حينما هبت رياح الخريف العربي العقد الماضي وانتشر الهوس الثوري في المنطقة بهدف صناعة شرق أوسط جديد عبر فوضي خلاقة ترتكز علي إفشال الدول من الداخل سقطت بعض الدول العربية في تلك الفوضي ونشب التناحر الداخلي ومن ثم حدثت حالات انتحار قومي تسللت عبرها قوي خارجية لبسط النفوذ وتحريك تلك الدول التي تعاني من السيولة الأمنية، وهذا بغرض الوصول الي المرحلة الثانية والتي تستهدف تغير خرطة الشرق الأوسط عبر الانتقال من مرحلة إفشال الدول الي إفشال الإقليم بالكامل ما يجعل من الشرق الأوسط ساحة متسعة للصراع تسود أركانه الفوضي، ما يسمح لأصحاب المشروعات التوسعية الساعية للتمدد الإقليمي السيطرة علي الميدان وإدخال المنطقة في حالة حرب استنزاف طويلة الأمد بغرض انهاك ما تبقي من قوي إقليمية بهدف تغير شكل المنطقة جغرافيا وديمغرافيا بالقوة وهذا داخل إقليم هش غير قادر علي المقاومة الأمنية أو الفكرية.
الفوضي الإقليمية واستمرارها حتما ستؤدي الي إفشال الإقليم حيث تشكل التجربة علي مستوي الدول التي استجابت للفوضى خلال العقد الماضي خير شاهد ودليل بل تعد نموذجا للقطاع الإقليمي الأكبر حيث يعد خلق مناخ من التناحر والانقسامات في المنطقة مسار طبيعي لزايدة وتيرة الصراع الإقليمي واتساعه يوم بعد يوم، وهنا يبرز السؤال ماذا نحن فاعلون في ظل هذا العراك الإقليمي وهل نحن بمأمن من تبعاته الأمنية والاقتصادية؟! والإجابة هنا بكل موضوعية تحتم التأكيد أن مصر قدرها ان تسكن هذا الإقليم المضطرب وقد استطاعت النجاه من الفوضي الداخلية وإفشال الدولة والآن وبعد ان تحصنت ببناء قوتها الوطنية الشاملة قادرة علي تخطي تلك الفوضي الإقليمي بنجاح والمحافظة علي ما حققته من استقرار داخلي وسط سيولة أمنية إقليمية عارمة، ولكن هل هذا يعني ان مصر لن تتأثر بالحرب الإقليمية الدائرة؟ قطعا لا فمصر حالها حال كل سكان الشرق الأوسط تتأثر بتبعات الصراع الإقليمي ولكنها ايضا تحاول التخفيف من تبعاته الاقتصادية علي المواطن المصري وتعمل بالتوازي علي الإبتعاد بمصر عن التبعات الأمنية لهذه الفوضي الإقليمية، وهذا عبر اليقظة الامنية وما تمتلك من قوة ردع وبالتوازي العمل السياسي والدبلوماسي المنخرط بشكل إيجابي في خفض التصعيد الإقليمي والدفع بالحلول السياسية كبديل للحلول العسكرية المؤججة للصراع والتي تتبناها الدول الاخري الداعمة لفكرة اشتعال الحرب الإقليمية، ولكن الأهم أيضا هو ما يتعلق بالجبهة الداخلية المصرية والتي يجب ان تعزز بوعي كافي لصد اي محاولات من شأنها النيل من التماسك الداخلي للشعب المصري بل ان حالة الاصطفاف الوطني في ظل هذا الظرف الإقليمي هي فرض عين علي كل مصر محب مخلص أمين علي وطنة، ومن ثم تشكيل حالة من المعرفة العامة بالظرف الإقليمي الراهن وتبعات هذا علي الداخل المصري يشكل سبيل أمثل ليقظة المجتمع وتشكيل وعي جمعي محصن ضد حروب الشائعات والتشكيك التي تحرك اي فوضي وتصنعها خاصة في ظل تشابكات وتعقيدات الملفات الإقليمية ما يجعل الوعي العام غير قادر علي إدراك طبيعة وسرعة تلك المتغيرات الإقليمية، وهو ما يحتاج لتكثيف الجهود في مجالات تعزيز الوعي وصناعة إدراك جمعي خاصة لدي الأجيال الجديدة التي تقف أمام مشهد إقليمي ودولي في غاية التعقيد قد يعجزون عن فهم تفاصيله وهو ما قد يدفعهم الي لانجارف لا شعوريًا نحو فخ الفوضي الإقليمية.
نحن بصدد حرب إقليمية طاحنة كما هي تستدعي التمسك الداخلي للدول فهي ايضا تفرض علي الدول العربية تحديدا المحافظة علي المشروع العربي وسط صراعات لمشروعات دخيلة علي المنطقة تريد ان تفرض نفسها وتجد لنفسها مساحة إقليمية علي حساب الأمن القومي العربي والذي يجب ان يظل هو المحرك الأول للعمل العربي المشترك الذي ينطلق من فهم ان الأمن القومي العربي كل لا يتجزأ وان استقرار المنطقة يستلزم عمل جماعي يحقق هدف واحد وهو أمن واستقرار الدول العربية والعبور بها من تلك الفوضي الإقليمية آمنة سالمة.