محمود عبد الراضى

جمُعة العيلة..يومٌ تُخبز فيه الروح

الجمعة، 31 يوليو 2026 12:03 م


في الريف، لا ينبت يوم الجمعة من الصباح كباقي الأيام، بل يربو رويداً رويداً فوق نار هادئة، قبل أن تنفض الشمس عن جفنها غبار الليل، ترتفع ألسنة الدفء من الفرن البلدي، الأمهات والجدات لا يخبزن العيش الفلاحي أو المرحرح فحسب، بل يعجنّ صبراً ويخبزن فرحاً، فتسري رائحة الخبيز في الأزقة لتعلن أن للزمان اليوم طعماً آخر.

ومع تباشير الضوء، تبدأ حكايات السفرة التي لا تُنسى، تجتمع الأيدي حول صينية واسعة لا تشبع من اللمة؛ جبنة قديمة يكسر حِدّتها المش، وبيضٌ بلدي يسبح في السمن الساخن، مع طاسة الفول وملاحة الزيت الحار، تسبقها طبسية القشطة الشاردة في حلاوة العسل، إنها ليست مجرد وجبة افطار، بل عقد مودة يُبرم كل أسبوع باللقمة الهنيّة.

وحين تدنو الحادية عشرة، تهدأ الحركة وتخفت الأصوات ليعلو صوت واحد، ينبعث صوت الشيخ محمد صديق المنشاوي من راديو خشب معلق كأنه محراب.

شجون التلاوة تملأ الأرجاء هيبة وسكينة، تحفها طقوس "حمام الجمعة"؛ صابون نابلسي، عطر ورد، وطقم جديد يُلبس للأطفال كأنهم على موعد مع العيد.

ثم يأتي الموكب، رجال القرية وأطفالها يمشون بخطى متأنية على التراب المبتل بالشوق نحو المسجد الكبير، سلامٌ يصافح سلاماً، وكلمات طيبة تُلقى على عواهنها لتزرع الود في القلوب.

وعقب الصلاة، تثور رائحة "الدمعة" والشوربة الثقيلة، حيث تقبع صينية البط أو الفطير المشلتت في قلب المنزل أو المندرة، هنا يتساوى الجميع، فلا أحد يأكل مفرداً لأن اللذة في المشاركة.

ومع انكسار حدة الشمس، تُفرد الحصيرة على المصطبة، يُصب الشاي في أكواب زجاجية شفافة، ويفور الراديو بضحكات "ساعة لقلبك" وسحر "ألف ليلة وليلة".

وفي المساء، تبدأ طقوس الزيارات الخفيفة المحملة بخيرات الغيط، لتنتهي الليلة عند حكايات الجدة التي تطرد الخوف وتستجلب النوم العميق.

لقد كانت الجمعة قديما يوماً لا نعيشه فحسب، بل نقتات على دفئه بقية الأسبوع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة