محمد عبد الحميد الزهار

الأمن القومي في عصر الطائرات المسيّرة وحروب الإدراك

الجمعة، 31 يوليو 2026 12:29 م


لم تعد الأزمات في عالم اليوم تبدأ بصوت انفجار أو اندلاع حريق بل تبدأ غالبا بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو مقطع فيديو مجهول المصدر أو رواية غير موثقة تنتشر خلال دقائق لتصل إلى ملايين الأشخاص قبل أن تتحرك فرق التحقيق أو تنتهي الأجهزة المختصة من جمع الأدلة

لقد تغيرت طبيعة الصراع بشكل جذري فلم يعد الهدف دائما تدمير منشأة أو تعطيل مرفق حيوي وإنما أصبح الهدف في كثير من الأحيان هو التأثير على وعي المجتمع وإرباك الرأي العام وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة ولذلك فإن أخطر ما تواجهه الدول الحديثة ليس فقط التهديد العسكري وإنما التهديد الإدراكي الذي يستهدف تشكيل قناعات المواطنين قبل معرفة الحقائق

ومن هنا فإن حادث ميناء دمياط يجب ألا ينظر إليه باعتباره واقعة منفصلة بل باعتباره نموذجا لطبيعة الصراعات التي أصبحت تواجه الدول في القرن الحادي والعشرين حيث تتداخل الأبعاد الأمنية مع الأبعاد الإعلامية والسياسية والنفسية في لحظة واحدة

ففي الوقت الذي كانت فيه أجهزة الدولة تتعامل ميدانيا مع الحادث كانت هناك معركة أخرى تدور على الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي وكانت هذه المعركة لا تقل أهمية عن التعامل مع الحادث نفسه لأن الرأي العام كان يتعرض لكم هائل من المعلومات المتناقضة والتفسيرات غير المستندة إلى دليل والسيناريوهات التي سبقت نتائج التحقيقات

وهنا يبرز مفهوم بالغ الأهمية وهو الأمن المعرفي

فالأمن المعرفي أصبح أحد أعمدة الأمن القومي في العصر الحديث لأن الدولة التي تفقد السيطرة على تدفق المعلومات قد تجد نفسها أمام أزمة في الوعي حتى لو نجحت في احتواء الأزمة على الأرض

ولذلك فإن نجاح إدارة الأزمة لا يقاس فقط بسرعة وصول سيارات الإطفاء أو فرق الإنقاذ وإنما يقاس أيضا بقدرة مؤسسات الدولة على حماية الحقيقة من التشويه وحماية المجتمع من التضليل وحماية الثقة العامة من محاولات الاستهداف

إن بعض الأصوات تطالب دائما بأن تعلن الدولة كل ما لديها من معلومات منذ اللحظة الأولى غير أن هذا الطرح يتجاهل طبيعة العمل الأمني والفني لأن التحقيقات لا تبنى على الانطباعات ولا على التوقعات وإنما على الأدلة والنتائج العلمية

فالبيان الرسمي ليس سباقا صحفيا وليس منشورا إلكترونيا وإنما وثيقة دولة تتحمل مسؤوليتها أمام المجتمع وأمام القانون وأمام التاريخ ولذلك فإن الدقة تسبق السرعة دائما عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي

ومن هنا فإن التدرج في إعلان المعلومات لا ينبغي أن يفسر باعتباره نقصا في الشفافية وإنما باعتباره جزءا من الإدارة الرشيدة للأزمات لأن الإفصاح عن معلومات غير مكتملة قد يخلق ارتباكا أكبر من تأخير الإعلان عنها لساعات حتى تكتمل الصورة

والبعد الآخر الذي كشفه الحادث يتمثل في التحول الكبير الذي تشهده أدوات الصراع الدولي

فالطائرات المسيّرة لم تعد مجرد وسيلة عسكرية تستخدم في ساحات القتال بل أصبحت أحد أهم أدوات الصراعات غير التقليدية لما تتمتع به من انخفاض التكلفة وسهولة التشغيل وصعوبة الرصد وإمكانية استخدامها في تنفيذ عمليات تستهدف منشآت اقتصادية أو موانئ أو بنية تحتية ذات أهمية استراتيجية

وهذا التطور يفرض على الدول إعادة صياغة فلسفة حماية المنشآت الحيوية بحيث لا تقتصر على الإجراءات الأمنية التقليدية وإنما تعتمد على منظومات متقدمة للإنذار المبكر وتقنيات الحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وتحليل المخاطر والتكامل الكامل بين المؤسسات العسكرية والأمنية والفنية

لكن هناك بعدا أكثر أهمية وهو أن أي دولة مهما بلغت قدراتها الدفاعية لن تستطيع تحقيق الأمن الكامل إذا لم يكن المجتمع نفسه شريكا في حماية الأمن الوطني

فالمواطن الذي يتحقق من المعلومة قبل نشرها يشارك في حماية الأمن القومي

والإعلامي الذي يلتزم بالمهنية يشارك في حماية الأمن القومي

والباحث الذي يقدم تحليلا مسؤولا بعيدا عن الإثارة يشارك أيضا في حماية الأمن القومي

إن مفهوم الأمن لم يعد مسؤولية مؤسسة واحدة بل أصبح منظومة متكاملة تتقاسمها الدولة والمجتمع في آن واحد

ولعل أهم ما يجب أن نتعلمه من هذا الحادث هو أن معارك المستقبل لن تحسم فقط بمن يمتلك السلاح الأكثر تطورا وإنما بمن يمتلك القدرة الأكبر على إدارة الوعي العام وصناعة الثقة وترسيخ المصداقية

فالثقة أصبحت رصيدا استراتيجيا لا يقل أهمية عن السلاح

والدولة التي تحافظ على ثقة مواطنيها تمتلك قدرة أكبر على تجاوز الأزمات مهما كانت طبيعتها

أما الدولة التي تسمح للشائعات بأن تصبح المصدر الرئيسي للمعلومات فإنها تمنح خصومها نصرا مجانيا دون أن يطلقوا رصاصة واحدة

إن الأمن القومي في صورته الحديثة لم يعد يعني فقط حماية الحدود بل يعني أيضا حماية العقول وحماية الإدراك الجمعي وحماية ثقة المجتمع في مؤسساته

ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي في المستقبل لا يكون فقط في تطوير أنظمة الدفاع والتسليح وإنما أيضا في تطوير منظومة الاتصال الحكومي وبناء الوعي الوطني وتعزيز الثقافة الإعلامية لدى المواطنين لأن الدولة التي تنتصر في معركة الوعي تكون أكثر قدرة على الانتصار في كل المعارك الأخرى

ويبقى الدرس الأهم أن الأزمات مهما كانت صعوبتها تنتهي أما الثقة التي تبنى بين الدولة ومواطنيها فهي التي تحدد قدرة الوطن على الصمود في مواجهة التحديات وهي السلاح الاستراتيجي الذي لا غنى عنه في عالم تتغير فيه طبيعة الحروب كل يوم.


الدكتور محمد عبد الحميد الزهار أمين الأمانة المركزية للعلاقات الخارجية بحزب حماه الوطن والخبير في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة