لم يعد المستطيل الأخضر في فرنسا مجرد ساحة لتسجيل الأهداف، بل تحول إلى مرآة تعكس الصراع السياسي الشرس على أبواب قصر الإليزيه، "الديوك الفرنسية" أو منتخب Les Bleus، الذي طالما كان رمزاً للوحدة والاندماج، يجد نفسه اليوم في قلب المعركة الانتخابية لليمين المتطرف، الذي قرر إعادة صياغة ضغينته القديمة ضد الفريق، محولاً سلاحه من الهجوم على الهوية والهجرة، إلى الهجوم على الامتيازات والنخبوية.
هذا التحول الذكي في الخطاب السياسي يفسر بوضوح كيف انتقل حزب "التجمع الوطني" من الهامش العنصري إلى أن يصبح المنافس الأقوى والمهيمن على استطلاعات الرأي لانتخابات الرئاسة المقبلة.
زمن "لوبان الأب".. عنصرية وهجوم على "الخلطة الإفريقية"
في تسعينيات القرن الماضي، ومع صعود الجيل الذهبي للكرة الفرنسية بقيادة الأسطورة زين الدين زيدان، كان مؤسس الحزب الراحل، جان ماري لوبان، الصخرة التي تتحطم عليها أفراح الفرنسيين. لم يتردد لوبان الأب وقتها في وصف أبطال العالم لعام 1998 بأنهم "فرنسيون مزيفون".
وفي تصريح صادم أطلقه عام 1996، قال لوبان الأب: من المصطنع استقدام لاعبين أجانب وتسميتهم بالفريق الفرنسي.. لقد وضعوا لاعباً جزائرياً لإرضاء العرب، ولاعبين سوداً لإرضاء الأنتيليين، لا مكان لأي منهم في منتخبنا؛ فهم لا يحفظون النشيد الوطني.
ومع تسلم ابنته مارين لوبان الراية، سارت في البداية على خطى والدها، واصفة تشكيلة مونديال 2010 بأنها "عشائر عرقية ودينية تصنع فصلاً عنصرياً داخل الفريق"، متهة اللاعبين بأن في قلوبهم ولاءً لبلدان أخرى.
"تجميل وجه الحزب"
لكن رياح السياسة غيرت الشراع، فمع تراجع الأحزاب التقليدية، أدركت مارين لوبان أن العنصرية الفجة لن توصلها إلى كرسي الحكم، طردت والدها من الحزب، وغيرت اسمه إلى التجمع الوطني، وقررت تغيير التكتيك ، فبدلاً من مهاجمة أصول اللاعبين السود والعرب ، وهو أمر يثير حنق الشارع الذي يعشق الفريق - تحول الهجوم إلى "الطبقية".
وعندما توجت فرنسا بكأس العالم 2018، لم تهاجم لوبان اللاعبين، بل هاجمت الرئيس إيمانويل ماكرون لـ"استغلاله السياسي" للبطولة، مؤكدة أن النصر الرياضي لن يحل أزمات التضخم أو يمحو مخاطر الإرهاب التي يعيشها المواطن البسيط.
مواجهة بارديلا ومبابي.. صراع المليونيرات ضد "مطحوني" التضخم
وبلغ هذا التحول الشعبوي ذروته، عندما دخل نجم كرة القدم العالمي كيليان مبابي على خط المواجهة السياسية، واصفاً نتائج اليمين المتطرف بـ"الكارثية"، ومحذراً من أن "التطرف يطرق أبواب السلطة".
ولم يهاجم اليمين المتطرف لون بشرة مبابي أو أصوله الإفريقية، بل ضربه في مقتل عبر سلاح "المال والامتيازات"، وجاء الرد سريعاً وصادماً من جوردان بارديلا، رئيس الحزب الشاب، الذي قال: "عندما يحالفك الحظ بالحصول على راتب ضخم، وتصبح مليونيراً وتسافر بطائرة خاصة، أشعر بالانزعاج لرؤية هؤلاء الرياضيين يقدمون دروساً لأشخاص يكافحون يومياً لتغطية نفقاتهم".
اللعب على وتر الـ 1400 يورو
هذا الخطاب وجد صدى واسعاً لدى المواطن الفرنسي في المدن الصغيرة والمناطق الصناعية، فالحزب بات يتحدث لغة "الشارع المطحون" في مواجهة "نخبة باريس الباريسية الفارهة".
وفي مقابلة حديثة لها مع شبكة CNN، لخصت مارين لوبان هذه الرؤية قائلة: "إن ميل لاعبي كرة القدم والمغنين لإخبار الفرنسيين كيف يصوتون - وخاصة أولئك المواطنين الذين يكسبون ما بين 1300 إلى 1400 يورو شهرياً، بينما الفنانون واللاعبون أصحاب ملايين ومليارات - بدأ يلقى استياءً شديداً في بلدنا. ينبغي على من يحميهم المال من الفقر والبطالة أن يلتزموا حدودهم".