزى العسكرى من داخل منشأة قيادة استراتيجية يمكن أن قراءته أيضا كرسالة تؤكد جاهزية مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات، مع تأكيد الرئيس السيسى فى الوقت ذاته أن مصر تتمسك بالسلام لكنها قادرة على حماية أمنها القومى.
وثيقة سياسية ترسم ملامح المستقبل.. يمكن وصف خطاب الرئيس السيسى، خلال الاحتفال، بأنه وثيقة سياسية ترسم ملامح المستقبل. ففى ظاهرها، كانت المناسبة احتفالا بصرح عسكرى متطور وذكرى وطنية خالدة، لكنها فى جوهرها كانت إعلانا عن انتقال الدولة المصرية إلى مرحلة جديدة، بعد أن طوت صفحة استعادة الدولة، وشرعت فى رسم ملامح «الجمهورية الجديدة»، حيث الأولوية لتعظيم عوائد ما تم إنجازه، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة، وإدارة دولة أكثر كفاءة، دون التفريط فى معادلة الأمن والاستقرار التى دفعت مصر ثمنها غاليا.
مشاهد حصار الإرهابيين لمؤسسات الدولة.. كان لافتا أن الرئيس السيسى، حرص فى خطابه على تذكير المصريين ببدايات الأزمة فى عام 2011، مستدعيا مشاهد حصار المحكمة الدستورية العليا ووزارة الدفاع ومجلس الشعب، وما مثلته تلك الأحداث من محاولة لإخضاع مؤسسات الدولة لمنطق الفوضى والضغط، هذه العودة لم تكن لاستدعاء الماضى بقدر ما كانت لتفسير الحاضر.
فحين تحدث الرئيس السيسى عن العاصمة الجديدة، لم يقدمها كمشروع عمرانى أو إدارى فحسب، بل باعتبارها أحد دروس تلك المرحلة؛ فالدول التى تتعلم من أزماتها هى وحدها القادرة على منع تكرارها.
ومن هنا جاءت القيادة الاستراتيجية للدولة كجزء من منظومة حماية القرار الوطنى، وضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة فى أصعب الظروف. إنها فلسفة تقوم على أن الأمن لم يعد يرتبط بحماية الحدود فقط، بل بحماية مؤسسات الدولة من أى محاولة لتعطيلها أو شل قدرتها على اتخاذ القرار.
أراد الرئيس السيسى - فى خطابه - أن يبعث برسالة واضحة، فالحرب على الإرهاب انتهت إلى حد كبير، والبنية الأساسية اكتملت فى معظم القطاعات، والمدن الجديدة أصبحت واقعا، وشبكات الطرق والطاقة والنقل أعادت رسم الخريطة الاقتصادية لمصر.
والآن لم يعد السؤال: ماذا بنينا، بل أصبح: كيف نحول ما بنيناه إلى عائد اقتصادى وفرص عمل وتحسن ملموس فى حياة المواطنين؟..وهنا جاءت التوجيهات الرئاسية بمثابة خارطة طريق للمرحلة المقبلة.
ربما كانت أهم رسالة فى الخطاب هى الإعلان عن إعداد برنامج اقتصادى وطنى يبدأ عقب انتهاء برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولى، وهو إعلان سياسى واقتصادى بأن مصر تستعد لمرحلة تعتمد فيها بصورة أكبر على رؤية وطنية خالصة، تستفيد من نتائج الإصلاحات السابقة، وتضع أولوياتها وفق احتياجات الاقتصاد المصرى، وليس فقط وفق متطلبات برامج الإصلاح التقليدية.
وفى السياق ذاته، جاءت توجيهات الرئيس بالإسراع فى تنفيذ برنامج تخارج الدولة من بعض الأنشطة الاقتصادية، بما يعزز دور القطاع الخاص، ويؤكد أن المرحلة المقبلة سيكون عنوانها الإنتاج والتنافسية والاستثمار.
المواطن المصرى فى قلب الخطاب الرئاسى.. رغم الحديث المطول عن الأمن القومى والتحديات الإقليمية، بقى المواطن حاضرا فى قلب الخطاب الرئاسى، فعندما تحدث الرئيس عن خفض الأعباء المعيشية، وضبط الأسواق، وربط التعليم بسوق العمل، وإعادة هيكلة جهاز المشروعات الصغيرة، كان يؤكد أن نجاح أى مشروع تنموى لا بد أن يقاس فى النهاية بقدرته على تحسين جودة حياة المواطنين. وهذه الرسالة ربما تكون الأهم فى المرحلة الحالية، خاصة فى ظل الضغوط الاقتصادية العالمية التى ما زالت تلقى بظلالها على مختلف الدول.
فتح المجال أمام الحوار الإعلامى الموضوعى.. من بين أكثر ما استوقف المتابعين، التوجيه الرئاسى الخاص بفتح المجال أمام الحوار الإعلامى الموضوعى، وعقد اجتماع سنوى برعاية رئيس الجمهورية لمراجعة أوضاع الإعلام المصرى. وهى دعوة إلى تطوير جودة النقاش العام، والانتقال من منطق ردود الأفعال إلى صناعة الوعى، ومن تداول الشائعات إلى تقديم المعلومات الدقيقة، ومن الاستقطاب إلى الحوار المسؤول.
كما أن الحديث عن تنشيط الحياة الحزبية وإجراء انتخابات المجالس المحلية يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من تطوير المجال السياسى، باعتباره شريكا فى مسيرة التنمية.
السلام الحقيقى فى الشرق الأوسط يبدأ بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.. حرص الرئيس السيسى - فى خطابه التاريخى - إلى توجيه رسائل للخارج، حيث رحب بكل جهود وقف الحروب، وجدد التأكيد على أن السلام الحقيقى فى الشرق الأوسط يبدأ بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وأن أى تسويات مؤقتة لن تحقق استقرارا دائما ما لم تعالج جذور الصراع.
كما حمل خطاب الرئيس الإشارة إلى تأثير الأزمات الإقليمية على الاقتصاد المصرى، ومنها تراجع إيرادات قناة السويس، وهى رسالة للمجتمع الدولى بأن استقرار المنطقة لم يعد قضية سياسية فقط، بل أصبح ضرورة اقتصادية عالمية.
إن القراءة المتأنية لخطاب الرئيس السيسى تكشف أنه كان إعلانا عن أجندة عمل جديدة. فالرئيس لم يكتفِ باستعراض ما تحقق، بل وضع أولويات المرحلة المقبلة بوضوح «اقتصاد أكثر إنتاجا، قطاع خاص أكثر فاعلية، إعلام أكثر مسؤولية، حياة سياسية أكثر حيوية، إدارة حكومية أكثر كفاءة، مع استمرار الاستثمار فى الإنسان المصرى».
ولهذا يمكن القول إن خطاب الرئيس فى الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو لم يكن لاستدعاء الماضى والتذكير به فحسب، بل كان خطابا للمستقبل؛ مستقبل ترى فيه الدولة أن الحفاظ على ما تحقق لا يقل أهمية عن البناء نفسه، وأن معركة السنوات المقبلة لن تكون معركة استعادة الدولة، بل معركة تعظيم قوتها، وتحسين حياة مواطنيها، وترسيخ مكانتها الإقليمية والدولية.