حطّ نتنياهو فى البيت الأبيض، بعد صدٍّ واشتياق. أما عن مفاعيل الزيارة؛ فيصعُب التنبؤ بها، ولا يُعرَف عنها غير ما قاله ترامب بدبلوماسية، وكرّرته مُتحدثته كارولين ليفيت.
صديقان بلا شَكٍّ، وعلاقة البلدين تاريخية راسخة، بما لا يحتمل الشِّقاق، أو يُؤمَل أن تنفصل عُراه قريبًا. غير أن الأمور ليست على ما يُرام، ولا اعتبار لإنكار ما تراه العين وتُثبّته الوقائع.
الرُّسوخ يتّصل بالكيانين؛ أما الأفراد فتجرى عليهم حسابات المشاعر وتقلُّبات القلوب!
وبعيدًا من الأسباب؛ فالمؤكد أن بين الطرفين جبلَ جليد، طفر من تحت الماء فجأة، وأخذ يعلو، ويتمدد عرضًا وعُلوًّا، وتزداد صلابته يوما بعد آخر.
بالأرقام؛ فقد حمل لقاؤهما الأخير رقم ثمانية، حصيلة سبع زيارات لواشنطن، وواحدة فى الاتجاه المُعاكس.
وإذ فاز زعيم الليكود ببطاقات سفره فى أول سنة من ولاية حليفه الثانية؛ فقد احتاج لقُرابة ستّة أشهر كى يتحصّل على موعدٍ، بعد اجتماعهما الأخير منتصف فبراير، قبل أسبوعين من حربهما على إيران!
وفضلاً على فاصل الزمن؛ فتكرار المُقابلات فى ذاته ليس إيجابيًّا بالضرورة، بل ربما يُؤشّر إلى تراكم الرواسب، وافتقادهما للتفاهم والانسجام.
الوتيرة غير اعتيادية طول تاريخ البلدين، وأضعاف ما كان فى الولاية الأولى (الإحصاء الأقرب خمسٌ فى أربع سنوات، بمتوسط واحدة كل أربعين أسبوعا)، مقابل 10 أسابيع حاليا؛ إن استبعدنا لقاء إسرائيل.
دُول أخرى هنا وهناك، حظيت بزيارات مُتبادَلة أو لقاءات أدنى عددا، بينما علاقاتها مع الولايات المُتّحدة أمتَن، أو أقل توتّرًا: مصر والأردن والسعودية والإمارات وغيرها، أو بوتين نفسه، رغم أن واشنطن وموسكو نظريًّا فى حالٍ تُشبه الحرب.
مُورِس ضغط كبير على الحكومة الصهيونية المُتطرفة؛ أقلّه فى الأسابيع الأخيرة.
ما كانت لدى الأخيرة رغبة فى التهدئة مع إيران، ولا أن تُرسَّم لها حدود فى لبنان؛ وإن اخترقتها بين وقت وآخر. فضلاً على لَجم أطماعها فى سوريا، وتدفيع اتفاق غزّة، ببطء، على خلاف هواها طبعًا!
قبل أيّام قصفت أوكرانيا سفينةً فى بحر قزوين، تبيّن أنها تابعة للجمهورية الإسلامية، وكانت تنقل ذخيرة ومُعدّات مزدوجة الاستخدام من روسيا.
وما يتردّد، بحسب تقارير صحفية؛ أنّ كييف زُوِّدت بمعلومات من جهة إسرائيل. أى أنها كانت يدًا للدولة العبرية، التفّت بها على القيود الأمريكية!
وتزداد وجاهة الطرح؛ بالنظر لِمَا سِيق قبل سفر «بيبى».. شاع أنه يحمل وثائق ومعلومات عن البرنامج النووى، ودلائل انتقال مركز قوّته للمنشأة المُستحدثة فى «جبل الفأس».
والغرضُ أن يرفع حرارة المشهد، بعدما أحسّ بذهابه للبرود، وأن يُجَيِّش طاقة الغضب الثنائية تجاه طهران، كما فعل فى آخر وجود سابق بالمكتب البيضاوى.
على أنَّ رجل الصفقات الماكر استبقه بأوضح الرسائل، وأكثرها حِدّة وإهانة معًا؛ عندما صرّح فى مداخلة هاتفية مع «فوكس نيوز»؛ بأنه يعرف ما يجرى، ولا يحتاج معلومات الإسرائيليين، وأنها ما طُرِحَت إلا لرغبة فى إبقائه مُنخرطًا فى الصراع!
لقد وجّه صفعة قاسية لحليفه الصغير؛ لا سيما عندما انتقد إثارة المسألة علنًا، بدل أن تظل فى القنوات الرسمية المُغلقة. فكأنه يفضح اللعبة ويُفسدها فى آنٍ، ويُخطر الزائر بأنه غير مُرحَّب به فعليًّا، وسيعود خالى الوفاض.
وقد يُثار سؤال عن مَنحه الإذن أصلاً، طالما أنه يتصادم معه ويضيق بسلوكيّاته الخفيّة والمُعلنة. وهُنا تُكتَب كلمة «الانتخابات» بحروف كبيرة، وبالإنجليزية والعِبرية.
الزيارة ذات طابع انتخابى على الناحيتين. سفّاح تل أبيب يتطلّع فى أحسن الافتراضات لاستمالة راعيه، وتسخين الميدان مُجدّدًا؛ للذهاب إلى الصناديق تحت غبار المعارك، باعتبارها أمله الأخير.
وفى أسوأ الظروف؛ فسيُسوّق نفسه تحت مظلة الإدارة وتيّار «ماجا»، ولدى الشارع العِبرى باعتباره زعميًا مقبولاً من سيّد واشنطن، وله علاقة وثيقة به، وما يزال الجسر الذى تعبر عليه الصداقة الوطيدة جيئةً وذهابا.
وترامب لا يُريد أن يخسر القاعدة الموالية لإسرائيل؛ لكنه يُوازِنُ الصورة لدى المُختلفين معهم ورافضى الإبادة الصهيونية، بتثبيت موقفه قبل اللقاء وبعده، وتأكيد أنه يُمسِك بالزمام، ولن يُفرّط فيه، كما لن يكون بندقية فى يدِ سياسى فاسد ومُختَلَف عليه فى بلده قبل الخارج.
يسعى نتنياهو إلى الصورة، وتأويلها على معنى التقارب؛ لإنعاش حملته الانتخابية. وكذلك يفعل ترامب مع جماعات الضغط، وحشود اليهود والمسيحية الصهيونية.
والخُلاصة؛ أنها زيارة لإدارة النزاعات، لا لتوكيد التحالف وتوطيده. حتى إن استمرّت 90 دقيقة؛ أو عقَّب عليها الطرفان بصفة التميُّز والإيجاب؛ فما تُضمره الملامح والممارسات أقوى وأكثر تعبيرًا ممّا تقوله الألسنة.
ما تزال الأزمة قائمة مع طهران، ومُذكّرة التفاهُم مُعلّقة فى الفراغ؛ لكنها أقرب للسقوط من الاتّزان. غير أن ذلك لا يعنى عودة الحرب، كما لا يشى بقُرب السلام!
تموج الكواليس بالاتصالات؛ ولو أنكر صقور الملالى وجنرالاتهم. التسوية عَصيّة؛ لا سيما أن الغريمين لا يقبلان بالمُقاصّة فى الخسائر والأرباح. مُختلفون على كلِّ شىء؛ إلَّا إبقاء الصهاينة خارج المشهد.
ارتاح الإيرانيون من ذراع إسرائيل الطُّولى، نسبيًّا على الأقل، وتخلّص الأمريكيون من شُبهة لوّثت المواجهة فى عيون بعض الدول والشعوب.
وكما خَفّ الضغط عن الفُرس؛ فَفُرص أن تتوسّع المواجهة وينخرط فيها آخرون، لحسمها أو تسليك شرايين الملاحة، باتت أعلى مِمّا سبق.
صارت المنطقة مُحيطًا مفتوحًا، تتلاطم أمواجه، ولا يتيسّر استقراء أحواله بعد ساعةٍ واحدة.
حتى الضباب قد يكون عابرًا، والرياح مصنوعة، وإشارات بعض الأطراف مُجرّد مؤامرة، يُحضّرون من ورائها لانفجارٍ من خارج النظر.
هل يصح ذلك بشأن نتنياهو وترامب/ تل أبيب وواشنطن؟ نعم؛ نظريًّا، وحتى الآن. أمّا بالعقل والمنطق؛ فقد تعكّر الماء، واصفَرّت ورقة العجوز الليكودى، وتُوشك أن تقع.
زيارة على شوقٍ، وسيبيعها بأعلى سعر. غير أنَّ تكرار التأكيد على المعانى ينفى ما نزعمه فيها من بديهيَّةٍ، أو «كُتر السَّلام بيقِلّ المعرفة» كما يقول المَثَلُ الشعبى، وربما وجود «بيبى» الأخير فى البيت الأبيض من ذاك النوع!