أعطى مجلس البلاط الملكى مهلة للملكة نازلى أم الملك فاروق للمثول أمامه يوم 31 يوليو، مثل هذا اليوم، 1950، لكنها لم تحضر فاعتمد قراراته السابقة، وكانت هى الأعنف فى حياة الملكة، وأقوى فصول المأساة فى علاقة الملك بأمه، والأهم أنها بلغت الذروة فى السمعة السيئة للعائلة المالكة أمام الشعب المصرى.
كانت «نازلى» تعيش فى أمريكا، بعد أن غادرت مصر إلى أوروبا بحجة العلاج فى صيف 1946 ومعها ابنتاها الأميرتين فائقة وفتحية، وفى فرنسا تعرفت على شاب مسيحى اسمه رياض غالى ، وكان موظفا فى القنصلية المصرية فى مرسيليا ، ثم اصطحبته من أوربا إلى أمريكا، ونمت علاقة حب بينه وبين الأميرة فتحية بالرغم من فرق العمر بينهما «هو مواليد 1919، وهى مواليد 1930»، واختلاف ديانتهما، وتطور الحب إلى مشروع زواج، ووفقا للجزء الثانى من مذكرات كريم ثابت المستشار الصحفى لفاروق «عشر سنوات مع فاروق»: «حين علم فاروق بخبر هذا الزواج، وأن أمه تحبذه وترحب به وتحث ابنتها عليه، طار صوابه»، ويكشف ثابت أن فاروق استدعاه وكلفه بزيارة مصطفى النحاس باشا ليقص عليه قصة رياض غالى بأكملها، وتاريخ علاقاته بأمه «الملكة» وشقيقته فتحية من «ألفها» إلى «يائها»، وأنه لن يسلم بهذا الزواج مطلقا، أسلم رياض غالى أو لم يسلم، لأن اختلاف الديانة ليس الحائل الوحيد الذى يحول دون زواجهما.
يؤكد ثابت، أنه ذهب بالفعل إلى النحاس فى داره بجاردن سيتى وكاشفه فى الأمر للتدخل، ونهض النحاس إلى التليفون وطلب الاتصال بسان فرنسيسكو فى أمريكا، وتحدث مع الملكة نحو ربع ساعة، وسألها عن حكاية الزواج، فقالت أن القران سيعقد بعد يومين، فقال لها إنه لم يصدق أنها وافقت عليه لاعتبارات لا تخفى على فطنتها، فقالت إن رياض غالى أسلم، فقال لها إن هذا نوع من الإسلام غير مقبول، فضلا عن أن اختلاف الدين ليس العقبة الوحيدة، فقالت له أنها تؤثر سعادة ابنتها على جميع الاعتبارات، فقال لها إن هذا الزواج يسىء إلى مركز الأسرة المالكة بوجه عام، وإلى جلالة الملك بوجه خاص، فكررت أن سعادة ابنتها هى التى تهمها فى المقام الأول.
كان الدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس مجلس الشيوخ عضوا فى مجلس البلاط الملكى، ويذكر فى الجزء الثانى من مذكراته «مذكرات فى السياسة المصرية»: «بلغت الدهشة بالناس حد الإنكار والإستنكار لأن رياض غالى مسيحى، ولا يجوز شرعا تزويج مسلمة من مسيحى، ولم يخفف من دهشتهم أن قيل إن رياض اعتنق الإسلام، بل ظل إنكارهم للأمر واستنكارهم للفعلة على أشدهما»، وتذكر الدكتورة لطيفة سالم فى كتابها «فاروق وسقوط الملكية فى مصر»، أن فاروق رأى أن التهديد قد يوصله لتحقيق غرضه، وعليه دعى مجلس البلاط الملكى يوم 16 مايو 1950 برئاسة الأمير محمد علي، ولأول مرة يستدعى النائب العام للحضور.
يؤكد «هيكل باشا» أن فاروق قدم مذكرة إلى المجلس هاجم فيه أمه وبين أنها تنفق نصف مليون جنيه، ونقل تصريحاتها بشأن عدم مبالاتها بما ينشأ عن هذا الزواج من نتائج وعواقب مهما يكن نوعها، وأن رياض غالى يبتز أموالها، وقدم للمجلس أيضا التحريات التى قامت بها السفارة المصرية فى أمريكا بما يتعلق بشخصية الزوج المنتظر، وأصدر المجلس قرارته بالتفريق فورا بين فتحية ورياض غالى بالحيلولة بينهما ووضعهما تحت يد الملك للمحافظة عليها، ومنع نازلى من التصرف فى أموالها، وتعيين نجيب سالم ناظر الخاصة الملكية مديرا مؤقتا على جميع أموالها ووقف وصايتها على الأميرة، واستتبع ذلك صدور الأمر الملكى بحرمان فتحية من لقب الإمارة.
ويذكر الكاتب الصحفى صلاح عيسى فى كتابه «البرنسيسة والأفندى»، أن سكرتارية مجلس البلاط خاطبت وزارة الخارجية بأن تعلن الثلاثة «نازلى وابنتاها فائقة وفتحية» بالحضور أمام جلسة مجلس البلاط يوم 31 يوليو 1950 للاستماع إلى أقوالهما، وتسلم مدير الفندق الذى تقيم فيه نازلى بأمريكا الإعلان، لكن نازلى أعلنت رفضها الحضور والعودة إلى القاهرة إلا إذا عاد المجلس عن قراراته، ولم تكتف بذلك بل أقدمت على إتمام الزواج يوم 25 مايو1950.
انعقد مجلس البلاط يوم 31 يوليو 1950 وقرر: الحكم ببطلان عقد زواج فتحية هانم فؤاد من رياض غالى والتفريق بينهما، لأن الزواج غير كفء، فالزوجة مسلمة عريقة فى الإسلام، أما الزوج فمسلم بنفسه فقط، ولاأصل له فى الإسلام، وذلك يضاف إلى التفاوت الكبير بينهما من الناحية الاجتماعية والنشأة والنسب، ولهذا يكون العقد باطلا بالضرورة، لأنه يقوم على أساس باطل من الدين، وقرر الحجر على نازلى وتعيين محمد نجيب سالم باشا، بوصف كونه ناظر خاصة جلالة الملك قيما عليها، ونزع وصياتها عن كريمته فتحية، وتعيين محمد نجيب سالم باشا وصيا عليها.