لم تكن القاهرة في صيف 2013 مجرد عاصمة تعيش أزمة سياسية عابرة، بل كانت دولة كاملة تقف أمام مفترق طرق تاريخي.
في تلك الأيام لم يكن السؤال المطروح داخل مراكز القرار الإقليمية والدولية: ماذا يحدث في مصر؟ بل ماذا سيحدث للشرق الأوسط إذا فقدت مصر قدرتها على التماسك؟
كنتُ هناك.
أراقب كيف تحوّل الثالث من يوليو من حدث داخلي إلى نقطة انعطاف استراتيجية أعادت رسم خرائط النفوذ والتحالفات وموازين القوة في المنطقة بأسرها.
ولأن السياسة ليست مجرد أرقام وبيانات وتحليلات، بل ذاكرة وتجربة إنسانية أيضًا، فقد حمل ذلك اليوم بالنسبة لي دلالة خاصة. كان الثالث من يوليو، بمصادفة لا أنساها، يوم ميلادي.
ولهذا اختلط الخاص بالعام؛ فرحتي الشخصية بإحساسي بأن الدولة المصرية التي أنتمي إليها كانت تخوض معركة وجود حقيقية للحفاظ على هويتها ومؤسساتها واستمرارية دورها التاريخي.
رأيت المشهد بعين ابنة للدولة المصرية قبل أن أراه بعين المراقب السياسي. ورأيت كيف كانت البلاد تواجه حالة استقطاب غير مسبوقة، فيما كانت المنطقة كلها تتأرجح تحت وطأة تداعيات ما عُرف بالربيع العربي.
وفي قلب تلك اللحظة برز الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك.
وأقول ذلك انطلاقًا من تجربة مباشرة، إذ كنت أحضر مع الإعلام الأجنبي لقاءات ومؤتمراته خلال تلك المرحلة، وأتابع عن قرب حجم الضغوط التي كانت تحيط به وبالمؤسسة العسكرية في وقت لم يكن أحد قادرًا على توقع ما ستؤول إليه الأحداث.
كان الانطباع الذي خرجت به أن الرجل لم يكن يتعامل مع الأزمة باعتبارها معركة سياسية عادية، بل باعتبارها مسؤولية ترتبط ببقاء الدولة المصرية نفسها.
كان الطريق الأسهل أمامه أن يساير الواقع القائم أو أن يتجنب الدخول في مواجهة محفوفة بالمخاطر، لكن ما بدا واضحًا آنذاك أنه اختار طريقًا مختلفًا، طريقًا يقوم على تقدير أن الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة البلاد يجب أن يتقدم على أي حسابات شخصية أو سياسية ضيقة.
وفي ظل حالة السيولة التي كانت تضرب المنطقة، لم يكن أحد يملك ضمانات للنتائج. كانت دول عربية تتعرض للاهتزاز، وجيوش تتفكك، وحدود تهتز، ومجتمعات تدخل دوامات من العنف والفوضى.
لهذا لم تنظر عواصم عربية رئيسية إلى ما جرى في مصر باعتباره شأنًا مصريًا داخليًا فقط، بل باعتباره حدثًا مؤثرًا في مستقبل النظام الإقليمي بأكمله.
السعودية والإمارات والكويت والبحرين رأت أن استقرار مصر يمثل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة العربية. ولذلك جاء الدعم السياسي والاقتصادي سريعًا وحاسمًا، عبر الاعتراف الفوري بالسلطة الانتقالية وتقديم حزم مساعدات ضخمة ساهمت في دعم الاقتصاد المصري خلال واحدة من أكثر مراحله حساسية.
لكن الأهم من الدعم المالي كان التحرك السياسي والدبلوماسي الذي قادته هذه الدول للدفاع عن استقرار الدولة المصرية في المحافل الدولية، انطلاقًا من قناعة بأن انهيار مصر كان سيُدخل المنطقة في مرحلة أكثر اضطرابًا وتعقيدًا.
ومن رحم تلك التطورات بدأ يتشكل محور إقليمي جديد قوامه القاهرة والرياض وأبوظبي، ارتكز على مفهوم الدولة الوطنية باعتبارها الضمانة الأساسية للاستقرار والأمن الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، كانت موسكو تتابع المشهد من زاوية مختلفة.
فروسيا التي كانت تعمل على استعادة حضورها الدولي بعد سنوات من التراجع رأت في التحولات المصرية فرصة استراتيجية لإعادة بناء نفوذها في الشرق الأوسط عبر أهم دولة عربية من حيث الوزن السياسي والجغرافي والتاريخي.
في نظر القيادة الروسية، لم تكن القضية الأساسية مرتبطة بالجدل السياسي الدائر حول توصيف الأحداث، بقدر ما كانت مرتبطة بمفهوم استقرار الدولة وقدرتها على الحفاظ على مؤسساتها.
ولهذا وجدت موسكو في القاهرة شريكًا تتقاطع معه في رؤية تقوم على أولوية الدولة الوطنية ورفض سيناريوهات التفكك والانهيار التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.
ومن هنا لم يكن التقارب المصري الروسي مجرد تعاون في مجالات التسليح أو الطاقة أو الاقتصاد، بل كان تعبيرًا عن تحولات أعمق في البيئة الدولية والإقليمية.
فمصر كانت تسعى إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية وعدم حصر خياراتها في اتجاه واحد، بينما كانت روسيا تبحث عن موطئ قدم قوي يعزز عودتها لاعبًا مؤثرًا في الشرق الأوسط.
ومع مرور السنوات، تطورت هذه العلاقة لتصبح أحد ملامح السياسة الخارجية المصرية في مرحلة ما بعد 2013، ضمن رؤية أوسع تقوم على تنويع العلاقات الدولية وبناء شبكة متوازنة من الشراكات مع مختلف القوى الكبرى.
واليوم، وبعد أكثر من عقد على تلك الأحداث، يبدو واضحًا أن الثالث من يوليو لم يكن مجرد محطة في التاريخ المصري المعاصر، بل لحظة مفصلية أعادت تشكيل توازنات إقليمية ودولية امتدت آثارها إلى ما هو أبعد من الحدود المصرية.
كنتُ هناك، وأدرك الآن أكثر من أي وقت مضى أن ما شهدناه لم يكن مجرد انتقال سياسي، بل جزءًا من عملية إعادة تشكيل واسعة للشرق الأوسط وللنظام الدولي الذي كان يتغير أمام أعيننا.
ولهذا سيبقى الثالث من يوليو بالنسبة لي يومًا يحمل معنى مزدوجًا؛ ذكرى ميلاد شخصية، وذكرى لحظة تاريخية شعرت فيها أن الدولة المصرية بدأت فصلًا جديدًا من مسيرتها الطويلة