الناتو الأوروبي.. القارة العجوز تستعد لعصر ما بعد المظلة الأمريكية.. الخيارات الصعبة في رحلة البحث عن استقلال عسكري وصياغة سيادة استراتيجية جديدة.. هل تكفي القدرات المالية والعسكرية لبناء منظومة دفاعية مستقلة؟

الجمعة، 03 يوليو 2026 09:00 م
الناتو الأوروبي.. القارة العجوز تستعد لعصر ما بعد المظلة الأمريكية.. الخيارات الصعبة في رحلة البحث عن استقلال عسكري وصياغة سيادة استراتيجية جديدة.. هل تكفي القدرات المالية والعسكرية لبناء منظومة دفاعية مستقلة؟ الناتو الأوروبي

تحقيق / أحمد عرفة

 

<< حلف الناتو في مرمى نيران ترامب.. من "النمر الورقي" إلى التلويح بالانسحاب التاريخي

<< مسئول سابق بالناتو: التحركات الأوروبية لا تعني الانفصال عن واشنطن بل تحوط استراتيجي حذر

<< إعادة تموضع استراتيجي أم عقاب سياسي؟.. أبعاد خفض القوات الأمريكية في ألمانيا

<< مستشارة بالاتحاد الأوروبي: النموذج الأمني الأوروبي الجديد يتجاوز السلاح نحو "المرونة المجتمعية الشاملة"

<< برلين في عهد "ميرتس".. من الاحتماء بالمظلة الأمريكية إلى قيادة تيار السيادة الأوروبية


 

لم تعد فكرة إنشاء قوة دفاعية أوروبية مستقلة أو ما يُطلق عليه إعلاميا "الناتو الأوروبي" مجرد طرح نظري تتداوله مراكز الأبحاث وصناع القرار في القارة العجوز، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات إلحاحا على أجندة الأمن الأوروبي، خاصة مع تصاعد الشكوك بشأن مدى استمرار الالتزام الأمريكي التقليدي بحماية دول القارة.

ازدادت هذه المخاوف بصورة ملحوظة منذ ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى، عندما وجه انتقادات حادة لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، واتهم عددا من الدول الأوروبية بعدم تحمل نصيبها العادل من الأعباء الدفاعية، قبل أن تتخذ إدارته خطوات لخفض الوجود العسكري لواشنطن في ألمانيا وإعادة تمركز بعض القوات خارج الأراضي الألمانية.

ورغم أن العلاقات الأمنية عبر الأطلسي ظلت قائمة، فإن الرسائل السياسية التي حملتها تلك القرارات دفعت العديد من العواصم الأوروبية إلى إعادة النظر في مسألة الاعتماد شبه الكامل على المظلة العسكرية الأمريكية، وطرحت تساؤلات جوهرية حول قدرة القارة العجوز على حماية حدودها ومصالحها الاستراتيجية إذا قررت واشنطن في أي وقت تقليص التزاماتها الأمنية أو توجيه أولوياتها نحو مناطق أخرى من العالم، وفي مقدمتها منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصعود الصيني.

ومع عودة الجدل حول مستقبل العلاقات الأوروبية الأمريكية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي والحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في فبراير 2022، برزت أصوات أوروبية تطالب بتسريع خطوات بناء منظومة دفاعية أوروبية أكثر استقلالا، تكون قادرة على التحرك عسكريا دون الحاجة إلى دعم أمريكي مباشر، وتؤسس لما يسميه بعض الساسة الأوروبيين "السيادة الاستراتيجية الأوروبية".

 

خطة جديدة لناتو أوروبي

وخرجت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية في 15 أبريل الماضي، لتكشف أن الدول الأوروبية تسرع جهودها لوضع خطة لحلف الناتو، تحسبا لانسحاب ترامب، موضحة أن الخطة تهدف إلى ضمان قدرة القارة العجوز على الدفاع عن نفسها باستخدام الهياكل العسكرية القائمة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب الولايات المتحدة، وذلك بعد حصولها على موافقة ألمانيا، المعارضة منذ زمن طويل لنهج الانفراد بالقرارات.

وبحسب الصحيفة الأمريكية، يسعى المسؤولون العاملون على هذه الخطة التي أطلق عليها البعض اسم "حلف الناتو الأوروبي"، إلى إشراك المزيد من الأوروبيين في أدوار القيادة والسيطرة داخل الحلف، ودعم القدرات العسكرية الأمريكية بقدراتهم الخاصة، حيث يؤكد المشاركون أن هذه الخطة لا تهدف إلى منافسة الحلف الحالي بل يهدف المسؤولون الأوروبيون من خلالها إلى الحفاظ على الردع ضد روسيا، واستمرارية العمليات، والمصداقية النووية حتى في حال سحب واشنطن قواتها من القارة العجوز أو رفضها الدفاع عنها، كما هدد ترامب.

خطة حلف الناتو الأوروبي
خطة حلف الناتو الأوروبي

 

وتبرز هذه الخطة، التي وُضعت فكرتها الأولى العام الماضي، عمق القلق الأوروبي بشأن موثوقية الولايات المتحدة، حيث تسارعت هذه التحركات بعد تهديد ترامب بضم جزيرة جرينلاند من الدنمارك، العضوة في حلف الناتو، وتكتسب الآن هذه الفكرة زخما متزايدا في ظل المواجهة القائمة بسبب رفض أوروبا دعم الحرب الأمريكية على إيران.

الصحيفة ركزت على التحول السياسي الذي شهدته برلين والذي يعزز هذا الزخم، حيث إنه على مدى عقود، قاومت ألمانيا الدعوات الفرنسية إلى تعزيز السيادة الأوروبية في مجال الدفاع، مفضلة الإبقاء على الولايات المتحدة بصفتها ضامنا نهائيا للأمن الأوروبي، لكن هذا الوضع يتغير الآن في عهد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، بسبب المخاوف بشأن مدى موثوقية واشنطن بوصفها حليفا خلال رئاسة ترامب وما بعدها.

وذكرت الصحيفة، أن الخطة البديلة تمثل تحديا هائلا، فبنية الناتو بأكملها مبنية على القيادة الأمريكية على جميع المستويات تقريبا، من الخدمات اللوجيستية والاستخباراتية إلى القيادة العسكرية العليا للحلف، فيما يحاول الأوروبيون الآن تحمل المزيد من هذه المسؤوليات، وهو ما طالب به ترامب منذ فترة طويلة.

 

قيادة أوروبية للناتو

وكشف الأمين العام للحلف، مارك روته، في وقت سابق، أن الحلف سيكون أكثر قيادة أوروبية، إلا أن الصحيفة الأمريكية أكدت أن الفرق الآن هو أن الأوروبيين يتخذون خطوات بمبادرة منهم، نتيجة لتزايد عدائية ترامب، وليس نتيجة لاستفزازات أمريكية.

وأشارت إلى أن قادة أوروبيين باتوا يتولون مناصب قيادية رئيسية في الناتو بشكل متزايد في الوقت الراهن، كما أن مناورات كبرى أُجريت مؤخرا أو مقرر تنظيمها في الأشهر المقبلة ستكون بقيادة قوات أوروبية خاصة في منطقة الشمال الأوروبي حيث يجاور الحلف روسيا، فيما تتمثل إحدى أكثر الفجوات صعوبة في مجالي الاستخبارات والردع النووي.

معلومات مهمة في حلف الناتو
معلومات مهمة في حلف الناتو

 

وقال مسئولون أوروبيون للصحيفة، إن أي إعادة توزيع للقوات لا يمكنها أن تعوض سريعا أنظمة الأقمار الصناعية والمراقبة والإنذار المبكر للصواريخ التي توفرها الولايات المتحدة.

 

مخاوف أوروبية من الالتزام الأمريكي بأمن القارة

ويرى أحمد العناني، الخبير في العلاقات الدولية، أن التوجه الأوروبي المتزايد نحو بناء منظومة دفاعية مستقلة لا يأتي من فراغ، وإنما يعكس حالة من القلق المتصاعد داخل العواصم الأوروبية بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن القارة خلال السنوات المقبلة.

قوة الجيوش المشاركة في حلف الناتو
قوة الجيوش المشاركة في حلف الناتو

 

ويؤكد في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن أحد أبرز الأسباب التي دفعت الدول الأوروبية إلى التفكير في تعزيز استقلالها الدفاعي يتمثل في الضغوط التي مارسها ترامب على أعضاء حلف شمال الأطلسي، مطالبا إياهم بزيادة الإنفاق العسكري وتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع الجماعي، بحجة أن الولايات المتحدة تتحمل تكاليف مالية ضخمة ومبالغًا فيها لحماية الحلفاء الأوروبيين.

ويضيف أن أوروبا شعرت خلال الفترة الأخيرة بأن أولويات الإدارة الأمريكية لم تعد تتركز على القارة الأوروبية بالقدر نفسه الذي كانت عليه في العقود الماضية، خاصة مع تحول اهتمام ترامب نحو مواجهة النفوذ الصيني عالميا، إلى جانب تركيزه المتزايد على قضايا ومصالح الولايات المتحدة في الإقليم الجنوبي، وبالتحديد أمريكا اللاتينية، وهو ما أثار مخاوف أوروبية من تراجع المظلة الأمنية الأمريكية مستقبلا.

ويشير العناني إلى أن نهج ترامب القائم على المواجهة الخشنة في العديد من الملفات الدولية، وعلى رأسها الملف الإيراني، أدى إلى اتساع فجوة الرؤى بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية، حيث تبنت دول أوروبية مواقف أكثر حذرا تجاه التصعيد العسكري مع إيران، وهو ما كشف عن وجود تباينات استراتيجية متزايدة بين ضفتي الأطلسي بشأن إدارة الأزمات الدولية.

ويوضح أن السياسة الأمريكية تجاه الحرب الروسية الأوكرانية شكلت أحد أهم العوامل التي دفعت أوروبا إلى إعادة التفكير في مستقبل أمنها الاستراتيجي، حيث إن الضغوط التي مارستها إدارة ترامب على كييف، إلى جانب ما اعتبرته بعض الدول الأوروبية ميلا أمريكيا أكبر نحو التفاهم مع موسكو، مثلت تحولا ملحوظا في طبيعة التحالف التقليدي بين واشنطن والقارة العجوز، وأعطت انطباعا بأن بوصلة السياسة الأمريكية لم تعد تتحرك بالاتجاه ذاته الذي اعتادت عليه الدول الغربية منذ نهاية الحرب الباردة.

ويقول إن هذه المتغيرات مجتمعة دفعت العديد من الدول الأوروبية إلى البحث عن بدائل تضمن لها قدرا أكبر من الاستقلالية الدفاعية، بما يتيح لها حماية مصالحها الأمنية والاستراتيجية بعيدا عن التقلبات التي قد تطرأ على توجهات الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

 

تحديات أمام تشكيل ناتو أوروبي

الطريق نحو إنشاء حلف دفاعي أوروبي متكامل لا يبدو سهلا، فالقارة التي تضم عشرات الدول ذات المصالح والرؤى الأمنية المختلفة تواجه تحديات معقدة تتجاوز مجرد زيادة الإنفاق العسكري أو شراء المزيد من الأسلحة، وهناك معضلة غياب رؤية موحدة لطبيعة التهديدات التي تواجه القارة العجوز، إذ تختلف أولويات دول شرق القارة، التي ترى في روسيا التهديد الرئيسي لأمنها القومي، عن أولويات دول الجنوب التي تركز على ملفات الهجرة غير الشرعية والإرهاب وعدم الاستقرار في منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا.

كما يواجه مشروع "الناتو الأوروبي" تحديا يتعلق بقدرات التصنيع العسكري والتكامل اللوجستي بين الجيوش الأوروبية، فعلى الرغم من امتلاك القارة إمكانات اقتصادية وصناعية ضخمة، فإن تعدد أنظمة التسليح واختلاف العقائد العسكرية بين الدول الأعضاء يعرقل بناء قوة موحدة قادرة على التحرك بكفاءة وسرعة في أوقات الأزمات.

تحديات تواجه إنشاء حلف الناتو الأوروبي
تحديات تواجه إنشاء حلف الناتو الأوروبي

 

وتبرز كذلك عقبة التمويل كواحدة من أكثر التحديات تعقيدا، حيث يتطلب إنشاء بنية دفاعية أوروبية مستقلة استثمارات هائلة بمئات المليارات من اليورو لتطوير الصناعات العسكرية وتعزيز القدرات القتالية وإنشاء منظومات قيادة وتحكم واستخبارات متكاملة، في وقت تواجه فيه العديد من الحكومات الأوروبية ضغوطا اقتصادية وارتفاعا في مستويات الدين العام وتباطؤًا في النمو.

ولا تقل التحديات السياسية أهمية عن التحديات العسكرية والاقتصادية، ففكرة التنازل عن جزء من السيادة الوطنية لصالح قيادة دفاعية أوروبية مشتركة لا تزال محل جدل داخل العديد من الدول، كما أن بعض الحكومات، خاصة في شرق أوروبا، لا تزال ترى أن الضمانة الأمنية الأمريكية المتمثلة في حلف الناتو أكثر موثوقية من أي ترتيبات دفاعية أوروبية جديدة.

 

وذكرت صحيفة وول ستريت، أن هناك مسائل ما زالت عالقة أمام إنشاء الناتو الأوروبي، من سيتولى إدارة دفاعات الحلف الجوية والصاروخية وممرات التعزيز إلى بولندا ودول البلطيق وشبكات الخدمات اللوجستية والمناورات الإقليمية الكبرى في حال تنحي الضباط الأمريكيين، حيث نقلت عن مسؤولين قولهم إن هذه الأمور لا تزال تمثل أكبر التحديات، وإعادة العمل بالتجنيد الإجباري تعد جانبا آخر بالغ الأهمية لنجاح الخطة.

حجم التسليح في الناتو
حجم التسليح في الناتو

 

ويرى نيكولاس ويليامز، المسؤول السابق في حلف شمال الأطلسي، أن التحركات الأوروبية الحالية نحو بناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر استقلالا لا تعني السعي إلى الانفصال الكامل عن الولايات المتحدة أو استبدال حلف الناتو في المدى القريب، وإنما تعكس محاولة هادئة وتدريجية لتقليل الاعتماد المطلق على واشنطن في القضايا الأمنية والدفاعية.

ويقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تدفع الدول الأوروبية إلى التفكير بهذا الاتجاه، أول هذه الأسباب يتمثل في أن الولايات المتحدة طالما طالبت حلفاءها الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من مسؤولية الدفاع عن القارة، موضحا أن ترامب كان الأكثر نجاحا مقارنة بأسلافه في الضغط على حكومات القارة العجوز لزيادة إنفاقها العسكري وتعزيز مساهمتها في منظومة الأمن الجماعي.

ويضيف أن السبب الثاني يرتبط بتراجع مستوى الثقة الأوروبية في استمرارية الالتزام الأمريكي التقليدي بأمن القارة، مشيرا إلى أن السياسات التي انتهجها ترامب تجاه عدد من الحلفاء الأوروبيين دفعت العديد من عواصم القارة العجوز إلى إعادة تقييم درجة اعتمادها على القدرات العسكرية الأمريكية.

ويؤكد المسؤول السابق في الناتو أن الأوروبيين باتوا ينظرون إلى تطوير قدراتهم الدفاعية الذاتية باعتباره نوعا من التحوط الاستراتيجي لمواجهة أي تغيرات مستقبلية قد تجعل الولايات المتحدة أقل استعدادا أو قدرة على لعب الدور الذي اضطلعت به لعقود طويلة.

أما السبب الثالث، بحسب ويليامز، فيتعلق بالتداعيات العميقة للحرب الروسية الأوكرانية، إذ ينظر الأوروبيون إلى الغزو الروسي لأوكرانيا باعتباره تهديدا مباشرا ليس فقط للأمن الأوروبي، بل أيضا لمشروع التكامل الأوروبي نفسه وللمنظومة السياسية والاقتصادية التي بُني عليها الاتحاد الأوروبي منذ عقود.

ويوضح أن العديد من القادة الأوروبيين يتبنون مواقف أكثر تشددا تجاه موسكو مقارنة ببعض التيارات السياسية داخل الولايات المتحدة، وهو ما يدفعهم إلى السعي لامتلاك أدوات دفاعية مستقلة تتيح لهم التحرك وفقا لمصالحهم الأمنية الخاصة، مشيرا إلى أن هذه المعطيات ستدفع القارة العجوز خلال السنوات المقبلة إلى تعزيز قدراتها العسكرية وتطوير صناعاتها الدفاعية وبناء آليات أمنية أكثر استقلالا، بما يسمح لها بالتحرك بشكل أكبر بعيدا عن الاعتماد الكامل على واشنطن.

ومع ذلك، يحذر ويليامز من المبالغة في تقدير سرعة هذا التحول، موضحا أن بناء قوة دفاعية أوروبية قادرة على العمل بشكل مستقل تماما عن المظلة الأمريكية يتطلب سنوات طويلة واستثمارات مالية ضخمة وتوافقا سياسيا غير مسبوق بين الدول الأوروبية، كما أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في توفير الأموال أو المعدات العسكرية، بل في قدرة دول القارة على الحفاظ على وحدة الموقف السياسي والإرادة المشتركة لفترة طويلة تكفي لإنجاز مشروع دفاعي بهذا الحجم والطموح.

 

هجوم ترامب ورد أوروبا

ونقلت صحيفة دويتش فيله الألمانية عن ترامب وصفه الناتو بأنه نمر من ورق والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعرف ذلك أيضا، مما دفع رئيس فنلندا ألكسندر ستوب، وأحد القادة المشاركين في خطط إنشاء الناتو الأوروبي للتأكيد على أن نقل العبء من الولايات المتحدة إلى أوروبا جار بالفعل وسيستمر.

أبرز تصريجات ترامب ضد الناتو خلال حرب إيران
أبرز تصريجات ترامب ضد الناتو خلال حرب إيران

 

وقال إن الأمر الأكثر أهمية هو أن نفهم أن هذا التحول يحدث بالفعل، ويجب أن يتم بطريقة محكومة بشكل جيد خاصة في حال قيام الولايات المتحدة بالانسحاب السريع، متابعا :"الرسالة الأساسية لأصدقائنا الأمريكيين هي أنه بعد كل هذه العقود، حان الوقت لأن تتحمل أوروبا قدرا أكبر من المسؤولية عن أمنها ودفاعها"

وذكر تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، في 12 يونيو، أن إدارة ترامب أبلغت الدول الأوروبية بأنها ستقلل بشكل كبير من الأصول العسكرية الأمريكية في القارة المخصصة لعمليات الناتو ونتيجة لذلك، ستتأثر قدرة الحلف على شن هجمات طويلة المدى وتنفيذ مهام استطلاع بشدة.

وأشار التقرير ، إلى أنه سيتم تخفيض عدد طائرات المقاتلة الأمريكية من طراز F16 و F15 من 150 إلى 100، وكذلك تخفيض عدد طائرات الاستطلاع البحرية من 26 إلى 15، وستغادر جميع الطائرات الثماني للتزويد بالوقود في أوروبا، كما ستغادر غواصة هجومية، حاملة طائرات، وسفن حربية، وسربان من القاذفات قيادة أوروبا.

وعلق وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، على مساعي إنشاء حلف أوروبي بعيدا عن واشنطن، بأن النقاشات الجارية حاليا داخل الناتو ليست سهلة دائما، لكن إذا أسفرت عن قرارات، فإن ذلك سيخلق فرصة لأوروبا، متابعا : "من الواضح أننا نحن الأوروبيين يجب أن نتحمل قدرا أكبر من المسؤولية عن دفاعنا ونحن نفعل ذلك بالفعل، ويجب أن يصبح الحلف أكثر طابعا أوروبيا لكي يظل تحالفا عبر أطلسيا".

وتوضح الدكتورة إيريني سعيد، المحللة السياسية، أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي في السنوات الأخيرة فرضت واقعا جديدا على طبيعة التحالفات العسكرية التقليدية، مشيرة إلى أن الصراعات الراهنة تختلف بشكل كبير عن الحروب الكلاسيكية التي عرفها العالم خلال القرن الماضي، وفي مقدمتها الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على شكل العلاقات بين الدول وآليات بناء التحالفات الأمنية والعسكرية.

وتقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن تغير مضامين الصراعات وتعقدها أسهما في إحداث تحولات جوهرية في العلاقات الدولية، خاصة العلاقات العسكرية التي ارتبطت تاريخيا بمفاهيم الأمن الجماعي والدفاع المشترك، لافتة إلى أن التحديات الأمنية الجديدة دفعت العديد من الدول إلى إعادة النظر في أولوياتها الدفاعية وقدراتها العسكرية.

الدكتورة إيرني سعيد
الدكتورة إيرني سعيد

 

وفي حديثها عن الجدل المتصاعد بشأن مستقبل حلف "الناتو" وإمكانية اتجاه أوروبا نحو بناء منظومة دفاعية مستقلة، تشير إيرني سعيد إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية تمثل النموذج الأبرز لفهم طبيعة هذا الجدل، مؤكدة أن أوروبا وجدت نفسها غير قادرة على إدارة تداعيات الحرب أو دعم كييف بالفاعلية المطلوبة بعيدا عن المساندة الأمريكية، وهو ما كشف حجم اعتماد القارة العجوز على واشنطن في الملفات العسكرية والاستراتيجية الكبرى.

وتضيف أن ترامب لم يُظهر الحماس نفسه الذي كانت تنتظره العواصم الأوروبية لدعم أوكرانيا، بل إن بعض مواقفه وتصريحاته عكست تقاربا مع الرؤية الروسية، خاصة فيما يتعلق بمبادرات التسوية المطروحة، والتي اعتبرتها دول أوروبية عديدة متعارضة مع المصالح الأوكرانية وتصب في صالح المكاسب التي حققتها موسكو على الأرض.

وتؤكد المحللة السياسية أن أوروبا تواجه في الوقت نفسه مجموعة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي أثرت بشكل مباشر على قدراتها الدفاعية، مشيرة إلى أن سنوات من تقليص الإنفاق العسكري وإعطاء الأولوية لبرامج التنمية والخدمات الاجتماعية انعكست سلبا على جاهزية الجيوش الأوروبية في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.

وتستشهد بحالة الجدل التي شهدتها بريطانيا مؤخرا بشأن الإنفاق الدفاعي، والتي انعكست في الخلافات السياسية حول حجم الموازنة العسكرية وضرورة زيادتها لمواكبة المتغيرات الدولية، معتبرة أن هذه المناقشات ليست حكرا على لندن فقط، بل تمتد إلى دول أوروبية كبرى مثل فرنسا وألمانيا التي تعمل بدورها على تعزيز قدراتها العسكرية ورفع مستويات الجاهزية الدفاعية.

وتوضح أن الرغبة الأوروبية في تعزيز القدرات العسكرية لا تعني بالضرورة السعي إلى إنشاء حلف دفاعي منفصل عن الناتو، لافتة إلى أن إنشاء منظومة أمنية أوروبية مستقلة بالكامل سيصطدم بتحديات مالية وسياسية ضخمة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية، بجانب التباينات السياسية بين الحكومات الأوروبية وصعود تيارات اليمين المتطرف في عدد من الدول.

وترجح أن تتجه الدول الأوروبية خلال المرحلة المقبلة إلى تعزيز حضورها داخل الناتو وزيادة مساهماتها الدفاعية، بدلا من السعي إلى تأسيس بديل كامل للحلف، مؤكدة أن الحلف ما يزال يمثل الإطار الأمني الأكثر فاعلية بالنسبة للقارة العجوز في مواجهة التهديدات الإقليمية والدولية.

وتشير الدكتورة إيريني سعيد إلى أن ترامب سبق وأن تبنى مواقف أثارت قلق الحلفاء الأوروبيين خلال ولايته الأولى، سواء فيما يتعلق باتفاقيات دولية أو بالتزام الولايات المتحدة تجاه بعض التحالفات، وهو ما يدفع العواصم الأوروبية إلى محاولة الاستعداد لأي تغيرات محتملة في السياسة الأمريكية مستقبلا، خاصة أن الولايات المتحدة لا تزال تتحمل الجزء الأكبر من الأعباء المالية والعسكرية داخل الناتو.

 

سحب قوات أمريكية من ألمانيا

وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في أبريل، أنها ستسحب قرابة 5 آلاف جندي من ألمانيا، في رسالة توبيخ من واشنطن لحليفها الوثيق في الناتو، وسط تصاعد الخلافات بين ترامب وأوروبا بشأن الحرب مع إيران، ليرد الحلف إنه يعمل مع الولايات المتحدة على فهم قرار إدارة أمريكا خفض عدد قواتها في ألمانيا بمقدار 5,000 جندي، وذلك في أعقاب توتر بين قيادتي البلدين.

وذكرت المتحدثة باسم الناتو حينها، أليسون هارت أن الحلف يعمل مع الولايات المتحدة لفهم تفاصيل قرارها بشأن تموضع القوات في ألمانيا، وذلك وسط تلويح من ترامب باتخاذ خطوات مماثلة تجاه إيطاليا وإسبانيا.

كما أعلنت ألمانيا، في بيان لها، مستخدمة الاسم العسكري للحملة ضد إيران، أنها استجابت بشكل فعال لدعوة ترامب إلى تقاسم أكبر للأعباء، حيث زادت الإنفاق الدفاعي بشكل ملحوظ، ووفرت وصولا سلسا وقواعد عسكرية وتغطية جوية للقوات الأمريكية في إطار دعم عملية "إبيك فيوري"، مشيرة إلى ضرورة إجراء أي تخفيض في عدد القوات بالتنسيق مع الكونجرس والحلفاء.

ونقلت صحيفة الجارديان البريطانية في 3 مايو، عن قيادات في الحزب الجمهوري إعرابهم عن قلقهم بعد تهديد ترامب بسحب المزيد من القوات الأمريكية من ألمانيا، حيث هدد الرئيس الأمريكي بسحب المزيد من القوات من برلين بعد أن فاجأ القادة الأوروبيين وبعض كبار أعضاء حزبه بإعلانه الأسبوع الماضي سحب 5000 جندي.

وبحسب الصحيفة البريطانية، فقد أدى هذا الإجراء إلى بقاء 30 ألف جندي أمريكي في البلاد، ليخرج ترامب ويقول: "سنخفض العدد بشكل كبير، وسنخفضه بأكثر من 5000 جندي"، وذلك على إثر تصريحات المستشار الألماني الذي قال إن إيران تتعرض للإذلال، ولم يعلن دعمه لواشنطن في الحرب.

انسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا
انسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا

 

وفي حديثه إلى الطلاب في مارسبرج الألمانية، قال ميرز: "من الواضح أن الإيرانيين ماهرون للغاية في التفاوض، أو بالأحرى، ماهرون جدا في عدم التفاوض، حيث يسمحون للأمريكيين بالسفر إلى إسلام أباد ثم المغادرة مرة أخرى دون أي نتيجة، إن أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية، وخاصة من قبل ما يسمى بالحرس الثوري. ولذا آمل أن ينتهي هذا الأمر في أسرع وقت ممكن."

أبرزت تصريحات المستشار الألماني، التوترات بين الولايات المتحدة والناتو وحلفائهم الأوروبيين بشأن الحرب في إيران وغيرها من النزاعات الخارجية، حيث أشارت رسالة بريد إلكتروني مسربة من البنتاجون إلى وكالة رويترز إلى إمكانية معاقبة إسبانيا، التي كانت من أشد منتقدي الحرب، وتعليق عضويتها في الحلف.

وأصدر النائبان الجمهوريان اللذان يرأسان لجنتي القوات المسلحة في الكونجرس، السيناتور روجر ويكر من ولاية ميسيسيبي والنائب مايك روجرز من ولاية ألاباما، بيانا مشتركا في 2 مايو، قالا فيه إنهما قلقان للغاية من احتمال خفض عدد القوات في ألمانيا، وأضاف البيان: "بدلا من سحب القوات من القارة الأوروبية بالكامل، من مصلحة الولايات المتحدة الحفاظ على قوة ردع قوية في أوروبا من خلال نقل هذه القوات الأمريكية البالغ عددها 5000 جندي إلى الشرق، وقد استثمر الحلفاء هناك مبالغ طائلة لاستضافة القوات الأمريكية، مما يقلل التكاليف على دافعي الضرائب الأمريكيين، ويعزز في الوقت نفسه خط المواجهة لحلف الناتو للمساعدة في ردع نشوب صراع أكثر تكلفة بكثير من الأساس".


ويوضح حسين خضر، نائب رئيس الأمانة الفيدرالية للهجرة بالحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، أن التوجه الأوروبي الحالي نحو تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة وبناء ركيزة أمنية أوروبية أكثر استقلالا جاء نتيجة تحولات استراتيجية عميقة شهدتها القارة خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية التي غيرت الكثير من المسلمات الأمنية التي اعتمدت عليها أوروبا لعقود.

حسين خضر
حسين خضر

 

ويشير في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن ألمانيا كانت تاريخيا تعتمد بشكل كبير على المظلة الأمنية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، بينما تبنى الحزب الاشتراكي الديمقراطي سياسة الانفتاح على الشرق التي أسسها المستشار الأسبق فيلي برانت، والتي قامت على تخفيف التوترات مع المعسكر الشرقي من خلال الحوار والاعتماد الاقتصادي المتبادل، إلا أن الحرب الروسية على أوكرانيا، شكلت نقطة تحول تاريخية أنهت الرهان على إمكانية بناء الأمن الأوروبي بالشراكة مع روسيا في ظل قيادتها الحالية.

ويضيف، أن المستشار الألماني السابق أولاف شولتس أعلن بوضوح ما عرف بالتحول التاريخي في السياسة الأمنية الألمانية، حيث أصبح ضمان الأمن الأوروبي يتم من خلال مواجهة التهديدات الروسية وردعها، وليس عبر افتراض إمكانية التعاون معها كما كان سائداً في العقود الماضية.

ويؤكد "خضر"، أن هذا التحول لم يتوقف عند الحكومة السابقة، بل استمر وتعزز في ظل الحكومة الائتلافية الحالية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، وبمشاركة قوية من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يتولى من خلال بوريس بيستوريوس حقيبة الدفاع، موضحا أن برلين باتت تنظر إلى بناء قدرات دفاعية أوروبية أقوى باعتباره خيارا استراتيجياً طويل الأمد.

ويتابع أن أحد أهم أسباب دعم ألمانيا لتقوية الركيزة الدفاعية الأوروبية يتمثل في ضرورة تحقيق قدر أكبر من السيادة الاستراتيجية الأوروبية، قائلا: "لم يعد من الممكن أن ترهن أوروبا أمنها بالكامل للتقلبات السياسية في واشنطن، ومع تزايد تركيز الولايات المتحدة على منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إضافة إلى التصريحات المتكررة لترامب بشأن إمكانية تقليص الالتزامات الأمريكية داخل الناتو أو سحب قوات من أوروبا، أصبح من الضروري أن تمتلك القارة قدرات دفاعية فعالة تمكنها من حماية أمنها ومصالحها".

ويقول نائب رئيس الأمانة الفيدرالية للهجرة بالحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني: "نحن لا نتحدث عن بديل للناتو أو عن قطيعة مع الولايات المتحدة، وإنما عن شراكة أكثر توازنا يكون فيها الأوروبيون أكثر قدرة على تحمل مسؤولياتهم الأمنية واتخاذ القرار بصورة مستقلة إذا اقتضت الظروف ذلك".

وحول التحديات التي تواجه هذا المسار، يوضح خضر أن التحدي الأول يتمثل في كيفية زيادة الإنفاق الدفاعي دون المساس بالنموذج الاجتماعي الأوروبي، متابعا: "نحن في الحزب الاشتراكي الديمقراطي نؤيد تعزيز القدرات الدفاعية، لكننا نرفض أن يتم ذلك على حساب الخدمات الاجتماعية أو الاستثمارات في البنية التحتية، لهذا ندعو إلى تعميق التكامل الأوروبي في مجالات التصنيع والمشتريات العسكرية المشتركة بما يحقق الكفاءة ويخفض التكاليف".

ويضيف، أن الأمن الاجتماعي والأمن الخارجي ليسا خيارين متعارضين، بل عنصران متكاملان في حماية المجتمعات الأوروبية، وأي محاولة لوضعهما في مواجهة بعضهما البعض تخدم فقط القوى المعادية للديمقراطية في أوروبا.

ويشدد على أن الرؤية الاشتراكية الديمقراطية لا ترى تعارضا بين الدبلوماسية وتعزيز القدرات العسكرية، موضحا أن السلام الحقيقي يحتاج إلى قوة تحميه، ولا يمكن التفاوض مع القوى التوسعية من موقع ضعف، ولذلك فإن امتلاك أوروبا لقدرات ردع موثوقة يمنحها وزناً أكبر على طاولة المفاوضات ويساعد في الحفاظ على الاستقرار.

ويشير إلى وجود نقاشات داخلية داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي بشأن حجم التوسع الدفاعي المطلوب، حيث لا تزال بعض الأصوات اليسارية تفضل التركيز على الحلول الدبلوماسية وتبدي مخاوف من الدخول في سباق تسلح جديد، إلا أن القيادة الحالية للحزب تتبنى مقاربة واقعية تستند إلى التحديات الأمنية القائمة.

ويضيف حسين خضر، أن التحول الألماني نحو دعم دفاع أوروبي أكثر قوة واستقلالية لا يمثل إجراء مؤقت أو استجابة ظرفية للأزمات الحالية، بل يعكس إعادة تموضع استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى حماية الديمقراطيات الأوروبية ونموذجها الاجتماعي وضمان قدرة القارة على الدفاع عن نفسها في عالم يشهد تصاعدا في التنافس والصراعات الجيوسياسية.

فيما يوضح البروفيسور خضر زعرور، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة نورث كارولينا، أن التوجه الأوروبي المتزايد نحو بناء منظومة دفاعية مستقلة "الناتو الأوروبي" لا يعني بالضرورة انهيار العلاقات عبر الأطلسي، لكنه يعكس حالة متنامية من القلق الأوروبي بشأن مدى الاعتماد على الولايات المتحدة في الملفات الأمنية والاستراتيجية مستقبلا.

ويؤكد في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن العلاقات الدبلوماسية والعسكرية بين الولايات المتحدة والقارة العجوز لا تزال قوية ومتينة إلى حد كبير، مشيرا إلى أن واشنطن ما زالت القوة الوحيدة القادرة على توفير مظلة أمنية واسعة للقارة الأوروبية في مواجهة التحديات الكبرى، سواء المتعلقة بالصعود الصيني أو بالتهديدات الروسية، ومع ذلك، فإن الأوروبيين باتوا يشعرون بوجود خلل في طبيعة هذه العلاقة خلال السنوات الأخيرة.

ويضيف أن سلسلة من القرارات الأمريكية، بدءا من الانسحاب السريع من أفغانستان والعراق، مرورا بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، خلقت لدى العواصم الأوروبية حالة من عدم اليقين تجاه استمرارية سياسات واشنطن والتزاماتها الدولية، وهو ما دفع الأوروبيين إلى البحث عن بدائل وخيارات استراتيجية تقلل من اعتمادهم الكامل على واشنطن.

ويشير إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استغل هذه الأجواء لمحاولة تعزيز التقارب مع بعض الدول الأوروبية، عبر الترويج لفكرة أن القارة العجوز ليست بحاجة دائمة إلى المظلة الأمريكية، بل يمكنها بناء علاقات أكثر استقرارا مع موسكو، لافتا إلى أن تركيا، صاحبة ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، اتجهت خلال السنوات الماضية إلى انتهاج سياسة أكثر استقلالية عن الحلف، مع تعزيز قنوات التواصل والتعاون مع روسيا في عدد من الملفات الإقليمية.

وبحسب زعرور، فإن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء في عهد ترامب أو جو بايدن، ساهمت بدرجات متفاوتة في ترسيخ الانطباع الأوروبي بأن الولايات المتحدة لم تعد الحليف الذي يمكن الاعتماد عليه بالدرجة نفسها التي كانت عليها خلال عقود الحرب الباردة، فبعد انتهاء تلك المرحلة، تغيرت أولويات واشنطن الاستراتيجية بشكل واضح، وأصبحت منطقة شرق آسيا وأمريكا اللاتينية تحظيان باهتمام متزايد مقارنة بأوروبا.

ويتابع أن الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لأوروبا بالنسبة للولايات المتحدة لم تعد بالحجم الذي كانت عليه خلال الفترة الممتدة من أربعينيات القرن الماضي وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي، خاصة مع صعود الصين واليابان وتعاظم الحضور الروسي على الساحة الدولية، وهو ما دفع واشنطن إلى إعادة توجيه جزء كبير من مواردها واهتماماتها نحو الشرق.

ورغم ذلك، يستبعد زعرور حدوث قطيعة كاملة بين الجانبين، مؤكدا أن الولايات المتحدة لا تستطيع التخلي عن أوروبا بشكل نهائي بسبب شبكة التحالفات العميقة التي تربطها بدول محورية مثل بريطانيا وألمانيا، فضلا عن الروابط الثقافية والسياسية والتاريخية الممتدة بين الطرفين.

وفيما يتعلق بمواقف ترامب، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة نورث كارولينا، أن الرئيس الأمريكي يركز بصورة أكبر على الجوانب الاقتصادية والاستثمارية مقارنة بالاعتبارات الأمنية التقليدية، إلا أن هذا التوجه يظل مرتبطا بمرحلة سياسية مؤقتة، لافتا إلى أن المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية لا تزال تنظر إلى روسيا والصين باعتبارهما المنافسين الرئيسيين للمصالح الأمريكية على المدى الطويل، وهو ما سيؤدي إلى استمرار دعم واشنطن للقارة العجوز في مواجهة التحديات الأمنية القادمة.

كما يشير إلى أن مناطق جديدة للتنافس الجيوسياسي بدأت تفرض نفسها على أجندة القوى الكبرى، وفي مقدمتها منطقة القطب الشمالي، التي أصبحت تمثل ساحة استراتيجية بالغة الأهمية لكل من الولايات المتحدة وروسيا والصين، موضحا أن التوترات المتصاعدة في تلك المنطقة تعكس استمرار الصراع على النفوذ العالمي، كما أن موسكو ستبقى أحد أبرز التحديات أمام الاستراتيجية الأمريكية خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي يجعل من الصعب تصور انسحاب واشنطن بالكامل من المشهد الأمني الأوروبي.

 

خطة بديلة سرية

وأكدت مجلة الإيكونوميست في 20 مايو، أن دولا أوروبية داخل حلف الناتو بدأت إعداد خطة بديلة سرية لمواجهة احتمال تراجع الالتزام العسكري الأمريكي تجاه أوروبا أو حتى تعطل عمل الحلف نفسه إذا قررت واشنطن عرقلة أي رد جماعي ضد روسيا.

وبحسب المجلة، فإن المخاوف الأوروبية تصاعدت بعد قرارات ترامب بتقليص القوات الأمريكية في أوروبا وإلغاء بعض عمليات الانتشار العسكري، إضافة إلى تهديداته السابقة بشأن المادة الخامسة من ميثاق الناتو الخاصة بالدفاع المشترك.

وذكرت أن مسؤولين عسكريين ودفاعيين أوروبيين يناقشون لأول مرة بشكل جدي سيناريو القتال من دون الولايات المتحدة، وكذلك من دون البنية القيادية التقليدية للناتو التي تعتمد تاريخيا على القيادة الأمريكية.

حلف الناتو
حلف الناتو

 

وأوضحت أن دول شمال وشرق أوروبا قالت إن أي خطة بديلة ستعتمد في الأساس على تحالف يضم دول البلطيق والدول الإسكندنافية وبولندا، باعتبارها الأكثر خوفا من التهديد الروسي والأكثر استعدادا للتحرك السريع، بينما هناك تحالف عسكري تقوده بريطانيا تحت مسمى "القوة الاستكشافية المشتركة"، ويضم 10 دول معظمها من شمال أوروبا والبلطيق، ولديه مقر قيادة دائم وشبكات اتصالات مستقلة نسبيا عن الناتو، إضافة إلى قدرات استخباراتية ولوجستية تتيح له التحرك السريع حتى من دون إجماع كامل داخل الحلف.


وترى الدكتورة كاميلا زاريتا، مستشارة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، أن التحركات الأوروبية الحالية نحو بناء منظومة دفاعية وأمنية أكثر استقلالية لا تمثل رد فعل مؤقتا على الحرب الروسية الأوكرانية أو التوترات الأخيرة في العلاقات عبر الأطلسي، وإنما تأتي في إطار مسار استراتيجي طويل بدأ منذ سنوات، موضحة أن أوروبا عملت تدريجيا على تعزيز قدراتها الدفاعية عبر عدد من المبادرات والمؤسسات، مثل وكالة الدفاع الأوروبية، والتعاون المنظم الدائم، وصندوق الدفاع الأوروبي، إلى جانب تطوير هياكل متخصصة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي تعنى بالأمن والدفاع.

وتؤكد في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الحرب في أوكرانيا كانت بمثابة عامل تسريع لهذا التوجه، بعدما أعادت تشكيل إدراك الأوروبيين لطبيعة التهديدات الأمنية المحيطة بهم، كما أن الضغوط الأمريكية المتكررة، خاصة خلال إدارة ترامب، بشأن ضرورة تحمل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها، ساهمت في دفع هذا النقاش إلى مراحل أكثر تقدما.

وتشير كاميلا زاريتا إلى أن الهدف الأوروبي لا يتمثل في الانفصال عن الولايات المتحدة أو استبدال حلف شمال الأطلسي، وإنما الوصول إلى قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي والجاهزية والمرونة داخل الإطار الأطلسي نفسه، بحيث تصبح القارة الأوروبية قادرة على التعامل مع المراحل الأولى لأي أزمة أو تهديد أمني دون انتظار التدخل الخارجي.

وتوضح أن مفهوم الأمن الأوروبي لم يعد يقتصر على الردع العسكري التقليدي، بل أصبح يشمل منظومة متكاملة تضم الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية، وإدارة الحدود، وأمن الطاقة، والتأهب المجتمعي، والتعاون الشرطي، وإدارة الأزمات، وبحسب تأكيد زاريتا، فإن أوروبا تتجه تدريجيا نحو نموذج أمني يقوم على مشاركة المجتمع بأكمله في مواجهة المخاطر، وهو ما يجعل المشروع الأوروبي الحالي أكثر من مجرد زيادة في الإنفاق العسكري، بل يمثل تأسيسًا لنظام أمني جديد أكثر شمولا.

وحول ما إذا كانت هذه التحركات تعكس مخاوف أوروبية من احتمال تراجع الالتزام الأمريكي بالدفاع عن القارة أو الانسحاب من الناتو مستقبلا، تقول إن الأمر لا يمكن وصفه بالخوف المباشر، لكنه يرتبط بإدراك متزايد لحجم التحديات الأمنية التي تواجه أوروبا في الوقت الراهن، خاصة أن الحرب مستمرة على الأراضي الأوروبية، كما أصبحت الهجمات السيبرانية والتهديدات الهجينة ومحاولات التخريب وحملات التضليل جزءا من المشهد الأمني اليومي، خاصة في دول شرق أوروبا ومنطقة البلطيق والبحر الأسود.

وتضيف أن الحكومات الأوروبية لا تتعامل مع حالة عدم اليقين باعتبارها سببا للشلل، بل تسعى إلى تحويلها إلى دافع لتعزيز الجاهزية والمرونة الداخلية، مشددة على أن الهدف ليس الاستعداد لرحيل الولايات المتحدة، وإنما تقليص نقاط الضعف الاستراتيجية وضمان قدرة الدول والمجتمعات الأوروبية على الصمود في المراحل الأولى من أي أزمة محتملة.

أما بشأن التحديات التي تواجه مشروع بناء حلف أوروبي أو منظومة دفاعية أوروبية أكثر استقلالا، تؤكد مستشارة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، أن التحدي الحقيقي يتجاوز مسألة بناء قوة عسكرية موحدة، ليشمل إنشاء نظام متكامل للأمن والمرونة والاستعداد، لافتة إلى أن المطلوب ليس فقط تحقيق التوافق بين الجيوش الأوروبية، بل أيضا تعزيز التنسيق بين أجهزة الحماية المدنية، وخدمات الطوارئ، وأجهزة الشرطة، وهيئات أمن الحدود، والمؤسسات المعنية بالأمن السيبراني، بالإضافة إلى مشغلي البنية التحتية الحيوية.

وترى أن المناطق الحدودية والشرقية في أوروبا أصبحت تمثل اختبارا حقيقيا لهذا النموذج الأمني الجديد، حيث تواجه في الوقت نفسه تهديدات عسكرية وضغوطا مرتبطة بالهجرة وأزمات الطاقة والهجمات الإلكترونية والتغيرات المناخية وحملات الحرب المعلوماتية، لذلك تعمل هذه الدول على تطوير قدراتها الدفاعية بالتوازي مع تعزيز جاهزية مؤسساتها ومجتمعاتها لمواجهة الأزمات المركبة.

وتوضح أن أوروبا لا تسعى إلى إنشاء بديل للناتو بقدر ما تسعى إلى الانتقال من مفهوم الأمن القائم على الدفاع العسكري فقط إلى مفهوم أوسع يرتكز على المرونة المجتمعية والمؤسسية، مشيرة إلى أن أهم درس استراتيجي تعلمته القارة العجوز خلال العقد الأخير هو أن التحالفات الدولية تظل ضرورية ولا غنى عنها، لكن القدرة الحقيقية على الصمود تبدأ من الداخل، عبر بناء مجتمعات ومؤسسات أكثر استعدادا لمواجهة التحديات المتزايدة في بيئة دولية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.

 

دول أوروبا في الناتو تتفوق على روسيا

وأظهرت دراسة أجرتها منظمة جرينبيس، في 26 مايو، أن الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو تتفوق على روسيا في فئات عسكرية رئيسية حتى بدون الولايات المتحدة، موضحة أن دول القارة العجوز الأعضاء في الحلف تتفوق عدديا على موسكو في فئات عسكرية أساسية، حتى من دون واشنطن.

وأشارت إلى أن القدرات الدفاعية لدول أوروبا في الناتو أقوى من الاعتقاد الشائع، بالمقارنة مع القدرات العسكرية الروسية، وذلك رغم المخاوف الأوروبية المتزايدة بشأن التهديدات الهجينة لموسكو واحتمالات تراجع الدعم الأمريكي العسكري لأوروبا.

قوة كل دولة داخل حلف الناتو
قوة كل دولة داخل حلف الناتو

 

وأوضحت الدراسة، أن الدول الأوروبية الحليفة وكندا أنفقوا خلال العام الماضي نحو 626 مليار دولار، بينما أنفقت روسيا 190 مليار دولار، لافتة إلى أن دول القارة العجوز الأعضاء في الناتو إلى جانب كندا تنفق مجتمعة على قواتها المسلحة أكثر مما تنفقه موسكو.

وقالت إن التفوق الأوروبي يتضح بشكل خاص في الطائرات المقاتلة، حيث تمتلك الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو وكندا 2215 طائرة مقاتلة، مقابل 1064 طائرة لدى روسيا.

وفي هذا السياق يشير الدكتور عمرو الديب، مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية بموسكو والأستاذ المشارك بالأكاديمية الرئاسية الروسية، إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية وما صاحبها من تغيرات عميقة في طبيعة العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة، تمثل أحد أبرز العوامل التي تدفع القارة الأوروبية إلى التفكير بجدية في إنشاء منظومة دفاعية مستقلة بعيدا عن الناتو.

ويوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الشكوك الأوروبية المتزايدة بشأن استعداد الولايات المتحدة للاستمرار في أداء دور الحصن الدفاعي للقارة العجوز باتت تتصدر المشهد السياسي والأمني داخل أوروبا، موضحا أن حلف الناتو شكل منذ تأسيسه المظلة الأمنية الأساسية للدول الأوروبية، وكان بمثابة خط الدفاع الأول عن أمن القارة لعقود طويلة.

ويشير إلى أن الحديث عن تأسيس جيش أوروبي موحد أو إنشاء تحالف دفاعي أوروبي مستقل ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى سنوات عديدة، وتحديدا منذ عام 2016، إلا أن التطورات المتسارعة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا والعلاقات المتوترة مع روسيا ساهمت في تسريع هذا التوجه وتحويله من مجرد فكرة سياسية إلى مشروع يناقش بجدية داخل العواصم الأوروبية الكبرى.

ويضيف أن الصراع الدائر بين موسكو وكييف كشف للأوروبيين حجم اعتمادهم العسكري والأمني على الولايات المتحدة، كما أظهر في الوقت ذاته حجم التباينات المتزايدة في المصالح بين ضفتي الأطلسي، وهو ما دفع عددا من دول القارة العجوز إلى البحث عن بدائل استراتيجية تضمن استقلالية القرار الدفاعي الأوروبي بعيدا عن التأثيرات الأمريكية المباشرة.

وبحسب تأكيد الدكتور عمرو الديب، فإن المواقف الأخيرة داخل حلف الناتو عكست وجود فجوة متنامية بين الرؤيتين الأوروبية والأمريكية تجاه العديد من الملفات الدولية، الأمر الذي عزز القناعة لدى بعض عواصم القارة العجوز بضرورة امتلاك أدوات دفاعية مستقلة قادرة على حماية مصالح القارة دون الاعتماد الكامل على واشنطن.

ويتابع أن فرنسا وألمانيا تقودان هذا التوجه بشكل واضح، انطلاقا من إدراكهما أن البيئة الأمنية العالمية تشهد تحولات متسارعة قد تؤدي مستقبلا إلى تراجع الالتزام الأمريكي التقليدي بأمن أوروبا، خاصة في ظل تصاعد الدعوات داخل الولايات المتحدة للتركيز على المصالح الداخلية والمنافسة مع الصين في آسيا.

ويرى الديب أن التقارب المحتمل بين بوتين وترامب يثير مخاوف متزايدة لدى الأوروبيين من إمكانية حدوث تفاهمات أمريكية روسية لا تأخذ بالضرورة المصالح الأوروبية في الاعتبار، وهو ما يدفع القارة العجوز إلى تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية تحسبا لأي تغيرات مفاجئة في طبيعة التحالفات الدولية.

ويؤكد أن هذه المخاوف لا تتعلق فقط بالعلاقة مع روسيا، وإنما أيضا بمدى موثوقية الشريك الأمريكي على المدى الطويل، لافتا إلى أن بعض القوى في القارة باتت ترى أن بناء حلف دفاعي أوروبي أو جيش أوروبي موحد بقيادة فرنسية ـ باعتبار فرنسا القوة النووية الأبرز داخل الاتحاد الأوروبي ـ قد يكون الخيار الأكثر واقعية لضمان أمن القارة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

ويوضح أن الحرب الروسية الأوكرانية لم تخلق هذه الأفكار من العدم، لكنها سرعت بشكل كبير النقاشات الأوروبية حول مستقبل الأمن الجماعي للقارة، وقد تدفع خلال السنوات المقبلة نحو إعادة رسم خريطة التحالفات الدفاعية التقليدية التي حكمت أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وبين الرغبة في تحقيق استقلال استراتيجي أكبر والخشية من إضعاف التحالف التاريخي مع الولايات المتحدة، تقف أوروبا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي قد يعيد رسم خريطة الأمن في القارة لعقود قادمة، فنجاح مشروع إنشاء قوة دفاعية أوروبية موحدة لن يعتمد فقط على حجم الإنفاق العسكري أو عدد الجنود والعتاد، بل سيتوقف بالدرجة الأولى على قدرة الأوروبيين على تجاوز خلافاتهم السياسية، وتوحيد رؤيتهم للمخاطر المشتركة، وبناء إرادة استراتيجية جماعية توازي حجم التحديات التي يفرضها عالم يتجه بصورة متسارعة نحو تعددية قطبية أكثر تعقيدا واضطرابا.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة