لا تختار الأمم توقيت الاختبارات التي تواجهها، لكنها تختار دائمًا الطريقة التي تستجيب بها لمواجهة هذه الأخطار. وبين دولة يربكها الخطر، ودولة تحوِّل التحديات إلى مصدر قوة، يصنع وعي الشعوب وحكمة القيادة الفارق، ومن هذا المنطلق، فإن ما جرى في ميناء دمياط لا يمثل مجرد واقعة أمنية عابرة، بل يعكس طبيعة مرحلة إقليمية ودولية تتغير فيها أدوات الصراع، وتنتقل فيها المواجهات من ميادين القتال إلى الموانئ، ومنشآت الطاقة، وخطوط الملاحة. وقد أكدت الجهات المصرية المختصة السيطرة على الموقف، وعدم وقوع خسائر بشرية، مع استمرار التحقيقات واتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين المرافق الحيوية واحتياجات الدولة من الطاقة.
في مثل هذه اللحظات، لا تقاس قوة الدول بحجم ما يحيط بها من أخطار، وإنما بقدرتها على الحفاظ على تماسك ووحدة جبهتها الداخلية، وترسيخ الثقة في مؤسساتها، وتمكين قيادتها من إدارة الأزمات بعقل الدولة وحكمة القرار.
لقد غيَّرت التطورات المتلاحقة مفهوم القوة في عالم اليوم. فلم تعد الدول تُقَيِّم أمنها بعدد الدبابات والطائرات وحدها، بل أصبحت تُقَيِّمه أيضًا بقدرتها على حماية اقتصادها، وتأمين منشآتها الحيوية، والحفاظ على استقرارها الداخلي، وإفشال أية محاولات خبيثة لبث القلق أو زعزعة الثقة.
ولهذا فقد اتجهت أطراف عديدة في النزاعات الحديثة إلى استهداف منشآت الطاقة والموانئ، لأنها تدرك أن أي اضطراب فيها قد يترك آثارًا سياسية واقتصادية ونفسية تتجاوز كثيرًا حدود الهجوم ذاته، ولم يعد الدفاع عن الأوطان يبدأ عند الحدود فقط؛ بل يبدأ أيضًا من قوة الجبهة الداخلية، والثقة في مؤسسات الدولة، وقدرة القيادة السياسية على إدارة الأزمات بكفاءة واتزان.
إن قراءة ما جرى في ميناء دمياط بمعزل عن المشهد الإقليمي والدولي تظل قراءة ناقصة، فالمنطقة اليوم تمر بمرحلة تتشابك فيها الأزمات، وتتداخل فيها المصالح، وتتزايد فيها أهمية الممرات البحرية ومنشآت الطاقة. وفي مثل هذا المناخ، تتكامل أدوار القيادة السياسية، والقوات المسلحة، والأجهزة الأمنية، وسائر مؤسسات الدولة لحماية الأمن القومي وصون مقدرات الوطن.
إن التاريخ لم يعلمنا أن الدول القوية تعيش بعيدًا عن الأزمات، بل علمنا أنها تحسن إدارتها. فالحكمة السياسية لا تعني التردد، كما أن القوة لا تعني الاندفاع، وإنما تقتضي قراءة دقيقة للمشهد، وتقديرًا متوازنًا للمخاطر، واختيار القرار الذي يحقق المصلحة العليا للدولة في توقيته المناسب.
من هنا تبرز أهمية الاصطفاف الوطني خلف القيادة السياسية. فالاصطفاف الوطني لا يعني مصادرة الرأي أو إلغاء حق الاختلاف، وإنما يعني اتفاق الجميع على أن أمن الدولة وسيادتها وصون مقدراتها الوطنية تمثل القاسم المشترك الذي يعلو فوق كل اعتبار، كما أنه لا يعني تطابق الآراء، بل يعني إدراك الجميع أن حماية الدولة وأمنها القومي تسبق كل خلاف، وأن الاختلاف السياسي لا يجوز أن يتحول إلى ثغرة ينفذ منها من يستهدف الوطن.
وعندما تواجه الدولة تحديًا خطيراً يمس أمنها القومي؛ فإن وحدة الصف وتماسك الجبهة الداخلية، تمنح مؤسساتها القدرة على أداء واجبها بكفاءة، وتبعث برسالة واضحة إلى كل من يراهن على إضعاف الجبهة الداخلية.
فالقيادة السياسية وفي مثل هذه اللحظات تتحمل مسؤولية استثنائية، فهي مَنْ تنظر إلى الصورة كاملةً، وتوازن بين الاعتبارات العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية، وتتخذ قراراتها الحكيمة وفق معلومات دقيقة ورؤية شاملة، لا وفق ضغوط اللحظة أو تأثير الشائعات، لذلك، فإن الثقة في القيادة السياسية خلال إدارة الأزمات لا تعني تعطيل التفكير، وإنما تعني إدراك طبيعة المسؤولية التي تتحملها الدولة في حماية أمنها القومي وتحقيق المصلحة العليا للوطن.
وفي قلب هذه المنظومة الوطنية، تواصل القوات المسلحة المصرية أداء رسالتها في حماية حدود الوطن، وتأمين مقدراته، وصون مجاله البحري والجوي، مستندة إلى خبرة راسخة، وكفاءة عالية، وعقيدة وطنية جعلتها، عبر تاريخها، أحد أهم أعمدة الدولة المصرية، وصمام الأمان في مواجهة التحديات. إن هذه المرحلة الدقيقة تفرض على الجميع مسؤولية مضاعفة في التعامل مع المعلومات.
إن الشائعة قد تحقق لخصوم الدولة ما يعجز عنه السلاح، والمعلومة غير الدقيقة قد تربك الرأي العام وتخدم أهدافًا لا تخدم الوطن. ولذلك، فإن الالتزام بالمعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية، والتحلي بالوعي والمسؤولية، يمثلان جزءًا أصيلًا من منظومة الدفاع عن الأمن القومي.
ويبقى الدرس الأهم هو أن قوة الدول لا تنبع من إمكاناتها العسكرية أو الاقتصادية وحدها، مهما بلغت، وإنما تنبع، قبل كل شيء، من تماسك جبهتها الداخلية، والثقة المتبادلة بين الشعب ومؤسسات دولته، وقدرة القيادة على إدارة الأزمات بحكمة وكفاءة.
لقد أثبت التاريخ أن الأوطان التي تتماسك جبهتها الداخلية، ويثق شعبها في مؤسسات دولته، وتحسن قيادتها إدارة الأزمات، لا تستطيع التحديات، مهما تنوعت أدواتها، أن تنال من إرادتها أو تعطل مسيرتها. وقد مثلت هذه الحقيقة، على امتداد تاريخ الدولة المصرية، أحد أهم مصادر قوتها. واليوم، ومع ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة، يظل الاصطفاف الوطني خلف القيادة السياسية، ودعم مؤسسات الدولة، والثقة في قواتنا المسلحة، تعبيرًا عن وعي وطني راسخ بأن حماية مصر مسؤولية مشتركة، وأن قوة الدولة تبدأ من قوة جبهتها الداخلية.
حفظ الله مصر قيادةً، وجيشًا، وشعبًا.