دار بيني وبين أحد الزملاء حوار لفت انتباهي جدًا.. الرجل يعيش في القاهرة منذ أكثر من عشرين سنة، تاركًا بلدته في الصعيد، ومع ذلك قال لي جملة توقفت عندها طويلًا: (أنا لحد دلوقتي مش متأقلم مع القاهرة).
عشرون سنة رقم كبير جدًا، رقم يجعلك تتصور أن الإنسان صار ابنًا للمكان الجديد، حفظ شوارعه وفهم طباعه، وتأقلم مع إيقاعه لكن يبدو أن الأمر ليس بهذه السهولة.
هذا جعلني أفكر في الفرق بين العيشة في الريف والعيش في المدينة ففي الريف، الحياة أبطأ لكنها أدفأ الناس تعرف بعضها، العلاقات فيها قرب والإنسان يشعر أنه محاط بدائرة من الألفة والانتماء حتى الصمت هناك مختلف له راحة خاصة.
أما المدينة، فالأمر مختلف تمامًا المدينة سريعة، مزدحمة، لا تعطيك وقتًا طويلًا لتلتقط أنفاسك قد تعيش وسط ملايين البشر، ومع ذلك تشعر أحيانًا بغربة شديدة
السؤال هنا: عندما يُقتلع الإنسان من جذوره ويوضع في مكان آخر، هل يتأقلم بسهولة؟ أم يظل بداخله شيء معلق بالمكان الأول؟ أظن أن المسألة لا تتعلق فقط بالوقت .
هناك من يتأقلم سريعًا وهناك من تمر عليه سنوات طويلة جدًا لكنه يظل يشعر أنه زائر لا صاحب مكان .
وربما هنا يظهر ذلك الشعور الذي يسمونه homesickness، أو حنين الإنسان لبيته الأول هذا الحنين ليس مجرد اشتياق لمكان بل اشتياق لنسخة قديمة من نفسك النسخة التي تشكلت هناك.
يمكن للإنسان أن يعتاد المدينة أن يعمل فيها، وينجح فيها، بل وربما يحبها أيضًا لكن هذا لا يعني بالضرورة أن جذوره اختفت.
أعتقد أن الإنسان لا ينسى جذوره أبدًا هو فقط يتعلم كيف يعيش بعيدًا عنها أو يتظاهر بذلك .